امحمد مالكي يكتب: عن ضرورات تجديد الفكر العربي

ليسَت الدعوةُ إلى تجديد الفكر العربي فكرةً جديدةً، إنها مشروع مُمتدّ في الزمن، يخفت أحياناً، وتتعالى حدّتُه كلما ضاقت السبُل بأصحابه، وتولّد الشعورُ لديهم بأن أحوالَهم، مقارنة مع غيرهم، تتسع فجواتُها، ويتعاظم تأخرها.

فقد سبق لأمير البيان “شكيب أرسلان” (1869-1946) أن تساءل بحيرة وحسرة كبيرتين قائلا: “لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟”، وسعى إلى الإجابة عليه، وفق ما سمح به سياقُه الحضاري والثقافي وقتئذ. وقد سار على منواله مفكرون ودعاةٌ كثر من قبله ومن بعده، وممّن جايلوه، لعل أبرزهم: “رشيد رضا” (1865-1935)، و”جمال الدين الأفغاني” (1838-1897)، والشيخ “محمد عبده” (1849-1905)، و”عبد الرحمن الكواكبي” (1835-1902). ولأن سؤال التأخر ظل مستبدا بمجتمعات أصحابه، فقد توالت الخطابات الداعية إلى التغيير من أجل التغلب على هذا الواقع، وفتح الطريق أمام النهضة والتقدم واللحاق بركب المدنية، التي ليست شيئاً آخر سوى الغرب.

نُسجل إذن أن سؤال التجديد من أجل تجاوز التأخر وفتح سُبل التقدم ظل ملازما للعرب والمسلمين منذ النصف الأخير من القرن التاسع عشر، حين استيقظوا من غفوتهم، فوجدوا أوطانهم تتهاوى أمام معاول حركة الاستعمار. وما زال السؤال ذاته يتكرر حتى اليوم، حيث يعيش العالم تغيرات جذرية في سياق الثورة الصناعية الرابعة، وحلول منظومة القيم الجديدة محل نظيراتها القديمة، وولادة مفهوم جديد للإنسان، بحمولات واشتراطات مغايرة.

ونؤكد أيضا أن الفكر العربي بروافده الإسلامية لم يخرج بعد من الشرنقة التي لفّت بعنقه، على الرغم من تعدد الخطابات وتنوع مرجعياتها، وبغض النظر عن الاجتهادات التي قام بها مفكرون من مغرب الوطن العربي ومشرقه. نحن في المحصلة، وعلى امتداد أكثر من قرن من الزمن، أمام مشروعية متجددة، وحاجة ماسة إلى تجديد الفكر العربي، والاجتهاد في إيجاد السبُل القمينة بتحويله إلى رافعةً فعلية لنهضة العرب وتقدّمهم.

لا شك في أن الحاجة إلى تجديد الفكر العربي غدت أكثر إلحاحاً وضغطاً من السابق، فحال العرب منذ بداية الألفية الجديدة يزداد انكشافا، ومكانتهم في مراتب الأمم ما انفكت تتراجع بفعل عوامل موضوعية في محيطهم الإقليمي والدولي، وأسباب ذاتية كثيرة ذات صلة بهم هم أنفسهم. ويقيني أن العرب ليسوا في حاجة إلى تشخيص واقع أوضاعهم، فهو واضح ومعروف، ويكاد يكون الإجماع قائماً حوله، بل هم في حاجة أكثر إلى معرفة سبُل العلاج والإمساك بمفاتيحه، أي رؤية التجديد من أجل التطوير والتغيير والانتقال نحو الأفضل.

