سليم عزوز يكتب: السيسي والجيش.. وضرورة فك الارتباط!

عندما وجد عبد الفتاح السيسي أن ظهره مكشوف، قام من جديد بمحاولة إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل ظهور المقاول والفنان محمد علي؛ باستدعاء الجيش في معركته من أجل البقاء!

كان خطاب خصومه يقوم على إسقاط حكم العسكر كلية، وما يترتب على ذلك من آثار، أخصها عودة الرئيس الشرعي، ولا يقتصر الأمر على عزله ونظامه، وإنما لا بد أيضا من محاكمته ومن معه على المجازر التي ارتكبها بمساعدتهم. ولأنه ورط كثيرين معه، فقد كان يعلم أنهم لن يفرطوا فيه؛ لأن استمراره في الحكم هو وحده الذي سيمنع محاكمتهم وإلحاق الأذى بهم، وأن سقوطه يعني نهايتهم، حتى وإن عزلهم من مناصبهم، مثل وزيري الدفاع والداخلية، الشريكين المتضامنين في الانقلاب العسكري وفي المذابح التي ارتكبت في “رابعة وأخواتها”. فهم وإن فقدوا مواقعهم، فإنهم يحافظون بوجوده على حياتهم!

بيد أن “حركة محمد علي” جاءت بعنوان جديد، وهو إسقاط السيسي فقط، ولو بواسطة القوات المسلحة، ولو بانقلاب على الانقلاب، وهو الأمر المرفوض من خصومه التقليديين؛ لأن الأزمة هي في حقيقتها في حكم العسكر، وأن استمرارهم في الحكم هو كارثة، بيد أن الحركة الجديدة لا تجد مشكلة في وجود العسكر في الحكم بأي درجة، بل طالبت به، وعندما خرجت الجماهير تلبية لدعوة المقاول والفنان، لم تهتف بسقوط النظام، أو بسقوط حكم العسكر، ولكن كان مطلبها هو أن يسقط هو وحده، ولا حديث عن محاكمات قد تطال أعوانه، عندئذ شعر عبد الفتاح السيسي أنه وحده في مواجهة هذه الحركة الجديدة!

“حركة محمد علي” جاءت بعنوان جديد، وهو إسقاط السيسي فقط، ولو بواسطة القوات المسلحة، ولو بانقلاب على الانقلاب، وهو الأمر المرفوض من خصومه التقليديين؛ لأن الأزمة هي في حقيقتها في حكم العسكر

خلق جديد:

لقد استدعى السيسي خطابه التقليدي الذي يصور فيه أن كل معارضيه هم الإخوان، وانبرت أذرعه الإعلامية تؤكد على هذا المعنى. فحتى الأجانب الذين تم إلقاء القبض عليهم بالقاهرة، كان المنسوب اليهم أنهم جاءوا إلى مصر بهدف إسقاط الدولة، وبالاتفاق مع الجماعة الإرهابية. ومجرد ذكرها في هذا السياق، يعني أن المستهدف هو تكتل القوة في انقلاب 3 تموز/ يوليو وما أنتجه من آثار؛ أخصها المذابح التي لم تبدأ بمذبحة رابعة، ولكنها بدأت بمذبحة الحرس الجمهوري!

لكن السيسي يعلم أن الجماهير لم تنطل عليها هذه الدعاية، فخصومه الجدد هم “خلق جديد”، ربما كانوا ضد ثورة يناير، وربما كانوا مع إسقاط الرئيس محمد مرسي، وقد جاءوا لهذا بمطلب واحد، وهو أن يرحل هو بمفرده، ومن هنا كان إحساسه بأن “ظهره مكشوف” وبدون حماية، فقام في الندوة التثقيفية التي انعقدت يوم الأحد (13 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري) بإعادة استدعاء ظهيره من جديد، بخطاب لا تخطئ العين دلالته!

لا ننكر أن خطاباً مغالياً ضد الجيش المصري كله؛ انطلق من صفوف رافضي الانقلاب العسكري، وبعضه منسوب لأشخاص ليسوا فوق مستوى الشبهات سياسيا، فلم يكونوا من جسم ثورة يناير، ولم يضبطوا متلبسين من قبل بالدفاع عن الديمقراطية والدولة المدنية، ومنهم من هم كانوا من أنصار النظام البائد، وتم السكوت على هذا الخطاب من الشخصيات الكبرى التي تمثله، بل ومن تنظيم الإخوان المسلمين، بحجة أننا لسنا مسؤولين عن كل من يناصر قضية الشرعية.

