ماجدة محفوظ تكتب: “حاميها حراميها”.. و”الحزام الأخضر”

لا شك في أن قضية مكافحة الفساد هي إحدى القضايا الرئيسة، سواء في الدول المتقدمة أو النامية. فالفساد بأنواعه المختلفة ظاهرة منتشرة في كل دول العالم، ولكن بدرجات متفاوتة، من حيث درجة تأثيره على النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية في كل بلد، وفقا للمسؤولين عنه في هذا البلد.

ومصر من البلدان التي يضرب الفساد كل جوانبها وأركانها، نتيجة لتحكم المجلس العسكري في السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، لذلك لم تكن قضية “الحزام الأخضر” (التي سهلت فيها جهات متنفذة في الدولة نهب أكثر من 16 ألف فدان، والتي فجرتها صحيفة “عربي21”) مفاجأة، بقدر ما كانت صادمة مثلها مثل فيديوهات الفساد المعلنة على لسان الفنان والمقاول محمد علي، نتيجة لحجم الفساد المقدر بمئات المليارات، والمساحة التي تم نهبها من طرف وتورط قيادات عسكرية تم تسويق وطنيتها وشرف خدمتها للوطن على مدار عقود من طرف آخر.

كان ذلك بمثابة الخروج من عبادة الأصنام، بل وتكسير تلك الأصنام في الوعي الجمعي للمواطن الذي طالما تباهى بوطنية جيشه وقياداته، انتقاما منها على خداع الشعب بخطابات البطولة الزائفة والأماني والتمني التي لا تخرج عن كونها أوهاما وتهيؤات وأضغاث أحلام.

الأسماء المتورطة في هذه القضية، بدءا من رأس السلطة ممثلا في السيسي وابنه مصطفي، والأب الروحي للسيسي وعراب الانقلاب على الثورة، وهو المشير طنطاوي، وغيرها من الأسماء التي تنتمي بشكل أو بآخر لرأس من رؤوس عصابة الأربعين حرامي مُمثلة في المجلس العسكري، تضعنا أمام حقيقة واحدة، وهي أن عصابة الجنرالات لا يؤمنون بوجود شعب في مصر، بل عبيد عليهم الانسياق لما يريدون وتصديق ما يقولون، فهم ملاك الأرض والبشر.

ولك أن تعرف عزيزي القارئ أنه بلافتة مكتوب عليها: “ممنوع الاقتراب والتصوير، منطقة عسكرية”؛ جملتان بسيطتان استولى بهما الجيش على 95 في المئة من أرض مصر، وقُدمت له على طبق من ذهب. فمن منا في صغره لم يمر على تلك اللافتة وخالطه مجرد شك أنها ليست منطقة عسكرية ولا أمنية، إنما هي أرض مسروقة من المصريين لصالح عصابة الأربعين حرامي، وأن الرقابة الإدارية التي من المفترض أن تكشف الفساد وتكافحه، هي جزء لا يتجزأ من سلسلة تسيطر عليها لوبيات الجنرالات وحاشيتهم من رجال الأعمال المرتبطة بفسادهم المالي وتتربح عليه بلا رقيب ولا حسيب؟ طبعا.. “ما الورق ورقنا، والدفاتر دفاترنا، والأرض ملكنا، والناس خائفة مننا”، كان هذا وسيظل شعارهم الذي يتنفسون منه ويقتاتون عليه.

من أراضي تعمير وحزام أخضر إلى أراضي مبان، ومن أراض مخصصة لأسر شهداء ومصابين العمليات الحربية والخريجين حديثا من كليات الزراعة إلى ملكية خاصة لأمن الدولة والنيابة العامة وهيئة الرقابة الإدارية وبعض ضباط الشرطة والقضاة ورجال المخابرات، بأمر مباشر من السيسي وبطلب من ابنه مصطفى الذي يشغل منصبا كبيرا في الرقابة الإدارية ليجامل زملاءه في الرقابة ويضمن ولاءهم له، ليتحول المشهد لقضية الفساد الأكبر في السنوات الأخيرة.

وتنضم قضية الحزام الأخضر، كما قضية جزيرة الوراق وغيرها من المساحات ذات الموقع المتميز، والتي تقدر بمئات المليارات من الجنيهات إلى نحو 16 مليون فدان تم الاستيلاء عليها من مافيا مصر، عصابة الأربعين حرامي، أي 67.2 ألف كيلومتر مربع، وهو ما يزيد عن مساحة فلسطين والكويت وقطر ولبنان والبحرين مجتمعة.

المشير طنطاوي عراب الانقلاب لم يكن بعيدا عن الأحداث، فصديقه هتلر طنطاوي، رئيس هيئة الرقابة الإدارية آنذاك، دخل في صراع غير معلن مع المشير سامي عنان، رئيس قوات الدفاع الجوي حينها، على قطعة أرض ضمن أرض الحزام الأخضر تقدر بحوالي 1500 فدان، وطالبه بضرورة احتواء الأزمة حتى لا يُفتضح الأمر ويُفتح باب المحاسبة ينكشف المستور.

وبالطبع وكما تعلمون، يدخل على خط الأزمة المستشار هشام جنينة ويكشف عن أن الفساد بمصر يُقدر بمئات المليارات من الجنيهات، ويصرح بذلك للإعلام دون الدخول في التفاصيل، وما حدث بعدها لمعرقلي القليل من الفساد، وهما المشير عنان والمستشار جنينة، كان واضحا والتنكيل بهما ما زال مستمرا.

إن انتشار الظلم وعدم سيادة القانون، واستقواء المتنفذ، واستعلاء المسؤول، والاستخفاف بالعقول، وقصور القانون عن محاسبة الفاسد، عوامل عندما تجتمع، فهي كفيلة بأن تقلب الوضع رأسا على عقب في أي دولة، لكن الخسارة الكبيرة والثمن الباهظ هي أن تصبح الثوابت متغيرات، ويصبح حاميها حراميها بدءا من رأس هرم السلطة في مصر لتهوى الدولة المصرية، وتغرق في الديون، ويعيش المصريون تحت خط الفقر، في حين يعيش السيسي وأولاده وزوجته، وبالطبع مجلس الأربعين حرامي وعائلاتهم، في الترف والبذخ.

لا عجب أن تعلن وزيرة المالية السويسرية أن حجم الأموال التي هربت في نهاية 2015 فقط من مصر تقدر بأكثر من 65 مليار دولار، فإذا كانت الأرقام الفلكية لقضية فساد واحدة تقدر بالمليارات فكيف بآلاف القضايا، وكم حجم الفساد المدفون تحت بيادة عصابة الأربعين حرامي، فمتي يخرج الشعب المصري من هذه الغفلة الطويلة ويفتح عينيه ويرى كيف خُدع لسنوات بالخطابات الرنانة والزعامات الوهمية والوطنية الزائفة لقيادة الجيش ممثلة في عصابة الأربعين حرامي.

هذه العصابة (كما كشفت “عربي21” في تحقيقها الخاص بقضية فساد الحزام الأخضر، بالإضافة إلى غيرها من القضايا) مجموعة من المرتزقة والخونة والعملاء الذين يسخّرون كل ثروات مصر لخدمة جشعهم وهوسهم؛ الذي لا ينتهي ولا يعالج إلا بثورة شعبية تقتلع جذور الفساد والفاسدين في آن واحد.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

قطب العربي يكتب: محاكمة قتلة مرسي وإن طال الزمن

لم يكن تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بالقتل خارج نطاق القانون هو أول مؤشرعلى ...