سليم عزوز يكتب: إسرائيل ومرحلة ما بعد السيسي!

لم تأخذه به شفقة؛ فعندما فكر رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو وقدر، لم يضع اعتبارا لسابقة الأعمال التي قدمها عبد الفتاح السيسي لإسرائيل، إنما نظر إلى الغد، وعليه فقد كان توقيعه مع اليونان وقبرص لتصريف غاز بلاده إلى أوروبا، فالحي (ساعتها) سيكون أهم من الميت أو من في حكمه، ومن غادر الحكم فقد مات!

يعدهم ويمنّيهم، وكان الوعد السيساوي أن إسرائيل ستوكل إليه بمهمة تسييل الغاز، ومن ثم ستقوم بتصديره إلى أوروبا، ومن هنا جاءت دعاية أن مصر ستكون مركزا للغاز في العالم، بما يمكنها من الانضمام لمجلس التعاون الخليجي، لتحقيق الوعد القديم للانقلاب العسكري، الذي قطع صبيحته بأن مصر في طريقها للانضمام للمجلس بفضل جهود عبد الفتاح السيسي، وكأن هذه العضوية هي وعد بالغنى الفاحش. ثم تجدد الوعد مرة أخرى بعد المشاركة في حصار قطر، ويومئذ قيل إن الدوحة ستخرج من المجلس لتحل مصر محلها!

حالة من النشاط سرت في الجسد الميت، بعد الترويج للصفقة مع إسرائيل، وعندما نشر (من الجانب الإسرائيلي بطبيعة الحال) أن مصر وقعت عقدا لاستيراد الغاز من إسرائيل، كان الرد بأنها الصفقة الموعودة، فلا حاجة لمصر لاستيراد الغاز الإسرائيلي وقد كانت من قبل تبيع لها الغاز بتراب الفلوس، في زمن خالد الذكر حسني مبارك، وعندما تم النظر في العقود، وكيف أن الغاز بأسعاره المعلنة أغلى من أسعاره العالمية، قيل إنها صفقة غير الصفقة، وأنه عقد لتمكين مصر من أن تكون مركز استقبال للغاز الإسرائيلي لإسالته في محطاتها وتصديره لأوروبا باعتبار مصر دار ممر وليست دار مستقر للغاز، وهتف قائلهم: لقد أحرزنا هدفا نظيفا بهذه الصفقة!

وكان المعلن قبل هذا، أنه بدخول العام 2018، فإن مصر ستحقق الاكتفاء الذاتي من الغاز بعد اكتشاف حقل ظهر، ونسينا أن عامين مرا دون ذلك. وبنهاية العام التالي 2019 كان الحديث عن صفقة استيراد الغاز من إسرائيل، والمفاجأة أن العقد بعشر سنوات، وأن قيمته 15 مليار دولار، وأنه أغلى من سعره العالمي بكثير، وأنه للاستهلاك المحلي!

حلب الثور:

نقول: ثور، فيقولون: احلبوه، ونقول إن الجانب الإسرائيلي قال إن العقد ينص على أن هذا الغاز للاستهلاك في مصر، فيقولون إن مصر ستقوم بتسييله وتصديره. وعندما يتم الإلحاح على الأذهان بما تم النص عليه في العقد بأنه للاستهلاك المحلي، يكون الرد بأنه بشراء الغاز صار ملكا لمصر، ومن ثم فهي التي ستقوم بتسييله وبيعه لحسابها، ذلك بأن أفئدتهم هواء، ولهول الصدمة لم يصدقوا أن جريمة ارتكبت!

إن النص على الاستهلاك المحلي له دلالته، فليس من حق مصر أن تبيع الفائض خارج أسواقها المحلية، ثم إنها إن تمردت وفعلت، فلن تجد مشتريا لأنها اشترت بسعر يفوق سعره العالمي، تماما كما فعل مبارك ببيع الغاز بأقل من سعره العالمي!

وفي عهد مبارك كانت صفقة فساد، لصالح ذراعه الأيمن حسين سالم، ولصالح أنجاله أيضا، لكنه في صفقة ولاء، ولإدراكه أنه يشتري شرعيته بذلك، تماما كما اشتراها بصفقات تجارية ومن فرنسا، إلى روسيا، مرورا بألمانيا!

إن مبارك هو من أقام في مدينة دمياط مراكز تسييل الغاز، ولا نعرف إن كان السيسي قد أضاف إليها بعد الوعد المبدئي لإسرائيل بالانتقال بمصر لأن تكون مركزا لتسييل الغاز، وهو ما نصبوا له الأفراح والليالي الملاح، ورغم هذا كانت الصفعة المدوية!