هذا الخطاب يدخل معركة مع الجيش المصري كله، تاريخاً وحاضراً، ووصل الأمر إلى حد وصفه بـ”الجيش المصرائيلي”، لتأكيد عمالته لإسرائيل بدون خجل أو وجل، وهو الخطاب الذي قام إعلام الانقلاب بترويجه، باعتباره يمثل كل معارضي السيسي، وأن عودتهم للحكم تمثل خطراً على الجيش بكل مكوناته وأفراده. فها هي إمامة دار الهجرة، تطلق دعوتها: “اقتلوا آخر عسكري بأمعاء آخر قسيس”، وكان من الواضح للأعمى، أنه خطاب يقوم بمهمة عظيمة لصالح السيسي، فيجد الجيش والأقباط أمانهم في استمراره في السلطة، فسقوطه يعني عودة حكم هؤلاء الذين سيعودون وقد تملكت منهم شهوة الانتقام!

هذا الخطاب يدخل معركة مع الجيش المصري كله، تاريخاً وحاضراً، ووصل الأمر إلى حد وصفه بـ”الجيش المصرائيلي”، لتأكيد عمالته لإسرائيل بدون خجل أو وجل، وهو الخطاب الذي قام إعلام الانقلاب بترويجه

لكن هذا تبخر مع حركة محمد علي، التي حددت موقفها بأنها ضد السيسي وحده، ولو كان عزله سيتم بواسطة الجيش، وهو ما يشير إلى أنه قد يرضيهم أن تكون خلافته أقرب إلى خلافة مبارك، الذي سلم الحكم إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ومن هنا استشعر السيسي أن “الخلطة” القديمة فقدت صلاحيتها، والتي تفيد بأن وجوده يحمي كثيرين ضالعين معه في الانقلاب والمجازر، مما يشعره بأن ظهره مسنود في مواجهة خصومه التقليديين، لكنه في الندوة التثقيفية عمل على استدعاء الجيش من جديد، ليكون في ظهره، وبخطاب للجيش وللشعب معاً. فمع الجيش صور أن الحملة عليه إنما تستهدف تشويهه والإساءة إليه (أي الجيش)، وفي مواجهة الجماهير كانت رسالته أنه ممثل لهذا الجيش، ومندوب عنه، وينوب عنه بالوكالة في الحكم، فلا يبنون أحلامهم على إمكانية انقلابه عليه.

العظيم طنطاوي:

لقد كرر عبد الفتاح السيسي كلامه القديم، في تعليق كل الآثام في رقبة ثورة يناير، وهو هنا وإن كان يعبر عن موقفه الحقيقي المعادي لهذه الثورة، دعك من “الأسطوانة المشروخة” عن الجيش الذي حمى الثورة، وهي دعاية تستهدف التخويف من أي خروج عليه، فإنه يهدف إلى ما هو أهم من ذلك، وهو مخاطبة الدولة القديمة، التي لا تعتبره ممثلها الحقيقي، وأنصار مبارك يرون أن ثورة يناير هي انقلاب عسكري على الرئيس مبارك، ولو أقسمت لهم على الماء فتجمد؛ أن قيادة الجيش لم تخذل مبارك وأنها ثورة شعب فلن يصدقوا، ومن هنا ينطلق عداؤهم الحقيقي للسيسي، وكثير منهم أوّب مع محمد علي في دعوته!

وفي وصف السيسي للمشير محمد حسين طنطاوي، وزير الدفاع، بـ”العظيم” الذي أدار البلد حماها في ظروف سيئة، هو هنا يريد أن يوحي للجيش بأنه عسكري منضبط يحترم الأقدمية، وأنه تعبير عن المؤسسة وهذا كبيرها، وأنه وفيّ لأصحاب الفضل عليه؟ وهو هنا يعالج أزمة نفسية عنده من جراء أوصاف سلبية لحقت به لانقلابه على الرئيس محمد مرسي، الذي كانت مشكلته الحقيقية أنه وثق فيه أكثر من اللازم. أيضا من جراء تآمره على المشير طنطاوي وسامي عنان، وسجنه لعنان بعد ذلك، ويريد أن يثبت الصورة غير الصحيحة بأنه تولى منصب وزير الدفاع بترشيح من طنطاوي، ولم يكن هذا صحيحا، لكنه يريد تبديد الصورة الحقيقية الخاصة بما جرى من عزل لطنطاوي وعنان وترقيته هو رتبتين عسكريتين وتصعيده وزيراً للدفاع!

كما أنها رسالة للشعب بأنه لا يعبر عن نفسه، وإنما عن مؤسسة يشيد بكبيرها، ويحرص على دعوته لكثير من فتوحاته. فمن يضع في تصوره أن السيسي وحده يعبر عن ذاته، ومن ثم يطالب بإسقاطه، عليه أن يراجع موقفه!

