طارق الكحلاوي يكتب: الديمقراطية في تونس ومأساة استشهاد مرسي

في بعض الأحيان نغرق في تفاصيل الانتقال الديمقراطي في تونس بشكل يحجب عنا الصورة الكبرى، أي الصراع الاستراتيجي بين إرادة الشعوب ومنظومة الاسبتداد العربية.. خبر تقرير الأمم المتحدة حول إدلة الإهمال الصحي من قبل النظام الهمجي للسيسي لأول رئيس منتخب في مصر بما أدى إلى وفاته لم يحظ حتى بأدنى نقاش في القطر الديمقراطي العربي الوحيد. هل ننسى في خضم صراعاتنا أنه على أهميتها؛ فإننا لسنا على حافة الهاوية، وأن مأسي أخرى بصدد الحدوث في أقطار عربية أخرى؟

تعيش تونس هذه الأيام أجواء ساخنة في سياق ما بعد الانتخابات واستحقاقات تشكيل الحكومة وانتخاب رئيس البرلمان ونائبيه. الاتهامات المتبادلة بـ”الخيانة” و”الغدر” و”العمل مع المنظومة” على أشدها. أشاهد من بعيد ما يحدث وأنا أكتب هذه الكلمات من إسبانيا، بعد محاضرتين قدمتهما في “البيت العربي” (الإطار الرئيسي للنقاش حول الوضع العربي لوزارة الخارجية الإسبانية) وفرع مدريد لجامعة سانت لويس الأمريكية حول “قصة نجاح” الديمقراطية التونسية.

ولنكن موضوعيين هنا، نعم هناك منحى رومانسي في التصور الأوروبي- الأمريكي للمسار الديمقراطي في تونس، لكن عندما تستمع من ديبلوماسيين وخبراء إسبان وأوروبيين مجربين، مرّوا بتجربة انتقال ديمقراطي في الثمانينيات والتسعينيات، بأن مسارنا في تونس ليس بذلك السوء، وأنهم ليسوا في محل إعطائنا دروسا خاصة حول الاستقرار الحكومي، حيث مرت إسبانيا بأكثر من ثلاثة انتخابات في ظرف أربع سنوات، فإنه يجب أن نتوقف للحظة ونخرج من القوقعة التونسية.

ومثلما أخبرني ديبلوماسي تونسي رفيع، فإنه يمشي مرفوع الرأس في المنتديات الأوروبية مقارنة بزملائه من الديبلوماسيين العرب.. فقط تلك الصورة لدولة يحكمها شعبها بانتخابات حرة دورية تقرر من يحكمها، وتقرر حتى أن تتجاوز الأحزاب التقليدية وتنتخب وجوها جديدة؛ بعضها لم يقم حتى بحملات انتخابية.. تلك الصورة التي عبّر عنها ديبلوماسي إسباني رفيع المستوى معجب بالتجربة التونسية، لكن بنوع من المزاح، بأن تونس تقدمت سريعا في التجربة الديمقراطية إلى حد “ما بعد الحداثة”، حيث ترى فيها صعود الشعبوية، مثل تجارب أمريكية وأوروبية راهنة، واهتراء قوى سياسية منظمة لم يمر عليها ثماني سنوات في الأقصى.

كأن مصر في مجرة أخرى أو كوكب آخر.. مشهد سوريالي وأنت تقرأ تقرير الخبراء الأمميين الذي تم نشره في الأسبوع الماضي.. “الدكتور مرسي كان رهن الاحتجاز في ظروف يمكن وصفها بالوحشية، خاصّة خلال الأعوام الخمسة التي قضاها في سجن طرة”. وأشار الخبراء إلى أن ما حدث لمرسي ربما يصل إلى حد اعتباره “قتلا تعسفيا بإقرار من الدولة”.

