سيف الدين عبد الفتاح يكتب: موجة ثانية من الثورات في العراق ولبنان.. أحداث كاشفة (34)

ها هم أصحاب الثورات المضادة في الداخل والإقليم والخارج يصابون بالدهشة من تلك الاحتجاجات الشعبية التي تتوالى في السودان والجزائر وتأتي أحداث العشرين من أيلول (سبتمبر) لتشهد حراكا شعبيا ملحوظا في مصر، وتأتي الانتخابات التونسية برئيس يختاره شعب وشباب تونس يتحدث عن الثورة والمقاومة، ثم تأتي تلك الاحتجاجات الواسعة في لبنان والعراق؛ ليشكل كل ذلك زخما من الأحداث لا نملك إلا أن نرصده ونؤكد على مفاعيله ومضامينه وآثاره على المنطقة ومعادلة التغيير التي انطلقت في الموجة الأولى من الثورات العربية، والتي قامت القوى المضادة للثورات بتطويقها ومحاصرتها وإجهاضها، بحيث تجبر تلك الثورات في المنطقة أن تعلن فشلها وترفع رايات التسليم لتلك القوى في معركة التغيير.

الشعوب أثبتت أنها حية

بدت هذه القوى مزهوة بإعلان انتصاراتها المؤزرة وتحويلها الثورات إلى حالات حروب أهلية طاحنة وتثبيت نظم انقلابية مستبدة موالية، وضمن مؤشرات إعلان موت الثورات وخيارات الشعوب في التغيير، ولكن الشعوب رأت غير ذلك، وأعلنت أنها ما تزال حية فاعلة تتوق للتغيير وتحمل آمالا كبرى وأشواقا لتستأنف حالة ثورية أخرى تتسم بالإصرار والصمود في معركة التغيير، بما يؤكد أن تلك الشعوب لن تحيد عن طريقها وتواصل التشبث بآمالها والتعبير عن إرادتها وأشواقها.

مواجهة السلطات المستبدة أو الفاسدة هو واجب لا يجب تأجيله أو التغاضي عنه أو تجاهله،

لبنان يثور ويحتج ويعلن التحاقه بمعركة التغيير؛ ويضع سلطات ارتهنت إلى معادلة طائفية مقيتة أمام أزماتها الحقيقية، وضغطت تلك الجماهير حتى أجبرت القوى السياسية التي توافقت على أوضاع أقرب ما تكون إلى التواطؤ منها إلى توافق حقيقي، إذ شكلت هذه الحالة بيئة مواتية لحماية الحالة الطائفية التي اصطنعت بدورها طبقة سياسية استمرأت الفساد والحفاظ عل أمر واقع احتمى به هؤلاء من النخب القديمة على اختلاف مشاربها، وقبعوا خلفه يوزعون على أنفسهم مغانم ومصالح آنية وأنانية ومساحات فساد؛ ومع تلك الاحتجاجات الواسعة والضغوط الشعبية أعلن سعد الحريري استقالته وبالتالي استقالة الحكومة بعد اعترافه بالوصول إلى “طريق مسدود” داخل السلطة لترتيب مخرج من مأزق صنعته بأيديها.

الاستقالة كانت على رأس المطالب المرفوعة في الثورة الشعبية السلمية التي أعادت لبنان إلى ذاته؛ والهرب منها بداعي الخوف من الفراغ والفوضى، كان القرار الأول للأقوياء المتحكمين بالسلطة والبلد والمصرين على استمرار واستقرار أمر واقع فاسد مسّ معاش الناس ولكنه كان مريحا لطبقة سياسية مستفيدة، ولكن هذا الوضع الشائه والشائن مثل شأنا وأثرا خطيرا على الناس في الحاضر والمستقبل.

هذه الاستقالة فتحت ثغرة في جدار سميك وراءه جدران وأبواب مغلقة يحتاج فتحها إلى التسليم بأن الزلزال السياسي الذي أحدثته الثورة الشعبية ليس هزة خفيفة عابرة على حد تعبير أحد الكتاب، فلا طرف؛ ولو كان يوظف ما يسميه “فائض القوة” في الداخل والخارج، أقوى من قوة الساحات العابرة للطوائف والمذاهب والمناطق. ولا سلطة، مهما تكن قوتها وشرعيتها، أكبر من “سلطة الشعب” حين يمسك مصيره بيده؛ كما يؤكد أحد الكتاب اللبنانيين المرموقين، “ذلك أن الأولوية في مطالب الثورة الشعبية هي لإعادة تكوين السلطة كوسيلة وحيدة وجدية لتحقيق التغيير الذي يتجاوز الإصلاحات المطلوبة من الدول المانحة والمنظمات المستثمرة في “سيدر” والمخيفة لأهل الفساد ونهب المال العام.

