محمد عماد صابر يكتب: “في عهد السيسي.. لماذا يزداد الأثرياء ثراءً والفقراء فقرا”

أرجع التقرير الأسباب إلى السياسات الاقتصادية الخاطئة التي يمارسها السيسي وعصابته، لكنه لم يقل لنا لماذا ينتهج النظام متعمدا ومتدرجا في فشله تلك السياسات؟

في هذا السياق يمكن القول إن نظام السيسي وعصابته يتعمد ممارسة هذه السياسات الخاطئة في إطار مشروع إفشال الدولة المصرية، ويتبع في ذلك استراتيجية “تركيز القوة والنفوذ” للانتقال من حكم المجلس العسكري إلى حكم السيسي الفردي. وقد حُددَ فيها “بنك الأهداف” و”الخطط التنفيذية”. نكتفي في ما يتعلق بموضوع التقرير (القمع الاقتصادي) باحتكار الاقتصاد والتحكم في احتياجات الناس.. وذلك من خلال بروز المؤسسة العسكرية ليس قوة عسكرية فقط، ولكن كقوة اقتصادية مهيمنة على السوق المصرية وابتلاع الاقتصاد المصري في حويصلات السيسي وعصابته.

والهدف من هذا المسار ليس تحقيق أرباح ومكاسب مادية وشخصية كبيرة فحسب، ولكن أيضاً بهدف تحقيق سيطرة وهيمنة على الاقتصاد والسوق للتحكم في معاش الناس وإخضاعهم، من خلال احتكار السلع الأساسية للمواطنين (القمح والسكر والدواء وألبان الأطفال.. الخ)، مما يتيح إجهاض أية تحركات احتجاجية بالتهديد بالأزمات المعيشية ومنع الاحتياجات الأساسية.

فهذا التدهور الكبير في الحالة الاقتصادية التي تمس غالبية الناس في البلاد ليس نتيجة الفشل في إدارة الاقتصاد، أو حتى نتيجة للفساد المستشري، بل ثمة تعمد للوصول إلى هذه الحالة بهدف قمع الناس اقتصاديا بعد قمعهم أمنياً، بحيث يدورون ليلاً ونهاراً بحثاً عن معاشهم وحاجتهم الأساسية، مما لا يترك وقتاً ولا طاقة لأي مطالب بديمقراطية أو حريات أو الحق في العيش الكريم…

تحويل الطبقة المتوسطة (المكون الرئيسي داخل المجتمع) إلى الطبقة الفقيرة، وتكوين طبقة متوسطة صغيرة موالية للنظام.

الطبقة المتوسطة هي دينامو المجتمع وطاقته، وهي الأحرص على الحقوق والحريات العامة، والمحرك الأساسي للثورات والاحتجاجات، والرافعة لأية معارضة حقيقية تطالب بالحريات أو تطالب بتغيير للنظام الحاكم.

يدرك السيسي وعصابته ذلك، فاتبع مسار الإفقار المتعمدة بهدف إضعاف هذه الطبقة المتوسطة تمهيداً للقضاء عليها، لتنتقل تلك الطبقة إلى الطبقة الفقيرة المنهكة والمنشغلة طوال الوقت في تحقيق الحد الأدنى من متطلبات الحياة الأساسية، وتختفي معها أية مساحة للمطالبة بالحقوق السياسية والديمقراطية والكرامة الإنسانية، وهو ما يفقد المجتمع أهم عناصر حيويته وفاعليته.

في المقابل، عمد السيسي ونظامه على دعم جزء صغير فقط من الشعب لتكوين طبقة متوسطة مصطنعة من فئات اجتماعية محدودة موالية له، من أفراد المؤسسة العسكرية والأجهزة السيادية والأمنية والقضاة، وحرص على تحقيق مزايا كبيرة لهم ليحافظ على دعم هذه الفئة له وارتباط مصالحهم، والامتيازات التي يتحصلون عليها بوجوده واستمراره على رأس السلطة.

في ذات السياق يمكننا القول إن المستبد الفاسد حريص على إفقارك.. وشيخه يزين لك فقرك.

يقول ماركس: “الفقر لا يصنع ثورة؛ إنَّما وعي الفقر هو الذي يصنع ثورة. الطاغية مهمَّته أنْ يجعلك فقيراً، وشيخ الطاغية (أيْ رَجُل الدِّين) مهمَّته أنْ يجعل وعيكَ غائباً”.

أنْ تعي أنَّكَ فقير فهذا ليس بـ”وعي الفقر” الذي يصنع ثورة، وأن تدرك الفرق بين الفقر والغني فهذا لا يكسبك صفة الذكاء، فحتى كلاب وقطط الشوارع تميِّز مزبلة الفقير من مزبلة الغني.

ووعي الفقر إنَّما هو وعي بأسبابه، ووعي هذا السبب على أنَّه هو أيضاً سبب غنى الحاكم المستبد ومنظومته الفاسدة، ففقرك من غناهم وغناهم من فقرك، فهذا الفقر من ذاك الغنى، وهذا الغنى من ذاك الفقر.

إن غاية نظام السيسي وعصابته هي “امتصاص دمكَ”، بطرائق شتَّى، فلا مهمَّة لديه إلاَّ جعلك فقيراً، ولتزداد فقراً، حتى يغتني هو وحاشيته ويزدادوا غنى.

