عبد الرحمن أبو ذكري يكتب: سقوط القدوة

لعلَّ أخطر وأعنف أزمة يواجهها المجتمع المصري الآن، بل ومنذ نهاية الحرب العالميَّة الثانية؛ هي أزمة سقوط القدوة، وذلك كسبب ونتيجة للتزايُد المطَرِد في الفردانيَّة الجوفاء، التي لا حادي لها ولا غاية. إذ لم يكُن كم الابتلاءات، التي تعرَّض لها هذا الجيل، بانكشاف تهافُت أكثر العلماء والدعاء والسياسيين والقادة والمعلمين، منذ 25 يناير/ كانون الثاني 2011م، سوى القشَّة التي قصمت ظهر البعير.

صحيح أن “تقليد” الفردانيَّة في الغرب أشد توحُّشا وأرسخ قدما، إلا أنه لم يُثمر أزمة قدوة عنيفة (مثل التي نصطليها)، وهو الفارِق بين المجتمعات ذات الوِجهَة الواضحة، بغض النظر عن رأينا في الوجهة وتقييمنا الأخلاقي والشرعي لهذه الوجهة؛ وبين المجتمعات التائهة، التي لا وجهة لها ولا غاية حاشا الأهواء الضيقة والمؤقتة للأفراد.

لقد تطوَّرت الفردانيَّة الغربيَّة (الأمريكيَّة تحديدا) داخل سياقٍ سوسيولوجي تواضَعَ على مجموعةٍ من القيم الحاكمة تسمح للجميع بالحركة فُرادى، لكن بشرط أن تؤدي هذه الحركة إلى تحسُّن مُجمل حركة المجتمع، أو على الأقل عدم إعاقة حركته نحو الوجهة التي اختارها. وإذا كانت الوجهة أو المثل الأعلى الذي يتحرَّك المجتمع الأمريكي تجاهه هو “مثال” أرضي: الإنتاج للاستهلاك؛ فإنه قد قيَّد أفراده بحدٍّ أدنى من الضمانات الأخلاقيَّة- الاجتماعيَّة، التي تسمح له بالاستمرار الجمعي، ولو على حساب غيره من المجتمعات “المتخلِّفة”. ومهما تعرَّضت المصداقيَّة الأخلاقيَّة لمثل هذا المجتمع للانتقاد (عن حق) سواء من داخله أو من خارجه، فإن ذلك لا ينفي (بطبيعة الحال) الحد الأدنى المكفول لجميع أفراده في السعي الحُر إلى ذات الوجهة، ومن ثم وجود حُداة حقيقيين وكهنة مُخلصين يُحتذى بهم في جميع المجالات العلميَّة والعمليَّة.

إن هذا النوع من المجتمعات الجاهليَّة (الغائيَّة!) يولِّد طبقات ممن يُقتدى بهم في السعي إلى الوجهة التي ارتضاها المجتمع، بل وكثيرا ما يشتطُّ أفراده إلى حد تأليه قدوة هنا أو هناك؛ فتصير مسيرة تلك القدوة حاديا لهم، ونبراسا يسيرون على هديه، ويتعبَّدون على الحقيقة في محرابه؛ طمعا ببلوغ غايتهم المستلهَمَة من رحلته، والتي تتوافَق مع غاية المجتمع. أما المجتمعات الجاهليَّة التائهة المشوَّهة والمشوَّشة، كما هو الحال في مصر؛ فإنها مُجتمعات شديدة الاضطراب، لا غاية لها، ولا جامعة، ولا وجهة، ومن ثم؛ فلا قدوة تُحتذى.. اللهم إلا مَنْ يَمُنُّ الله عليه من القلَّة التي تصدُق البحث، فيجِد لحياته معنى وغائيَّة؛ ساعتها يَعرِفُ قدوته ورائده، وهم لعمري أندر من الزئبق الأحمر.

إنه إذا كان الغرب قد أسقط السرديَّات الدينيَّة الكبرى، وأزاحها من موقع الهيمنة على الحركة الاجتماعيَّة، فقد استبدل بها سرديَّات أخرى علمانيَّة جامِعة؛ تُشكِّل دينا فعليَّا جديدا، له روحانيَّاته وأخلاقيَّاته؛ مما يُضفي على حياته غائيَّة واضحة رغم فسادها من منظور التصور الإسلامي. إلا أنها في نهاية الأمر، وفي التحليل الأخير؛ تحفظ إنسانيَّة أفراد المجتمع حفظا يكاد يَنْدُرُ معشاره في المجتمعات التائهة المشوَّهة التي نصطليها.