فشل الطائفية

لا تركيز على الصراع الجيوسياسي الدائر في المنطقة وعليها، ولا أوهام حول أي دعم من القوى الخارجية التي أعلنت منذ البدء أنها تفضل استمرار الوضع مع ترتيب بعض المطالب من دون أي تغيير بنيوي ومن دون فوضى تدفع النازحين السوريين صوب أوروبا، هذا بشأن لبنان واحتجاجاتها، فماذا عن تلك الاحتجاجات الواسعة في العراق والتي خرجت من قمقم “الطائفية” و”الطيفنة” وضع الجميع حيال اختبار حقيقي، ليقول شعب العراق كلمته؟

لقد أكد الشعب العراقي أنه لا يلقي بالا إلا لمصلحة الوطن والمواطن وبلا تفرقة، وإن المناورة والمداورة من جانب هذه النخب التقليدية الطائفية لن يجدي نفعا، ولا يمكن مواجهة مشروع هذا الشعب بالعنف أو القتل، وإذا كانت تلك النخب القديمة قد أدمنت التعامل الطائفي، وسكنتها “الطيفنة” فعليها أن تفسح الطريق لنخب شبابية جديدة تحمل مشروعها الجديد.

إن الثورة على “الطائفية” و”الطيفنة” ومواجهة هذه الأمراض السياسية والاجتماعية المزمنة هي من صميم عمليات التغيير الحقيقي

إن رؤية إيران وفق ما تراه من خرائط مصالحها ورؤيتها للإقليم وتمرير النفس الطائفي وإسناده والنظر إلى ما يدور في شوارع العراق ولبنان، فلم تر من “الشعب” سواء في لبنان أو العراق سوى “الشغب” الذي تحركه أمريكا وإسرائيل. وتتناسى كل ما يتعلق بمعادلات توازناتها الطائفية التي قد تتحكم في تصنيفها للثورات، وتخلط عن عمد بين ملف المطالب المشروعة للشعوب والحقوق المشروعة في المقاومة ومواجهة الكيان الصهيوني، وترافق مع هذا التوصيف القاصر والتصنيف الطائفي الفاضح والخلط المتعمد والمقصود بين ملف الثورات وملف المقاومة، فلا بأس أن نرى خطابات هنا أو هناك من “أن قوى داخلية وخارجية تقاطعت مصالحها فاستغلت نقمة الناس المحقة لضرب الاستقرار ونشر الفوضى وإضعاف الحكم، وسنكون صارمين في وجه المخربين”، مبررات مصنوعة تجاه مطالبات مشروعة للشعوب ونفض يدها من السكوت والتواطؤ على حالة من “الطيفنة” تسوغ فساد النخبة وتمرر ظلم الناس.

في بدايات الثورات العربية اعتبر “خامنئي” أن ما حدث في تونس وليبيا ومصر هو من التأثر بـ”الثورة الإسلامية” في إيران؛ وحين وصل الأمر إلى سوريا صار “مؤامرة امبريالية صهيونية”. وها هو يصف الحراك الشعبي في العراق بأنه “فتنة”. ولا رد على الفتنة سوى القمع والردع؛ ففي بغداد وكربلاء والناصرية وأماكن عدة سقط من المتظاهرين مئات القتلى وآلاف الجرحى برصاص “قناصة” تابعين لفريق من “الحشد الشعبي” وبعض القوى الأمنية الرسمية؛ ومن الصعب في لبنان إطلاق النار بكثافة على المتظاهرين الذين يحميهم الجيش، فكان الحل هو الهجوم بالعصي على ساحات محددة، وهو أيضاً محاولة “تفكيك” الثورة، أولاً عبر التمييز بين العفويين وغير العفويين، وثانياً عبر احتضان القليل من المطالب لرفض الكثير، وثالثاً عبر الدعوة إلى حصر التغيير بالمطالب الاقتصادية من دون أي مطالب سياسية، وسط “قمة التسييس” من خلال اتهام المتظاهرين بأنهم يتحركون بأوامر من الخارج؛ التهم التقليدية المعلبة لهؤلاء المستفيدين من أمر واقع خانق وفاسد؛ آليات بعضها من بعض تسوغ استمرارية أمر واقع ظالم وفاسد، ومحاولة الالتفاف على مطالب حقيقية لتغيير المعادلات المشوهة التي استمرت طويلا وأثرت سلبيا وخطيرا على كيان المجتمعات ومصالح عموم الناس.

إن الثورة على “الطائفية” و”الطيفنة” ومواجهة هذه الأمراض السياسية والاجتماعية المزمنة هي من صميم عمليات التغيير الحقيقي التي تؤسس لاجتماع مدني وإنساني سويّ، وإن هذه الشعوب التي نضج وعيها وحددت مطالبها الجوهرية ووعت الشروط الحقيقية لعملية التغيير شكلت باحتجاجاتها مواجهة بيت الداء، وكذا أكدت على مطالبها في المعاش وضروراتها الأساسية ومواجهة الكيانات المصطنعة والمواقف البائسة، والحضور القوي الواعي للبعد الإنساني الوطني الحافظ لكيان الجماعة الوطنية على تنوع تكويناتها وعبور حواجز الطائفية نحو مطالب حقيقية تتعلق بكرامة المواطن وحالة الوطن ونهوضه بالجميع وللجميع، وإن مواجهة السلطات المستبدة أو الفاسدة هو واجب لا يجب تأجيله أو التغاضي عنه أو تجاهله، إن التغيير الاستراتيجي بمعاركه قادم لا محالة على المنطقة؛ وإن القدرة على التعرف على معطياته ومعادلاته الجديدة سيكون الفيصل في تحديد المستقبل .

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

عصام تليمة يكتب: الإسلام والرجم (22): دعوى الإجماع على الرجم!!

استند القائلون بأن الرجم حد: بأنه حظي بإجماع، سواء من الصحابة، أو ممن يليهم من ...