شفيق الغبرا يكتب: المشكلة المصرية وتحريك المياه الراكدة

نجح المقاول والممثل المصري محمد علي، ببساطة أسلوبه، بصناعة جدل لم تشهد مصر مثيلا له منذ عدة سنوات.

إن التفاعل المصري مع محمد علي وتحرك المصريين للتعبير عن رفضهم للوضع من خلال كسر حاجز الخوف بعد طول صمت يؤكد بأن مصر غير قابلة بواقعها ولا «بفقرها» ولا بخطط وشروط البنك الدولي التي تطبق في بيئة يتحكم فيها الفساد. لقد أثار محمد علي كل النقاشات الممكنة حول الاقتصاد والفساد وحول العدالة والحرية والجيش والسياسة والدولة المساءلة.

موضوعات وأطروحات محمد علي حركت المياه الراكدة بين جميع النخب المصرية وفي كل المدن والمناطق.

ليس من المستغرب أن تتحرك مصر لإنقاذ مصر من التدهور المستمر. فعند مقارنة مصر التاريخية بمصر الحالية نكتشف بأن مصر الحالية فقدت من أراضيها وازدادت اضمحلالا أمام الولايات المتحدة و إسرائيل كما وفقدت المكانة أمام أفريقيا وأثيوبيا، وهي بنفس الوقت لم تشهد في تاريخها حالة متراجعة بمستوى الحريات وضيق معيشة المواطن كما تشهد الآن.

لقد دخلت مصر بأزمة منذ انقلاب 2013 ومنذ مجزرة رابعة بالتحديد، وهي لازالت تعاني من أزمة بسبب غياب المصالحة السياسية وبسبب اكتظاظ السجون بنزلاء حكموا بقضايا الرأي والتظاهر والاحتجاج السلمي. وقد أصبحت الأزمة أكثر عمقا بسبب سجن قادة عسكريين كسامي عنان وقادة سياسيين كعبد المنعم أبوالفتوح وهشام جنينة وغيرهم ممن طرحوا بدائل سياسية وآراء معلنه. كانت جريمة سامي عنان رئيس الأركان السابق انه تجرأ على الترشح كمنافس للرئيس السيسي، أما جريمة هشام جنينية فكانت إدارته الحملة الانتخابية لسامي عنان.

أما عبد المنعم ابو الفتوح صاحب الشخصية المتوازنة والعقل النير فقدم رأيا سلميا متوازنا حول الأوضاع في مصر فكان نصيبه السجن. في السجون المصرية لا توجد ضمانات، يكفي ان نقرأ ما كتبه مؤخرا علاء عبد الفتاح عن تجربته في السجن لنعرف مدى عمق الانتهاك.

لقد ارتبك وانهار الإعلام المصري أمام أطروحات محمد علي وقدرته على مخاطبة الناس بصدق. فعلى مر السنوات الست الماضية ومنذ أغلق برنامج باسم يوسف الحر فقد الإعلام الحكومي والخاص في مصر قدرته على الإقناع.

إن المجتمع المصري يبحث عن من يحترم عقله ومن يخاطبه بصدق ويقدم له معلومات جديدة ورؤى نقدية، أما الإعلام الرسمي والشبه رسمي وإعلام الرقابة فقد أصبح رتيبا وشكليا. لهذا السبب توجه ملايين المصريين نحو صوت «محمد علي» الجديد، وهذا بحد ذاته بث الروح في الإعلام المصري المعارض خارج مصر كما وفي حركة التواصل الاجتماعي.

يبدو أن مصير العرب ومصير التغير في بلادهم ستحدده المفاجآت. فجأة يحرق بوعزيزي نفسه فينفجر الربيع العربي في 2010-2011، وفجأة تنفجر الحالة في السودان والجزائر، والآن يظهر محمد علي فترتبك أجهزة الدولة المصرية. ان السبب في تعدد المفاجآت في بلادنا يعود لغلق المساحات والتخلي عن مشروع الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي. يل يعزز المفاجآت في منطقتنا وجود نمط من الحكام ممن لا يقيمون للشعب وزنا لكنهم يقاتلون من أجل الكرسي مهما كان الثمن.