وإذا كانت أزمة سقوط القدوة تتفاقَم حيث انتفت غائيَّة المجتمع، فإن الغائيَّة الجمعيَّة نفسها ليست هي الأزمة الأكبر؛ إذ أن غائيَّة المجتمع هي ثمرة ما يُمكن لنا تسميته مجازا بالوعي التربوي الجمعي. إنها ليست ثمرة نظام سياسي معيَّن أو سُلطةٍ فوقيَّة، وإن كانت السلطة السياسيَّة تُسهِم في صيانتها وحفظها وتيسير الطريق إليها، وإنما تنتفي غائيَّة المجتمع بسقوط تقاليده، كما فعل بنا “التحديث”الفاشِل؛ وعدم استبدالها بتقاليدٍ أخرى. هذه التقاليد ليست مُرادفا للمنظومة الأخلاقيَّة- الاجتماعيَّة فحسب، بل إنها تمتد لتشمل كافة التقاليد الاجتماعيَّة: من تربية النشء وتهذيبهم مرورا بآداب اللباس، وانتهاء بفنون الطهي.

إن الكارثي في مصر، والحالات المشابِهة لها؛ هو المحو شبه الكامِل لذاكرة المجتمع، ووعيه التاريخي؛ ومن ثم التقويض الكامل لتقاليده، التي كانت تنتقِلُ شفاهة وبالتلقين. إن الكارثة ليست في تهافُت “الكبار” الذي افتضح، بل في تعرِّيهم ابتداء من كل قيمة كان المفترض أن ينقلوها للأجيال التالية، وفي استمرار توهُّمهم (رغم ذلك) أنهم كبار، رغم افتقادهم لكل ما يتعيَّن على “الكبار”حيازته، بل وافتقارهم لأيَّة نفوذ أخلاقي- اجتماعي حقيقي.

ولا تنتقِلُ المنظومات الأخلاقية- الاجتماعيَّة من خلال مؤسسات التعليم العلماني، ولا من خلال الإعلام، ولا حتى من خلال الكتب ومصادر الثقافة؛ بل تنتقل بالتربية المباشِرَة والأسوة الحسنة. وهي كارثة هذا الجيل، الذي لم يَنَلْ شيئا يُذكر من التربية الحقيقيَّة حتى يصير بوسعه تربية جيلٍ تال. وهو ما يعني أن الأزمة ستزداد وحشيَّة في الجيل التالي، خصوصا مع ازدياد تفلُّت الآباء الجهلة من مسؤولياتهم التربويَّة، وإلقاء تبعاتها على عاتق مؤسسات التعليم المهترِئة.

إن إحلال التعليم والإعلام والثقافة النظريَّة محل التربية المباشِرة والتأديب، ذي الطبيعة “العرفانيَّة/ الصوفيَّة”؛ هو ما يزيد الأزمة شراسة. لا لأننا نتشرَّب، على طول الخط؛ قيما عكسيَّة مُدمِّرة من هذه المصادر فحسب، بل لأن الغالبيَّة لم تَعُد تعرف أصلا كيف تعمل القيم الأخلاقيَّة- الاجتماعيَّة “الأصليَّة”، التي تحكي عنها الكتب؛ في واقع الناس، إذ لم يروها من قبل في هذا الواقع المنكود؛ ماثلة أمامهم أو متجسِّدة في أناسي.

إن القيم التقليديَّة لم تنفصل بهذه الطريقة عن الحياة، وتصير في روع الأجيال الجديدة “مثاليات” نظريَّة “ساذجة” فحسب؛ بل تم التشكيك فيها وفي مصدر إلزامها، أي تم تقويضها معرفيّا وأنطولوجيّا. ولا يمكن أن يستمر مجتمع في الوجود بعد تقويض منظومته الخلقيَّة الاجتماعيَّة بهذه الطريقة. فحتى الاستنارة الغربية، التي يُضرَبُ بها المثل في القطيعة المعرفيَّة والثقافيَّة مع الماضي؛ لم تفعل ذلك بالإنسان الغربي، ولم تسلُخهُ كليّا من قيمه بهذه الوحشية، وإنما فصلت القيم عن مصدرها الكنسي فحسب، ونصَّبت لها مصدرا وضعيّا نفعيّا جديدا، له ذات المقدرة الإلزامية؛ بل لقد صار مصدر الإلزام الجديد أعتى وأشد صرامة.

إن أعظم أزماتنا على الإطلاق ليست سياسيَّة ولا اقتصاديَّة ولا معرفيَّة ولا عسكريَّة ولا ثوريَّة؛ إنها سبب ذلك كله، ونتيجته بذات الوقت.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

عصام تليمة يكتب: الإسلام والرجم (22): دعوى الإجماع على الرجم!!

استند القائلون بأن الرجم حد: بأنه حظي بإجماع، سواء من الصحابة، أو ممن يليهم من ...