حازم عياد يكتب: مستقبل مصر في بيئة إقليمية متغيّرة


بعد خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة وتحذيره من فشل الوصول إلى اتفاق حول مياه النيل وسدّ النّهضة؛ أطلق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تغريدة حمل فيها أثيوبيا مسؤولية فشل المفاوضات مؤكدا تعبئة كافة الموارد لمواجهة الخطر المتولد عن المشروع الأثيوبي؛ فهل سدّ النهضة وأثيوبيا تعد الأزمة الوحيدة التي تحاصر القاهرة وتؤرق الطبقة الحاكمة فيها؟ وهل تعد الأولوية للنخبة السياسية لتتقدم على ما سواها من أزمات وتحديات؟ وهل استجابة النخبة في مصر للأزمات واقعية أم افتراضية حالمة؟

انسداد ودعوة لتدخل دولي

توقفت المفاوضات بين مصر وأثيوبيا ولم تعقد المزيد من اللقاءات التنسيقية بين مصر والسودان؛ واقتصرت الجهود على تصريح لوزير الخارجية سامح شكري أشار فيه إلى ضرورة تدخل دولي وأطراف ثالثة لإنعاش المفاوضات؛ فالسودان منشغل بالمرحلة الانتقالية لدرجة باتت فيها الضغوط المتولدة عن المتغيرات الداخلية في الخرطوم لا تقل خطورة بالنسبة للطبقة الحاكمة في مصر إن لم تتفوق على العجز المائي المتوقع أن تعاني منه مصر في حال ملء سدّ النهضة؛ والذي سيقارب الـ 30 مليار متر مكعب.

في مقابل أزمة سدّ النّهضة التي تهدد مصر بكارثة بيئية وموجة نزوح ولجوء بيئي فإن الجبهة الليبية تتقدم على كل الجبهات غير أنها تعاني من ستاتيكيو (ثبات) وجمود، فالجنرال خليفة حفتر خرج خاسرا من ناحية سياسية من المعركة (معركة طرابلس)؛ وما أبقاه في المشهد غياب البدائل التي من الممكن أن تتفق عليها الدول الداعمة له في مواجهة حكومة السراج وعلى رأسها القاهرة وباريس وموسكو وأبو ظبي التي تعد أكبر حليف للجنرال حفتر.

في مقابل أزمة سدّ النّهضة التي تهدد مصر بكارثة بيئية وموجة نزوح ولجوء بيئي فإن الجبهة الليبية تتقدم على كل الجبهات

الجنرال حفتر تحول إلى عبء سياسي وعسكري يثقل كاهل الإدارة المصرية في ظل غياب الأفق السياسي للحل والآداء الضعيف للجنرال وفصيله السياسي فديناميكية المعارك والحركة السياسية في ليبيا تتسارع في حين تتباطأ السياسة المصرية وتتراجع قدرتها على مواكبة الحدث سياسيا وعسكريا؛ الظاهرة ذاتها التي من الممكن ملاحظتها في ملف العلاقة مع أثيوبيا والسودان.

الجبهة الأخطر

الجبهة الأخطر بالنسبة لمصر تبقى سيناء والبحر الأحمر انتهاءا بباب المندب؛ فالحضور المصري يتراجع وينحسر منذ مدة ليست بالقصيرة ونفوذها الإقليمي في البحر الأحمر يتراجع لصالح قوى عربية منهكة في الصراع اليمني تقف على رأسها الرياض وأبو ظبي؛ في مقابل نفوذ متعاظم لطهران وأنقرة وأديس أبابا شرق إفريقيا ما انعكس سلبا على فاعلية السياسة المصرية في القارة الإفريقية واتضح من خلال مفاوضات سدّ النهضة وترتيبات المرحلة الانتقالية لما بعد البشير في السودان.

