عبد الرحمن أبو ذكري يكتب: واقع صناعة الكتاب في مصر

برغم أن مهنة نشر الكتب في مصر تضرِبُ بجذورها في القرن التاسع عشر، إلَّا أن عشرينييات وثلاثينيات القرن العشرين، قد شَهِدَت تحولا دراماتيكيّا غير مسبوق؛ بانتقالٍ جزئي لمركز الثقل المهني من نشر التراث إلى الأعمال الأدبيَّة والفكريَّة الحديثة لبعض طلائع الحداثة: العقَّاد والرافعي والحكيم وطه حسين والمازني وهيكل وسلامة موسى.

وبدأ ظهور جيل جديد من الناشرين (الليبراليين؟)؛ لا يحتل التراث قمة سُلَّم أولويَّاتهم، بل قد لا يحتل أي مكان على الإطلاق. وقد صادرت التجربة الناصريَّة جمهرة لا بأس بها من هذا الجيل، لحساب الدولة؛ إما بالتأميم والاستيلاء وإما باعتقال صاحب الدار وإغلاقها إلى أجل غير مُسمَّى، أو بهما معا، كما في حالات مثل وهبة ومحمد المعلم، وكل من توجَّه للكتاب الفكري “الإسلامي” تحديدا؛ لتُمثِّل ستينيات القرن العشرين انقطاعا حقيقيّا واضمحلالا مُفزِعا، لم ينجُ منه في الغالِب إلا ناشرو التراث القُدامى، وحتى هؤلاء؛ فقد كان جل جمهورهم في المعتقلات. كذا، نجا بعض من تماهوا مع خط الدولة في النشر، مثل سعيد السحَّار؛ الذي كانت لجنة نشر الجامعيين خاصته، رافدا للجنة التأليف والترجمة والنشر، ولوزارة الإرشاد.

لقد كان طبيعيّا أن تُقصي الدولة الناصريَّة أي ناشرٍ يحاول الخروج على أيديولوجيتها، ويفترض وجود سرديَّة غير سرديتها؛ فهذه طبيعة نمط تكوينها، كدولة مطلقة؛ تُكرِّس الانفراد المطلق بساحة نشر الكتاب الفكري الحديث بالأساس، ومن ثم؛ بتوجيه الفكر والثقافة. لهذا، فلم تبدأ صناعة النشر في مصر باستعادة عافيتها بعض الشيء إلا خلال النصف الثاني من السبعينيات، وإبَّان الثمانينيات؛ لتنتكس مرَّة أخرى مع ضرب شركات توظيف الأموال، التي كان لبعضها استثمارات ضخمة في مجال النشر.

صحيح أن الجعجعة الناصريَّة قد انقضت (مذ ذاك) إلى غير رجعة، إلا أن الدولة في عهد حسني مبارك لم تنسحِب من المجال الثقافي، وإنما غيَّرت طريقة أدائها فحسب، بما يتناسب مع انتقالها من رأسماليَّة الدولة (المسماة اشتراكيَّة) إلى الرأسماليَّة “الدوليَّة”؛ لتصير الدولة مُنافِسا شَرِسا للناشرين، بعد أن انقضى زمان أداء دور الناشر الأوحد. صحيح أنها لم تَعُد تقمعهم بالجُملة، عدا في حالاتٍ استثنائيَّة؛ إلا أنها لم تدعمهم كما تفعل كل الدول التي تبغي النهوض من كبوتها. بل عمدت الدولة لحرف وجهة المؤسسات التي كان يُفترض بها توفير بعض الدعم غير المباشر للناشرين، وحوَّلتها إلى “سبوبة” لارتزاق بعض القرَّادين ومُثقفي الحظيرة. ومن ذلك مثلا ما حدث لـ”المركز القومي للترجمة”؛ الذي يضطلع في كل بلدان العالم بدور الداعِم الرئيسي لترجمة تراث البلد وثقافته إلى اللغات الأجنبيَّة، فإذا به يصير في مصر ناشرا يُنافِس الناشرين في صناعتهم، وينقَلِب نشاطه إلى نشر أشتات (لا رابط بينها) من الكتب المترجمة عن اللغات الأجنبيَّة إلى اللغة العربيَّة، تلبية لأهواء بعض رؤوس حظيرة وزير الثقافة الأسبق؛ فاروق حسني.