و تتميز مصر بالعديد من الإيجابيات التي ستؤثر على التطورات السياسية فيها. فجيشها ليس جيشا طائفيا، إنه جيش وطني نتج عن تطور تاريخي من خلال بناء الدولة المصرية ومقاومة الاستعمار. ففي مصر تم حل مشكلة الهوية التي يعاني منها العرب، فلا الدولة علوية أو سنية ولا هي دولة لأسرة ولا هي لقبيلة أو إقليم. لهذا فإن محاولات تحويل مصر لحكم فردي أسري أو فئوي او طبقي أو حتى ديني لن تنجح. إن قوة الهوية المصرية وشعور المصريين الدائم بأنهم يستحقون الأفضل ستبقى أحد أهم العناصر المحركة للحالة المصرية. بل يمكن الجزم بصعوبة تحول الجيش المصري، كما حصل في سوريا والعراق، لقوة تمتلكها طبقة او طائفة أو بضعة قيادات عسكرية مرتبطة بالنظام السياسي.

الأصوات الصادرة عن مصر تؤكد لنا بأنه لا يمكن حكم مائة مليون مصري في بلد كبير كمصر بمزاجية وبلا قيم تتعلق بالعدالة والتنمية والمساءلة، فالاستفراد والقمع لن يؤدي سوى للتمرد والمقاومة. في مصر اقتصاد طبيعي، ولا يوجد مواد خام ونفط يغطي على هدر الثروات وسوء. تنظيم الاقتصاد. مصر اليوم من أكثر الدول العربية حاجة للتنظيم الاقتصادي العادل، والضرائب التصاعدية والحريات والحقوق والتداول على السلطة.

ولو تساءلت من أين يستقي الشعب المصري قوته؟ يمكن القول بأنه في مصر قوة ناعمة قديمة قابلة للتجدد، وفي مصر شعراء وعلماء وحركات سياسية وابداع مسرحي وسينمائي وغنائي وثقافي، وأنه لدى مصر جيل شاب لديه القدرة على الإبداع كما حصل في ثورة 2011 وفي ثورات وحراكات سابقة. المجتمع المصري يصعب التحكم به، ويصعب تحجيمه، بل يصعب وضع المجتمع المصري في صندوق يتحكم به جهاز أمن أو خطة أمريكية أم إسرائيلية. مصر أكبر من أن يتم استيعابها لتغدو بلدا يعمل ضد نفسه وضد قومه وضد هويته.

ويتضح اليوم من خلال الحراك المصري الجديد بأن أعدادا كبيرة من النخب التي أيدت الرئيس السيسي في صعوده في البداية هي نفسها من تطالب بالتغير وباستعادة الحياة السياسية في مصر وبانتخابات جديدة تقوم على التنافس الجاد.

المعروف أن الانتخابات الأخيرة في مصر تمت في ظل سجن كل شخصية وطنية رشحت نفسها للمنافسة على منصب رئيس الجمهورية. المصريون يعلمون علم اليقين بأن مصر تحتاج لجهد كبير لإنقاذها من الفساد ومن ضيق المصالح وسيطرة بعض العسكريين على الاقتصاد.

ظاهرة محمد علي بداية لمرحلة من العمل السياسي المقاوم المصري الباحث عن الدولة العادلة والحقوق الواضحة والنظام السياسي المساءل.

عن جريدة القدس العربي اللندنية

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

هاني بشر يكتب: المعارضة المصرية والأمن القومي

الأمن القومي هو الجهاز العصبي لأي دولة، وباختلاله تتعطل كثير من الوظائف الحيوية لهذا الجسد، ...