أشرف دوابه يكتب: فوائد البنوك بين التبرير والتضليل

شهدت الأيام الماضية إثارة لقضية فوائد البنوك مرة أخرى، من خلال دار الإفتاء المصرية ومفتيها ومستشاره العلمي. ولا يهمني السلوك الشخصي لهؤلاء واتهام الثاني لأهل العلم والتخصص بالجهل والتطرف، وهو أمر مردود عليه، خاصة وأن مثل هذا الموضوع لا ينبغي أن يتكلم فيه إلا من أحاطه من جميع جوانبه اقتصاديا وشرعيا، ولم تحركه فتواه لمنصب أو جاه، فضلا عن شخص أفتى بقتل حفظة كتاب الله، وأوغل في الدماء، فلا ضير عنده من التوغل في الأموال وأكلها بالباطل.

لمفسدة العظيمة التي اشتمل عليه الربا لا تزول بتغيير اسمه من الربا إلى المعاملة، ولا بتغيير صورته من صورة إلى أخرى

إن ما يحدث الآن يعود بالذاكرة إلى العام 2003م حينما ألّفت كتاب (فوائد البنوك بين الإباحة والتحريم) ردا على الفتوى الشاذة للشيخ طنطاوي، ثم عاودت إصدار كتاب آخر في العام 2008م ردا على فتوى طنطاوي ثم علي جمعة معا، والكتاب فيه من المعطيات الاقتصادية والشرعية ما يفند تلك الآراء المتهافتة المخالفة لإجماع الأمة.

لقد جاءت فتوى المفتي الحالي ومستشاره العلمي من منبع فتوى علي جمعة، بالتلاعب بالألفاظ ووصف ربا البنوك بأنه عقد تمويل أو استثمار، وهذه تسمية للأشياء بغير مسمياتها، فهذا القول بعيد كل البعد عن كبد الحقيقة وواقع الحال، فالبنك التقليدي في الحقيقة يأخذ من العميل، ولكنه يأخذ قرضا، ويعطي للعميل ولكنه يعطي قرضا. فالقرض لب هذا العقد، ومحيط به من كل جوانبه؟! وقد عرف العرب في الجاهلية القرض الربوي كما هو عليه العمل في البنوك التقليدية، وها هو الفخر الرازي يقول في تفسيره: “إن ربا النسيئة هو الذي كان مشهورا في الجاهلية لأن الواحد منهم كان يدفع ماله لغيره إلى أجل، على أن يأخذ منه كل شهر قدرا معينا، ورأس المال باق لحاله”؟!.

فما هو الربا إذن إن لم تكن فوائد البنوك هي الربا؟! فهل انتهى الربا في فقه هؤلاء إلى غير رجعة بتغيير الإسم إلى عقد تمويل أو عقد استثمار رغم اعتراف الغربيين أنفسهم والذين نشأت البنوك في أحضانهم بأن سعر الفائدة ربا حتى أيقنوا حقيقة الفائدة الصفرية ودعوا للمشاركة في الغنم والغرم فكرا وتطبيقا! أي شرعية هذه تحت اسم عقد تمويل أو استثمار والبنوك التقليدية لا تفرق بين الحلال والحرام في توظيف أموالها؟!

إن المقطوع به في الدراسات الاقتصادية عامة والنقدية خاصة أن ربح البنوك التقليدية، يتمثل في الفرق بين الفائدة المدينة المستحقة للمودعين والفائدة الدائنة المستحقة على المقترضين، وأن هذا السعر يمثل الفرق بين النقد الحال والنقد الآجل، ويتأثر تحديده بعوامل عديدة لا صلة لها بنتائج نشاط المشروعات إيجابا وسلبا منها: القوانين التي تضعها الدولة، والمصالح الشخصية لأصحاب المصارف والمؤسسات المالية، والمضاربون في الأسواق المالية الذين يخلقون تغييرات مفتعلة في السوق، وحالات الرواج والكساد، وكمية العرض والطلب، علما بأن سعر الفائدة في مصر يتم تحديده عادة بأعلى من سعر الفائدة قصيرة الأجل ممثلة في أذون الخزانة التي يتم تحديد سعر الفائدة عليها وفقا لعطاءات المكتتبين فيها، ثم على أساس هذا السعر يتم بعد ذلك تحديد سعر الفائدة المدينة والدائنة، وليس على أساس الاستثمار.

إننا مع الرأي الذي يتبنى جواز إحداث عقود جديدة من غير المُسمَّاة في الفقه الموروث، ولكن شريطة ألا تصطدم بالقواعد الشرعية. فكيف الحال إذا كانت تلك العقود المسماة جديدة تقع في دائرة إحدى السبع الموبقات وهي الربا؟! لقد صدق الرسول الكريم حينما أخبر أن طائفة من أمته تستحل الربا باسم البيع، وقد لمس ابن القيم هذا الوتر بقوله: “ورث الشيطان أتباعه تسمية الأمور المحرمة بالأسماء التي تحب النفوس مسمياتها فسموا الخمر: أم الأفراح وسموا أخاها بالقيمة الراحة وسموا الربا بالمعاملة” وقوله أيضا: “المفسدة العظيمة التي اشتمل عليه الربا لا تزول بتغيير اسمه من الربا إلى المعاملة، ولا بتغيير صورته من صورة إلى أخرى”.

إننا مع الرأي الذي يتبنى جواز إحداث عقود جديدة من غير المُسمَّاة في الفقه الموروث، ولكن شريطة ألا تصطدم بالقواعد الشرعية.

كما صدق شيخ الأزهر السابق فضيلة الدكتور جاد الحق علي جاد الحق ـ رحمه الله ـ حينما وجه حديثه للذين يثيرون موضوعات قد حسمت واستبان فيها الحكم الشرعي في قضية الربا أن يكتبوا ويتداولوا في أمور لم تحسم بعد مذكرهم بقول الله تعالى: “فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم” التوبة/129.

وصدق فضيلة شيخ الأزهر الأسبق الشيخ محمود شلتوت حينما قال: “إن كل محاولة يراد بها إباحة ما حرم الله، أو تبرير ارتكابه بأي نوع من أنواع التبرير، بدافع المجاراة للأوضاع الحديثة أو الغربية، والانخلاع عن الشخصية الإسلامية، إنما هي جرأة على الله، وقول عليه بغير علم، وضعف في الدين، وتزلزل في اليقين… وبمثل هذا يتحلل المسلمون من أحكام دينهم حكما بعد حكم، حتى لا يبقي لديهم ما يحفظ شخصيتهم الإسلامية، نعوذ بالله من الخذلان، ونسأله العصمة من الفتن.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

عصام تليمة يكتب: الإسلام والرجم (22): دعوى الإجماع على الرجم!!

استند القائلون بأن الرجم حد: بأنه حظي بإجماع، سواء من الصحابة، أو ممن يليهم من ...