لهذا، فحتى مع استعادة سوق النشر في مصر بعض عافيته، بعد انقضاء المحرقة الناصريَّة؛ فإنه لم ينجح أبدا في استعادة مكانته التي سلبته بيروت إياها. وربما كان ذلك (مُضافا إليه الإفقار الاقتصادي المنهجي والتدهور المخزي للتعليم والثقافة) سببا في صيرورة مصر من أضعف أسواق الكتاب العربي من حيث القدرة الشرائية (أضعف سوق بالفعل)، رغم أنها أكبر كتلة بشرية في العالم العربي (أضخم سوق بالقوَّة)؛ حتى انحدرنا لمرحلة أمست فيها القدرة الشرائية لبعض دويلات النفط، التي لا يزيد تعداد سكانها على تعداد حي قاهري صغير؛ ضِعف مثيلتها في مصر.

أضِف إلى ذلك كله محاباة الدولة، منذ زمن تسلُّط سوزان مبارك على الثقافة؛ لدارين أو ثلاثة من دور النشر الخاصة، لتَصُب فيها أموال المعونة الأمريكيَّة صبّا؛ فتتضخَّم فوق ضخامتها، وذلك على حساب صغار الناشرين المستقلين.

ثم شَهِدَت صناعة النشر انتعاشة جد قصيرة، تزامنت مع الانفتاح المؤقَّت للمجال السياسي (2012-2014م)، قبل أن تنتكِس مرَّة أخرى عَقِب تمكُّن هيمنة الانقلاب العسكري، الذي واصلت حكوماته سياسات سوزان مبارك، مع اختلافات طفيفة؛ إذ صادرت وحطَّمت أكبر سلسلة مكتبات في مصر (مكتبة ألف)، بدعاوى مُختَلَقة لا تعدم مثلها الأنظمة الفاشيَّة في كل مكان؛ لتُصيب سوق الكتاب في مقتل، إذ كانت شبكة مكتبات ألف تبيع 60-70 في المئة من الكتاب العربي في مصر. وهي المذبحة التي يبدو لنا أنها تَصُبُّ (بصورة غير مباشرة) في مصلحة بعض الناشرين الكبار، الذين كانت امرأة مبارك تُحابيهم.

وكان تدهور قيمة الجنيه المصري (منذ 2016-2017م) أمام العملات الأجنبيَّة هو القشَّة التي قصمت ظهر بعير الصناعة، لا لأننا نستورِدُ الورق والحبر ومعدات وخامات الطباعة فحسب؛ بل لأن مجتمع الناشرين المصريين يمر كذلك بمرحلة مراهقة متأخرة في اختيار العناوين الجيدة، وبمرحلة طفولة في تقنيات التوزيع والتسويق، وبمرحلة جنينية في صناعة المحتوى والإخراج. ومن ثم؛ فلا زلنا نعتمِدُ على الناشرين العرب في توفير جمهرة مُتطلَّبات السوق المصري، ومنهم ناشرون من دول تعلَّم أهلها القراءة والكتابة في مصر!

وبعد هذا الاستعراض السريع، لبعض ملامح هذه الصناعة في مصر، وتاريخها الذي يبدو كأنه يسير من سيئ إلى أسوأ، خصوصا منذ أواخر خمسينيات القرن العشرين؛ فقد يبدو للناظِر المتعجِّل ألَّا مخرج من هذه الدائرة الجهنميَّة في الأفق المنظور، بيد أن تجربة التاريخ القريب تُعلِّمنا أن لحظات الانتعاش والانفراج القصيرة، التي شَهِدتها الصناعة (خلال الخمسة وسبعين عاما الماضية) قد أعقبت دوما حِقَبَ قمعٍ سياسي شديد، وتدهور تعليمي أشد؛ فكأنها لحظات انفجاريَّة يجنح فيها القارئ خلال سنوات قِصار لتعويض ما فاته في عقود، فكأنه يستفيق مؤقتا من إغماءة إجباريَّة. هذه اللحظات النماذجيَّة تبدو كأنها لا مجرَّد الدفعة التي تتلقاها الصناعة (كل آونة وأخرى)، حتى تستمر وتعبُر السنوات العِجاف المتكررة، بل كأنها الدفعة التي يتلقاها الوعي في مصر، إذ يستفيق استفاقة قصيرة نطمح كل مرَّةٍ في إطالة أمدها قليلا؛ فهذا أقصى ما تعبَّدنا الله به، وهذا جل ما نطمح إليه، ونسعى إليه جاهدين.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

سعيد الشهابي يكتب: مسلمو الروهينغيا: إبادة شاملة وصمت دولي

وأخيرا صدر عن محكمة العدل الدولية الأسبوع الماضي أمر لحكومة ميانمار (بورما) باتخاذ إجراءات عاجلة ...