مصر غارقة بترتيبات لم تكتمل في الملف الفلسطيني بسبب فوضى الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية؛ وباتت سياستها في سيناء والبحر الأحمر رهينة السياسات الإقليمية والدولية المتعلقة بالكيان الإسرائيلي وحرب اليمن والصراع على القرن الإفريقي وشرق إفريقيا؛ ما يجعل السياسة المصرية عالقة بدون رؤية في مربع حلول إقليمية ودولية قد لا تأتي أبدا وليس لمصر فيها نصيب يذكر.

مصر تعاني من جبهات ساخنة وتحديات متعاظمة في البحر الأحمر والمتوسط في القارة الإفريقية في السودان وليبيا

أخيرا يبرز البحر المتوسط كجبهة أخيرة تتحرك فيها مصر على وقع الصراع الجيوسياسي على الطاقة والمخزونات النفطية؛ تتحرك بعيدا عن أثيوبيا وطهران باتجاه أنقرة مقتربة من قبرص الرومية واليونان دون جدوى متوقعة؛ فتركيا تتحرك في البحر المتوسط بفاعلية كبيرة وتملك العديد من الأوراق التي دفعت الولايات المتحدة إلى تقبل العملية العسكرية التركية شرق الفرات؛ فالجهود المصرية متأخرة جدا ومحدودة الفاعلية لا في تأثيرها على سلوك الفاعلين ومن ضمنهم أنقرة في سوريا فقط؛ بل على نمط التحالفات في البحر المتوسط التي تحد من فاعلية السياسية المصرية؛ فأنقرة تعمل بفاعلية شمال قبرص وتتحرك بتسارع يتناسب مع التحولات الجيوسياسية معززة إمكاناتها في التنقيب عن الغاز في حين تنشغل مصر عن متابعة مصالحها الحيوية المباشرة في منطقتها الاقتصادية الخاصة في المتوسط التي تتعارض بقوة مع مصالح الكيان الإسرائيلي من ناحية استراتيجية بشكل يفوق التعارض والتصارع مع أنقرة.

ختاما: مصر تعاني من جبهات ساخنة وتحديات متعاظمة في البحر الأحمر والمتوسط في القارة الإفريقية في السودان وليبيا؛ ورغم أهمية الجبهات وسخونتها إلا أن فاعلية السياسة المصرية محدودة مقرونة باستجابة بطيئة وشبه معدومة ومشوهة في كثير من الأحيان؛ فمصر محاصرة بالأزمات وتعاني من إشكالات داخلية تحد من فاعلية سياستها الخارجية إذ تتحرك ببطء وتثاقل كبير؛ متبعة سياسة الانتظار والمراقبة في حين أن العالم من حولها متحرك ديناميكي (سريع الحركة) في السودان وليبيا وأثيوبيا و تركيا و فلسطين في البحر المتوسط والأحمر.

فالعالم المحيط بمصر يسير بإيقاع سريع يفوق إيقاع السياسة المصرية الخارجية والداخلية المتسمة بالجمود؛ ما يعني أن قدرتها على التكيف مع المتغيرات المتسارعة ستكون محدودة جدا وستجعلها أكثر نزوعا للتعايش مع هذه المتغيرات دون التأثير فيها كفاعل في أحسن الأحوال؛ وفي أسوء الأحوال فإن المتغيرات والتحولات الخارجية السريعة ستفرض نفسها على المشهد الداخلي في مصر؛ إذ باتت قادرة على التأثير في واقع مصر الداخلي؛ ولعل العجز المتوقع في مياه النيل شريان الحياة للمصريين أكبر دليل على الانعكاسات الداخلية السلبية للتحولات الإقليمية والدولية المحيطة بمصر والتي تتطلب استجابة واقعية وسريعة ومرونة عالية تفوق الماكنة الإعلامية التقليدية وتتجاوز حدود السوشل ميديا والعوالم الافتراضية.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

قطب العربي يكتب: محاكمة قتلة مرسي وإن طال الزمن

لم يكن تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بالقتل خارج نطاق القانون هو أول مؤشرعلى ...