أميرة أبو الفتوح يكتب: فيديو هز عرش الإمبراطور

في غفلة من الزمن، وبينما المصريون في سبات تام منذ سبعة أعوام، إذ بهم فجأة يستيقظون على زلزال يبعثه المقاول والممثل “محمد علي” من خلال فيديو على صفحته في فيسبوك، يتحدث فيه عن فساد السيسي وبعض قيادات الجيش، وذلك من واقع عاشه معهم وتعايش فيه طيلة ستة عشر عاماً؛ عمل خلالها كمقاول من الباطن لمشاريع كبرى تنفذها الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، حيث كُلف ببناء قصور رئاسية وفنادق وطرق وأنفاق.. إلخ. وذكر الرجل أسماء وأماكن تلك القصور والفنادق التي تكلفت مليارات الجنيهات دون الحاجة إليها أصلاً، ناهيك عن أنها بلا جدوى أو نفع يعود على المواطن المصري. ففي مصر عشرات القصور الرئاسية الفاخرة منذ العهد الملكي، وهي من أروع القصور في العالم، فهي تحف فنية وأثرية نادرة لا تقدر بمال ولا يمكن بناء مثلها في عصرنا الحالي، كقصر عابدين، وقصر رأس التين، وقصر القبة الذي انبهر به الرئيس الأمريكي الأسبق “بيل كلينتون” أثناء زيارته لمصر وإقامته فيه. لكن يبدو أن السيسي لم ير هذه القصور الفاخرة، لائقة بمقامه الرفيع، فقرر أن يقيم قصورا رئاسية جديدة له، بعيداً عن العاصمة وعن أعين الشعب.

فقد كشف “محمد علي” قيام السيسي بتشييد ستة قصور متصلة بأنفاق تحت الأرض في قطاع “الهايكست العسكري”، عام 2014، وتشييد خمسة قصور بمنطقة الجولف في ضاحية التجمع الخامس، ضمن مجمع يحمل اسم “الكيان”، ويستخدم أحدها سكناً غير معلن له. فمنذ أن قام بانقلابه عام 2013 لا أحد يعرف أين مسكنه! وكثيراً ما أثير هذا التساؤل أثناء ترشحه للرئاسة، ما أثار غضبه، وكأنه سؤال عن أسرار عسكرية لا ينبغي ولا يصح الخوض فيه!

منذ أن قام بانقلابه عام 2013 لا أحد يعرف أين مسكنه! وكثيراً ما أثير هذا التساؤل أثناء ترشحه للرئاسة، مما أثار غضبه، وكأنه سؤال عن أسرار عسكرية لا ينبغي ولا يصح الخوض فيه

وهذا بخلاف قصره الذي يشيده حالياً في “العاصمة الإدارية الجديدة”، ليكون مقراً لإقامته بعيداً عن الشعب الذي يحكمه، بل أنشأ جداراً عازلاً بين العاصمة الجديدة والعاصمة القديمة (القاهرة). وحسب الصور التي التقطتها أقمار صناعية وبثتها قناة “الجزيرة مباشر” للقصر تحت الإنشاء، تقدر مساحة السكن الرئاسي وحده بـ50 ألف متر مربع، أي أنه أكبر بمقدار 10 أضعاف مقارنة بالبيت الأبيض الذي تبلغ مساحته فقط خمسة آلاف متر مربع. أما المساحة العامة لموقع القصر والمحاط بسور خارجي؛ فإنها تقدر بـ2.3 مليون متر مربع. كما أظهرت الصور وجود مساحة خارجية صممت لتكون حرماً للمدخل الرئاسي للقصر، وتبلغ مساحتها وحدها 180 ألف متر مربع، وبذلك تكون المساحة الكلية للقصر مليونين و550 ألف متر مربع، أي ما يعادل 607 فدانات، وهو ما يعادل 32 ضعف مساحة البيت الأبيض!!