فنتنياهو ، صديق السيسي ومصدر ثقته، قد “صرف النظر” عن صفقة تسييل الغاز في مصر، ووقع صفقة مع كل من اليونان وقبرص، للانتقال بالغاز الإسرائيلي من البحر إلى أوروبا، مع أن النفقات ستكون أقل في حالة التعاقد مع مصر، لأنه فضلا عن أن التكلفة ستكون أرخص، فإنها ستضمن تسييل الغاز وليس بيعه خاما، كما في الصفقة الأخيرة، فضلا عن أنه يمثل مبررا في يد السيسي، لتبرير إقامة علاقة معها وبما يمهد للوصول للهدف الأسمى وهو التطبيع الشعبي!

إن ناصريين نعرفهم بلحن القول تنكروا لأدبياتهم التي تقوم على العداء لإسرائيل، وهللوا لصفقة شراء الغاز منها. فيكفي أنها أغاظت أردوغان الطامع في شراء غاز إسرائيل، كما يكفي أنها ستجعل من مصر مركزا لتسييل الغاز. لكن إسرائيل تؤمن بأنه لا عواطف في السياسة ولا سياسة بالعواطف، فكان تعاقدها مع قبرص واليونان، لأنها تقوم بتأمين مصالحها في مرحلة ما بعد السيسي!

وقف ضخ الغاز:

فهى تعمل حساب ثورة على السيسي يكون من نتائجها وقف ضخ الغاز الإسرائيلي لمصر، وهناك سابقة في ذلك، عندما تم استهداف خط الغاز من مصر إلى إسرائيل بعد ثورة يناير أكثر من مرة وانتهى الحال لوقت تصدير الغاز. ورغم أن هذا كان على غير إرادة السلطة المصرية، إلا أن إسرائيل نجحت في كسب تعويض في محكمة أول درجة، ولا أظن أن الجانب المصري في عملية التحكيم كان أمينا على المصالح المصرية، وساق هذا الدفع وغيره من دفوع. فالسؤال المهم هو: ما هي بنود التعاقد بين الشركة الإسرائيلية وشركة حسين سالم؟ فهل دخلت الحكومة المصرية في هذا التعاقد المشبوه طرفا ضامنا؟ ولماذا لم يظهر هذا في مرحلة التقاضي في مصر ضد التعاقد المريب، عندما كان التعلل بأن الحكومة ليست طرفا فيه، ومن ثم تنعدم ولاية القضاء الإداري عليه؟!

صحيح أن مصر أمامها مرحلة أخرى للتقاضي، لكني لا أعتقد أن السلطة الحالية ستبذل جهدا لكسب القضية، وستقوم فلسفتها على أن تثبيت التعويض لصالح إسرائيل سيعطي حصانة لتعاقدها الجديد معها، بما مفاده أن التحلل منه سيترتب عليه تعويض أيضا لصالح إسرائيل، كما أنه سيبرر للسيسي قيامه بالتعاقد الجديد المجحف، باعتباره “عربون محبة”، لعدم مطالبة إسرائيل بحقوقها، ليظل التعويض سيفا على رقبة أي نظام جديد بديلا للسيسي. وهكذا تحافظ إسرائيل عليه، وتضمن مكانة أفضل في التفاوض مع النظام الجديد، لكنها مع هذه الخدمات الجليلة للسيسي، فإنها تتصرف كلية لمرحلة يغيب فيها عن المشهد، بالتعاقد على تصدير غازها إلى أوروبا عبر اليونان وقبرص، وبتكلفة أعلى!

فخسارة إسرائيل ستكون فادحة، لو تم استهداف خط الغاز (الخاص بالتسييل) إذا قامت ثورة جديدة، لكن تظل ضامنة لحقها إذا تم استهداف خط التصدير لمصر، لأنها هنا فضلا عن أن غازها سيكون عندها، فإنها ستلجأ مرة أخرى للتحكيم لتحصل على تعويضات باهظة من النظام المصري، لتكون أمام تعاقد يدخل في إطار الخيانة الوطنية، ويجعل من يد إسرائيل هي العليا.

تعمل إسرائيل لمرحلة ما بعد السيسي، ولا تأخذها به شفقة، ولا تهتم بتحسين موقفه لدى المصريين بتمكينه من صفقة تسييل الغاز، فالنفس أولى من الصاحب!

لقد باعوه في محمد محمود!

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

عبد الرحمن يوسف يكتب: تعليقات على الأحداث

في قضية الشاب المعتقل ظلما “شادي أبو زيد”، تعرّت مؤسسات القضاء كالعادة من كل رداء ...