وأضاف الخبراء بشأن الظروف التي كان الرئيس السابق يعيشها في السجن قبل وفاته قائلين: “لقد تم احتجاز الدكتور مرسي في الحبس الانفرادي لمدة 23 ساعة يوميا، ولم يُسمح له برؤية سجناء آخرين حتى في الساعة التي أعطيت له لممارسة الرياضة. وكان يُجبر على النوم على أرضية صلبة وأعطوه غطاء واحدا أو اثنين. ولم يُسمح له بالحصول على الكتب أو المجلات أو أي أدوات للكتابة، أو مذياع”.

وكان الرئيس المصري السابق مصابا بداء السكري وارتفاع ضغط الدم، ورغم ذلك فقد كان ممنوعا عن الحصول على الرعاية المنقذة للحياة، وترتب على ذلك إصابته بضعف النظر تدريجيا حتى فقد البصر بعينه اليسرى وكثيرا ما أصيب بغيبوبة السكري وفقدان الوعي. وإضافة إلى ذلك فقد عانى من تسوس في الأسنان والتهابات في اللثة.

ذهبت إلى مصر في وفد رسمي للرئيس المرزوقي، مباشرة بعد انتخاب مرسي، والتقيت الرجل آنذاك بشكل عابر، وذهبت بعد الانقلاب عليه في مهمة رسمية لاستجلاء ما يحدث. الوضع معقد، وصعب، لكن لم يكن الأمر يستدعي التخصص في علم الصواريخ لكي نفهم أن ما حدث هو انقلاب عسكري. وقد كان ذلك الموقف الرسمي التونسي. وإذ أستحضر أمرا مما حدث، فهو أنه مع أخطاء مرسي والإخوان فإن التضليل لعب دورا أساسيا في قتل مرسي.

التضليل بما هو عملية تحدث بشكل منظم أو عفوي وتعتمد على اختلاق أكاذيب ضخمة وصادمة، يعتمد على جزء صغير حقيقي، ويستهدف جمهورا متصارعا يتعطش لتصديق الكذبة متى تعلقت بدحض خصومه.. ويستعمل أيضا “الأغبياء النافعين” الذين يمكن لهم القبول بالتعامل الغبي مع الكذبة دون تحر أو محاولة شك أو تثبت، ويساهمون في توزيعها ويضفون عليها صفاتهم كخبراء أو عارفين.. ثم يتم تكرار ذلك بشكل جنوني لفترة طويلة، إلى حد أن تصبح بمثابة الحقيقة..

حدث ذلك في مصر وبلغ الأمر بعمليات التضليل لأجهزة أمن الدولة، وكان الأعلام المصري مسرحها، أن نظام السيسي المتعاون بشكل كامل مع إسرائيل يقوم باتهام مرسي بأنه “كان يتخابر مع حماس”. لا توجد تهمة أقوى من هذه ضد منظومة حكم السيسي: محاكمة مواطن عربي وقتله لأنه يتخابر مع حركة مقاومة فلسطينية.

رحم الله الرجل، وسيأتي يوم يتم تخليد فيه ذكرى الانقلاب في مصر ليس من زاوية الاصطفاف الأيديولوجي الأحمق، لكن من زاوية حركة التاريخ في المنطقة العربية. وهي ذات حركة الشعوب التي نراها في شوارع الجزائر والسودان ولبنان والعراق، حركة مد وجزر، لكن بوصلتها من أجل الحرية والإرادة الشعبية.

أختلف مع الإخوان لكن ساحارب إلى آخر رمق من أجل حقهم في التنظم والحرية، والأهم من أجل حق كل المصريين.. من أجل ديمقراطية حقيقية؛ يتصارعون تحت ظلها مثلما نفعل في تونس، لكن لا يقتل بعضهم بعضا من أجل الإقصاء والنفي المتبادل.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

ماجد عزام يكتب: عزبة مرتضى منصور وأولاده

أغلق مرتضى منصور الاثنين الماضي أبواب نادي الزمالك لمنع اللاعبين من الخروج بعدما دافعوا عن ...