تحت الرجلين:

وسعى المذكور لترسيخ هذه الصورة بشكل أكبر، عندما قال: “قلت للجيش هترشح للرئاسة بس تشتغلوا تحت رجلين المصريين”. وهو هنا يؤكد أنه مرشح المؤسسة العسكرية، وليس لأنه هذا قراره أو رغبته، أو حتى رغبة المصريين فقط. ولكونه مرشح المؤسسة، فقد اشترط عليها نظير ترشحه، وباعتباره ابنها وممثلها، أن تدعمه بالعمل تحت “رجلين المصريين”. ثم خطى خطوة للأمام وهو يقول إن الجيش لم يطلب تبرعات نظير حربه في سيناء، فتعامل على أنه مندوب الجيش الذي يمن على المصريين بقيام تنظيمه بمهمة لصالح المصريين دون أن يتقاضى عليه أجراً.

خطاب بائس، لكن الرجل مشكلته في التعبير، وقد صور مصر على أنها إمرأة “انكشف ظهرها وتعرى كتفها” بعد ثورة يناير، بما تمثله هذه الصورة من دلالة كاشفة على تعطل قدرات التعبير لديه

صحيح أنه خطاب بائس، لكن الرجل مشكلته في التعبير، وقد صور مصر على أنها إمرأة “انكشف ظهرها وتعرى كتفها” بعد ثورة يناير، بما تمثله هذه الصورة من دلالة كاشفة على تعطل قدرات التعبير لديه، فيلجأ لهذه الصور الموغلة في الرداءة!

والسيسي عندما يقول إن أعداء الوطن مؤخراً كان هدفهم التشكيك في الجيش والإسارة إليه، إنما يريد أن يقدم صورة للجيش بأنه لم يكن المقصود بالحملة عليه في قضية تبديد أموال مصر على بناء قصور رئاسية أقرب للمتاحف وأشبه بقبور الفراعنة، وإنما المقصود بالإساءة هو الجيش، فلا يصدقوا أنه وحده المطلوب إسقاطه وعزله!

وينبغي عدم الاستهانة بمحاولاته، والرد عليها، فالجيش المصري ليس هو الهيئة الهندسية، التي تحدث محمد علي عن أنها المقاول الأكبر في مصر، وأن عودة الجيش إلى الثكنات هو ما يحافظ على سمعته ومكانته التي اكتسبها في قلوب المصريين، ولا يجوز أن يكون دوره هو حماية ظهر حاكم فاشل، فرط في الأرض وفي مياه النيل!

فالسيسي عندما يحشد الجيش في معركته، ينبغي أن يواجه بهذه الأسئلة:

• هل الجيش هو من طلب منك أن تتحدث عن مصر باعتبارها بلد العوز والفقر، ثم تذهب لتبني سلسلة من القصور تنافس بها سلسلة مطاعم كنتاكي (من حيث العدد)؟

• وهل الجيش من طلب منك التفريط في التراب الوطني والتنازل عن تيران وصنافير؟

• وهل الجيش هو من اتخذ قراراً بالانقلاب على ارادة الشعب المصري في 3 تموز/ يوليو؟

• وهل الجيش هو من طلب منك التوقيع على اتفاقية المبادئ التي فرطت بمقتضاها في حصة مصر التاريخية من مياه النيل، ومنحت إثيوبيا بها موافقة مجانية على بنا السد النهضة؟ المؤكد أنك لم تعرض الأمر على الشعب، أو حتى رؤساء الأحزاب، فهل عرضته على الجيش؟

• وهل الجيش هو الذي طلب منك بيع جزيرة الوراق للإمارات؟

محاولة مكشوفة لمن وجد ظهره مكشوفاً.. فمصر لم ينكشف ظهرها في ثورة يناير، لكنه صاحب الظهر المكشوف بعد حركة محمد علي

• وهل الجيش هو الذي قال لك اعتقل علاء عبد الفتاح، وإسراء عبد الفتاح، وزياد العليمي، وهشام فؤاد؟

• وهل الجيش من طلب منك تعديل الدستور لتبقى في الحكم ليوم يبعثون؟

• وهل الجيش هو من طلب منك اعتقال المتهمين الأجانب وفبركة اعترافات لهم تحت التعذيب بأنهم كانوا يستهدفون اسقاط الدولة المصرية؟ وهل الجيش هو من طلب إخلاء سبيلهم بعد تدخل سفاراتهم.. ليتحول الأمر إلى فضيحة؟

• وهل المعركة مع الإخوان معركتك أنت أم معركة الجيش؟.. وهل تدمير البلد قرارك أنت أم قرار الجيش؟!

إنها محاولة مكشوفة لمن وجد ظهره مكشوفاً.. فمصر لم ينكشف ظهرها في ثورة يناير، لكنه صاحب الظهر المكشوف بعد حركة محمد علي.

إن فك الارتباط بين الجيش والسيسي هي مهمة وطنية بامتياز.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

قطب العربي يكتب: محاكمة قتلة مرسي وإن طال الزمن

لم يكن تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بالقتل خارج نطاق القانون هو أول مؤشرعلى ...