وأي حاكم مستبد فاسد يحتاج إلى “رَجُل الدِّين، مسلما أو مسيحيا..”، فيُنْعِم عليه بشيء من المال الذي نهبه وسرقه من الشعب من أجل أنْ يؤدِّي، ويُحْسِن تأدية مهمِّته، والتي هي أنْ يجعل وعيكَ (أنتَ الفقير) غائباً، فيُغيِّب وعيكَ بالسبب الحقيقي لفقرك، ويبث في عقلك ورأسك وقلبك وعياً آخر.

فشيخ الاستبداد يُزيِّن لكَ فقركَ، وينفث في روعكَ أنَّ الفقر أمْرٌ حتمي وطبيعي ولا مهرب منه، وأنَّه أزلي أبدي؛ فالله أراد للناس جميعاً أنْ ينقسموا هذا الانقسام (الأزلي الأبدي). الله هو موزِّع الأرزاق؛ هو الخالق لفقر الفقير، ولغنى الغني؛ وليس من صلة سببية بين فقر الفقير وغِنى الغني. الله جعل الناس طبقات (طبقتان اثنتان قد تتوسطهما طبقة ثالثة). لقد أعطى لفئة ضئيلة من الناس حصة الأسد من ثروة المجتمع، وأراد أنْ يرى في هؤلاء (في مأكلهم وملبسهم ومسكنهم..) آثار نعمته. وأعطى ما بقي من ثروة المجتمع للشعب، أيْ للغالبية العظمى من الناس؛ لكنَّه دعا الذين أغناهم إلى البرِّ والإحسان والتصدُّق..

وينبغي للفقير (ولو ازداد فقراً، وتضوَّر جوعاً) أنْ يحمد الله على هذا المكروه، والذي فيه اختبار وامتحان من الله لإيمان، وصلابة إيمان، الفقير. ينبغي له ألاَّ يتذمَّر ويتمرَّد ويثور.. وإلاَّ كَفَر، وكُفِّر. وينبغي له ألاَّ يَنْظُر إلى غنى الغني على أنَّه نتيجة لفقر الفقير؛ فالغني أغناه الله، والفقير أفقره الله، أمَّا ثورة الفقراء فهي رجس من عمل الشيطان، وعصيان يعدل عصيان إبليس.

ينبغي للفقير أنْ يرضى ويقنع، وأنْ يحمد ربه دائماً على ما ابتلاه به من فقر وعوز وفاقة وجوع وحرمان. أمَّا إذا أراد غنى بعد فقر فعليه أنْ يُكْثِر من الأدعية والصلوات، وأنْ يجتنب طريق الشيطان، أيْ الثورة والتمرد.. فلا فَرْق تقبله السماء بين البشر إلاَّ الفرق في التقوى؛ وما الدنيا إلا متاع الغرور، وإنَّ الآخرة لخير وأبقى.

أنْ يغتني الفقير من ماله الذي نهبه المستبد وزمرته (من طريق الثورة، لا من طريق الصدقة) فهذا إنَّما هو السَّرقة بعينها؛ أمَّا أنْ يغتني المستبد وحاشيته من فقر الفقير، ومن تماديه في إفقاره، فهذا إنَّما هو الغنى الحلال بعينه.

إذن.. فما يطلبه شيخ الاستبداد من الفقير أنْ يرضى العيش إلى أبد الدهر في وادي الدموع، يجوع ويتعذَّب ويحزن ويبكي.. في الدنيا، ليشبع ويرتاح ويسعد ويضحك.. في الآخرة؛ وأنْ يصبر ويتحمَّل ويكابد ويقاسي ويعاني، معلِّلاً نفسه بجنَّات عدن تجري من تحتها الأنهار، وبالحور العين، وبسائر الملذَّات التي حُرِم منها في الدنيا الفانية.

يعني سَلِّمْ بفقركَ الذي كتبه الله لكَ؛ لكنْ إيَّاكَ أنْ تَقَع في شروره الأخلاقية، فلا تثور، ولا تتمرَّد. وإذا كان الجوع كافراً، فلا تكفر، وإلاَّ خسرتَ الدنيا والآخرة!!.. إلخ، فمقولات وسرديات هذا النوع من الخطاب كثيرة ومتنوعة غايتها شرعنة وتبرير أنظمة الاستبداد والفساد.

بهذا الخطاب الذي يغيبك وعيك بأسباب فقرك يُحْكِم شيخ الاستبداد قبضته (وقبضة سيِّده) على عقلكَ، فيجعلك عدوَّاً لنفسكَ؛ عدوَّاً لحقوقكَ، ولمصالحك الحقيقية.

أمَّا المستبد وشيخه وحاشيته فهم أذكى من أنْ يُصَدِّقوا أنَّ الجوع يمكن أنْ ينزل على الجائع برداً وسلاماً.

إن الجهل بأسباب الفقر الاجتماعي جَعل الفقراء أغناماً، بينما الوعي الحقيقي للفقر يدفع للثورة واسترداد الشعب لحقوقه المسلوبة.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

عبد الرحمن يوسف يكتب: تعليقات على الأحداث

في قضية الشاب المعتقل ظلما “شادي أبو زيد”، تعرّت مؤسسات القضاء كالعادة من كل رداء ...