هاني بشر يكتب: المعارضة المصرية والأمن القومي

الأمن القومي هو الجهاز العصبي لأي دولة، وباختلاله تتعطل كثير من الوظائف الحيوية لهذا الجسد، لذا فإن أجهزة الدولة تعادي من يعادي أمنها القومي وتوالي من يواليه بشكل آلي. ولا تكمن المشكلة في الأمن القومي باعتباره أمنا، ولكن في تعريفه ومستوياته وأساليب تطبيقه؛ بين ما هو ناعم وما هو خشن.

في مصر يوجد نظام قوي ودولة ضعيفة، على حد قول المرحوم الدكتور سامر سليمان في كتابه الشهير الذي يحمل الاسم ذاته. ولهذا، فإن مفاهيم الأمن القومي ترتبط بالنظام أكثر مما ترتبط بالدولة. والمشكلة ليست هنا فقط، ولكن تكمن في أن هذه المفاهيم تترسخ في الأجهزة الأمنية والدبلوماسية والبيروقراطية لما يشبه العقيدة الراسخة، وتتسرب لوسائل الإعلام الموالية للنظام لتخلق طبقة اجتماعية مشبعة بها. وهنا يجد كثيرون أنفسهم مضطرون للعمل ضمن منظومة قد لا يؤمنون بها أخلاقيا، ولكن يجتهدون للحفاظ عليها مراعاة لهدف أسمى وأبعد، وهو مصلحة المجموع.

المعارضة السياسية بشكل عام، والإسلامية بشكل خاص، تقع في مصر في خانة أخطار الأمن القومي، وهو أمر لا تخفيه الأجهزة الأمنية والعسكرية. ولم تخرج المعارضة من هذه الدائرة منذ عقود طويلة، بغض النظر عن فترات المد والجزر السياسي الذي تفرضها بعض الظروف التاريخية. وهذا متوقع في بلد لم تصل فيه المعارضة بطريقة سلمية للسلطة منذ إعلان الجمهورية عام 1952، رغم الاستثناء القصير بعد انتخاب الرئيس الراحل محمد مرسي، وهو استثناء يثبت القاعدة ولا ينفيها. وقد كانت ممارسات الأجهزة الأمنية والبيروقراطية خير شاهد على ذلك. وأميل إلى أنها كانت تعمل بشكل آلي ضد مرسي، ولو من دون توجيه، نتيجة ما تربت عليه من عقائد الأمن القومي.

الوضع ازداد سوءا بعد عام 2013، وذلك لأن المعارضة الحقيقة انتقلت إلى المنافي والسجون، وتمت شيطنتها جهارا نهارا ورميها بالخيانة والغدر. وبعد أن كانت شريكا في عمليات سياسية محدودة مثل انتخابات البرلمان أو حتى على مستوى بعض الندوات، أصبحت خارج دائرة الفعل السياسي تماما، الأمر الذي يطرح سؤلا مهما حول فهم هذه المعارضة على اختلاف أطيافها لنظريات الأمن القومي التي تعمل بها الدوائر الرسمية والأمنية والعسكرية في مصر، والتي تستخدمها في حربها ضد المعارضة، ولو كانت أصواتا تتحدث بشكل محدود جدا، مثل الدكتور حسن نافعة والدكتور حازم حسني اللذين اعتقلا مؤخرا.

للأسف لا توجد سوى سردية واحدة للأمن القومي؛ هي سردية النظام، وملخصها أنني أملك سلاحا وأحكم منذ 1952، لدي أخطاء، ولكني أحميكم من هؤلاء الخونة في الداخل والخارج. لا تتحدث المعارضة عن الأمن القومي وتعريفاته وأساليب تطبيقه سوى لماما، ولا تتحدث عن سردية بديلة للأمن القومي أو تفكيك لسردية النظام. وهو جهد شاق، وكان الأصل أن تقوم به حين تصل للسلطة، بحيث تتم كل هذه الأمور بشكل سلس ومن داخل بنية الدولة وأجهزتها نفسها. لكن وبما أننا في وضع استثنائي، فلا مجال سوى القيام بهذا الواجب؛ لأن أخطار الأمن القومي وصلت لمرحلة خطرة للغاية. لعل أبرزها قضية سد النهضة الإثيوبي وتفاعلاتها، وهي قضية تضع الأمن المائي المصري على المحك.

ولا أتصور أن قضية السد ستكون آخر قضايا الأمن القومي التي تطل برأسها، إذ ستظهر حتما قضايا أخرى في الأفق وسط الواقع الإقليمي المضطرب. وتحتاج هذه القضايا إلى صياغة خطاب سياسي جديد يراجع مفاهيم وتعريفات الأمن القومي وأحدث النظريات في هذا الشأن وطرق تطبيقه؛ لأن الواقع يزداد تعقيدا، وكلفة إصلاح ما قد يفسد باهظة، وما قضية تيران وصنافير عنا ببعيد.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

قطب العربي يكتب: محاكمة قتلة مرسي وإن طال الزمن

لم يكن تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بالقتل خارج نطاق القانون هو أول مؤشرعلى ...