ثمة مصفوفة من الإشكاليات تمثل اليوم ضرورات لا مندوحة عنها للدعوة إلى تجديد الفكر العربي؛ الذي عزّ على كل المحاولات والخطابات منذ أكثر من قرن من الزمن أن تجترح حلولا فعالة وناجعة لإنجاز قضية التجديد، ومنها تحديدا الآتي:

هناك ضرورة قصوى لتجديد النظر في معنى العربي؟ ومعنى العروبة؟ وكيف يمكن أن تتأسس الهوية الجمعية على هذا العنصر العرقي وروافده، من لغة ودين وتاريخ ورموز مشتركة. فهل هويتنا هي ما دأبنا منذ عقود على الاعتقاد به، والولاء له، والدفاع عنه، والحرص بانتظام أن يبقى ثابتاً ومستمرا، وموجها لسلوكياتنا، وناظما لممارستنا؟ أم أن الهوية، بوصفها متجددة وغير ثابتة، تدعو بإلحاح إلى إعادة صياغة مفهوم جديد لها، يأخذ بعين الاعتبار التغيرات العميقة التي طالت عناصرها التقليدية، وإيلاء أهمية محورية لما هو جديد فيها؟

فالواضح أن ما ألفنا الاستناد عليه لإثبات هويتنا الجماعية، من دين ولغة وتاريخ مشترك، لم يعد قادرا، على أهميته، على جعل الأجيال الجديدة في مجتمعاتنا مقتنعة بأنها مقومات كافية لإقناعها بانتسابها لهوية مشتركة، بل، بالعكس، أصبحت تعي الهويةَ وتفهم أبعادها على أنها إطار جماعي يضمن لها ما يحمي حقوقها وحرياتها، ويصون شروط كرامتها. فالهوية هنا أوسع وأشمل مما ألف أجدادها وآباؤها.

والحقيقة أن من ينظر بإمعان في هرم أعمار المجتمعات العربية يلمس وجود فئات عمرية، تصل في عمومها إلى 70 في المئة أو أكثر، لا صلة لها بالهوية بمقوماتها التقليدية، بل هي فئات فتحت عيونها وتفتق وعيها على متغيرات عميقة في بنية المجتمع العربي. لذلك، يحتاج الفكر العربي إلى تجديد النظر في هوية أبنائه، بما يُعطي مضامين ومعاني جديدة أكثر اتساعاً وشمولية، وأقرب إلى واقع العروبة كما تفهمها الأجيال الجديدة وتروم توطينها في الثقافة الجمعية.

تستتبعُ الملاحظةَ أعلاه ملاحظةٌ مكملة لها، تتعلق بفشل المنظومات الفكرية التي اخترقت المجتمعات العربية منذ أكثر من نصف القرن، وتحكمت في سلوك الدول والمجتمعات، فلا “العسكرتارية” نجحت في استنهاض المجتمعات، ولا التيارات القومية والبعثية التي تمكنت من انتزاع السلطة في بعض الدول العربية قدرت على إحداث التغيير الإيجابي المنشود، ولا التيارات العلمانية والإسلامية انغرست ثقافتها في نسيج المجتمعات ومؤسسات الدولة. وحتى حين حصلت التغيرات الجوهرية في العالم خلال الربع الأخير من القرن العشرين، ظلت كل المنظومات الفكرية العربية تترنح وتدور في مكانها، عاجزة تماماً عن فهم ما يجري حولها، والسعي إلى استيعاب أبعاد هذه التغيرات العملاقة وإدراك مقاصدها.

تتعلق الضرورة الثالثة في مصفوفة ضرورات تجديد الفكر العربي بأولوية إصلاح العقل السياسي العربي، أي التصورات والأفهام والأدوات التي تقوده وتوجهه وتتحكم في إدراكه لعالمه الداخلي وللعالم من حوله. فقد كشفت تجارب الفشل التي ألمّت بالعرب وحولتهم إلى شبه حالة استثنائية في بلاد المعمور، عن وجود أعطاب في ملكات التفكير العربي وطرقه في رؤية أحواله وأحوال العالم إلى جانبه. ولأن الأعطاب كانت من القوة والعمق، فقد أضاعت الدولة العربية الحديثة فرص التطور والنماء، وفقدت كفاءة الدنوّ من الأزمنة الحديثة، في السياسة أولا، وفي توابعها لاحقا، أي في الاقتصاد والاجتماع والثقافة، وبدا العرب، كما أشرنا، منكشفين مع مستهل الألفية الجديدة.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

ماجد عزام يكتب: عزبة مرتضى منصور وأولاده

أغلق مرتضى منصور الاثنين الماضي أبواب نادي الزمالك لمنع اللاعبين من الخروج بعدما دافعوا عن ...