طارق الزمر يكتب: علمني السجن..

13 تشرين الأول/ أكتوبر 1981.. في هذا اليوم بدأ مبارك حكمه لمصر وبدأت فيه رحلة اعتقالي، لأبدأ أهم وأخطر رحلة تعرضت لها في حياتي، والتي انتهت في آذار/ مارس 2011 بعد خلع مبارك بشهر واحد، وبعد أن استغرقت نصف عمري.. لكن هل يمكن اعتبارها تجربة مفيدة؟

سؤال ينظر إليه كثير منا على أنه يصادم المنطق، وذلك بسبب قسوة السجون والمعتقلات العربية، وعدم توقع أي نوع من أنواع الإفادة الحسية أو المعنوية بين جدرانها. كما أنها تجربة لا يتمناها صديق لصديقه، وبالأحرى الحبيب لحبيبه، لكن ما يوجب السؤال أن الاعتقال بكل أسف أصبح واقعا مميزا لبلادنا وأحد أهم ملامح تاريخها السياسي.

الحقيقة إنني حينما أسأل عن تجربة السجن التي دامت ما يقرب من 30 عاما؛ هل كانت تجربة قاسية أم تجربة مفيدة، ربما لا يصدق البعض أنها قد تكون ممتعة في بعض جوانبها.

صحيح أنها تجربة طويلة استغرقت العمر كله، فلم يعد هناك متسع لتجربة أخرى، فإذا كنت قد دخلت السجن وعمري 22 عاما فقد خرجت منه وعمري 52 عاما. وإذا ما قارنت بين ما قضيته في السجن وما قضيته خارجه، فان النتيجة ستكون لصالح السجن بكل تأكيد.

وبعد هذا أستطيع أن أقول بكل حسم: لقد أفدت من تجربة السجن بكل تأكيد:

علمني السجن أن المراجعات هي ضرورة حيوية، وليست فقط واجبا شرعيا وعقليا وسياسيا، وهي ما أوجبتها أيضا طبيعة السجن الذي يمثل صورة من صور الانقطاع عن الحركة والاعتزال عن الحياة، وهو ما يكون أكثر فائدة في التقويم والتصحيح، وربما رؤية الأمور العامة أفضل ممن ينخرطون فيها ويشتبكون معها يوميا، حيث تستدرجهم مقتضياتها وقضاياها وتستهلكهم تفاصيلها.

علمني السجن أن الاستعباد والإذلال الذي يُمارس على شعبنا منبعه السجون، وكأن الطغاة يتدربون على إذلال شعبنا في هذه الوحدات المجتمعية الغريبة والمنتشرة في ربوع بلادنا.

علمني السجن أن خصمنا واحد، وهو دولة الاستبداد التي استباحت كل شيء في بلادنا. وقبل أن تستبيح أموال وطننا وموارد بلادنا وقوت فقرائنا؛ فقد استباحت أبشارنا وظهورنا يجلدونها ليل نهار.

علمني السجن أن التواضع والتنازل لأبناء الوطن ورفقاء الطريق، مهما كان الخلاف معهم، أفضل ألف مرة من التذلل والتوسل الخضوع والاستجداء من أعداء بلادنا وأمتنا.

علمني السجن أن الإنسان يمكنه أن يعيش كريما منعما سعيدا مهما حُرم من مظاهر الحياة ومُنع من أبسط وأدنى مظاهر العيش، وذلك إذا حافظ على قلبه متصلا بالله واستمسك بقضيته ولم يفرط في شيء منها. بل إن الالتصاق بالتراب وتوسد الحجر يكون حينئذٍ أفضل من النوم على الحرير واعتلاء العروش وسُكنى القصور.

علمني السجن أن الأيام دول، فكم من قصص لشخصيات كبرى خلف الأسوار ظلت تردد وقائعها جنبات السجون وجدران الزنازين وهي تقول: إن عين الله لا تنام، وإن الظالم لا بد وأنه سيبتلى بأظلم.

علمني السجن أن سلامة الصدر لا يعدلها شيء فما أسعد الأيام التي لا تحمّل نفسك فيها شيئاً تجاه أحد حتى الذين عادوك وظلموك، فضلا عن أصدقائك ورفقائك وما أقساها إذا وجدت ما يحرمك من ذلك.

علمني السجن أن أخطر وأقسى ما يتعرض له الإنسان هو التنكر لمحنته، والأقسى هو محاولة التعتيم عليها، والأقسى هو اعتبارها لونا من الترف، بل ويجب التحريض عليه، والأقسى أن يتم اعتبار ذلك التحريض مسألة قومية لا بد من الاجتماع عليها وأن تتوافق القوى السياسية على ذلك، حتى تلك التي تعرضت لذات الاضطهاد يوما.. والأقسى من ذلك كله هو الشماتة في معاناتك والتشهير بآلامك وأوجاعك التي لم تتكبدها إلا دفاعا عن كرامة شعبك وحقوق كل هؤلاء!!

علمني السجن.. أن أشيد بنموذج “مصطفى أمين”؛ الذي برغم الخلاف، فقد كان يتمتع بسلامة نفسية جعلته ينتفض لمجرد شيوع أخبار عن تعرض المعتقلين أو السجناء الاسلامين للاضطهاد، ولا تمنعه فكرته المختلفة ولا ظروف مصر السياسية القاسية غالب الوقت من أن يكتب بكل شجاعة وجرأة؛ محذرا من عواقب التعذيب ومنبها لمخاطر ذلك على مستقبل البلاد، لاعنا الظلم والظالمين أينما حلوا أو ارتحلوا.

علمني السجن أن كرامة الإنسان تتجاوز اختلاف الأفكار، وأن من يتذرع بالأيدلوجيا لتبرير التعدي على كرامة انسان آخر يفقد في ذات اللحظة إنسانيته التي جعلته مؤهلا لأن يفكر وينطق، فضلا عن أن يكون صاحب أيديولوجيا، وذلك قبل أن يفقد رؤيته وتوجهه السياسي.

علمني السجن أن القيد الشديد والحبس الطويل لا يزيد صاحب المبدأ إلا رسوخا، ولا صاحب الفكرة إلا أفقا أوسع وصدرا أكثر سلامة.

علمني السجن أن السوي هو الذي تزيده قسوة الحبس رحمة، وتكسو إسانيته رقة، فيكون رحيما بكل أحد بل بكل شيء، فضلا عن رحمته بمن يتعرض لمثل محنته، ولا يجد طريقا للتخفيف عنه إلا سلكه.

فالسجن مدرسة كبرى.. وإن شئت قل جامعة جامعة.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

محمد هنيد يكتب: السجون العربية وثورات الربيع

إن قراءة ظاهرة السجون العربية المخصصة للمعارضة السياسية أو ما يسمى سجناء الرأي، تحتاج موسوعات ...