بالمناسبة، جميع رؤساء أمريكا، بدءا من روزفلت ونتهاء بترامب، لم يبنوا قصراً واحداً، منذ الانتهاء من إعادة بناء البيت الأبيض عام 1817، رغم أن أمريكا أغنى دولة في العالم، ويبلغ ناتجها القومي السنوي 20 تريليون دولار!!

أما نحن، دولة العوز والفقر بلسان السيسي نفسه، فنبني هذه القصور الكثيرة وبهذه المساحات الضخمة، والتي تتطلب ميزانية ضخمة أيضاً. ووفقاً لتكاليف البناء في العاصمة الإدارية، فإن الطابق الواحد من القصر سيكلف الخزينة المصرية 2.25 مليار جنيه!

هذا المبلغ يكفي لبناء 125 مدرسة أو 16 مستشفى في البلاد، أو إصلاح السكك الحديدية؛ حيث الحوادث المتكررة التي تحصد عشرات الأرواح على قضبانها، ولكن السيسي يرى أن بناء قصوره أهم من المدارس والمستشفيات وحياة الناس، حيث أنه قال في إحدى المناسبات: “يعمل إيه التعليم في وطن ضائع”. وبعد سلسلة من حوادث القطارات، قال: “تطوير السكة الحديد سيكلف الدولة 10 مليار ولو نحطهم في البنك بالأسعار الجديدة يدوني فوائد 2 مليار جنيه في السنة”، ما يعني أن حياة المصريين لا ثمن لها عنده.

المبلغ يكفي لبناء 125 مدرسة أو 16 مستشفى في البلاد، أو إصلاح السكك الحديدية؛ حيث الحوادث المتكررة التي تحصد عشرات الأرواح على قضبانها

استطاع “محمد على”، من خلال فيديوهاته المتعاقبة والذي ينتظرها الملايين بشوق وشغف غير مسبوق (حتى أن البعض قال “لو محمد على باعها لربح أموالاً أكثر من دخل قناة السويس”)، وهو القادم من داخل دولتهم العميقة بعدما رأى بأم عينه الفساد وتعامل معه مما أعطي مصداقية لشهادته.. استطاع أن يعرى النظام الانقلابي ويفضحه، إذ يوضح كيف بدد السيسي مقدرات مصر، وأهدر المليارات من الجنيهات في صحراء جرداء لإنشاء “العاصمة الإدارية الجديدة”، ليتباهي بأكبر قصر في العالم، وأعلى مئذنة جامع، وأكبر كنيسة في الشرق، وأطول برج في أفريقيا، وأحدث قطار كهربائي، وأكبر مدينة ملاهي، وأضخم مدينة فنية وثقافية و.. و.. إلى آخره، في الوقت الذي يرفع فيه الدعم عن الوقود والكهرباء والمياه والمواد الغذائية، وملايين المصريين تحت خط الفقر؛ يسكنون في المقابر ويأكلون من القمامة!!

أما عن الملايين التي أهدرت على تفريعة في قناة السويس، سبق وأن أقام مثلها الرؤساء السابقين، بل إن مبارك أقام ثلاث تفريعات، وكان يرسل رئيس وزرائه لافتتاحها، ولكن لأن السيسي يريد أن يبني مجداً زائفاً ويصنع لنفسه هالة مصطنعة تجعل منه إمبراطوراً وليس رئيساً فحسب، فادعى أنه يبني قناة السويس الجديدة وأنفق نحو 65 مليار جنيه، أخذها من الشعب على هيئة شهادات، لتنفيذ مشروع فاشل؛ واعترف هو بفشله في لقاء تلفزيوني سابق مع المذيع “أسامة كمال”، قائلا إنه “كان الغرض منه رفع الحالة المعنوية للشعب”!!

لا بل كان الغرض منه أن يظهر في هيئته الجديدة، كإمبراطور، يرتدي البدلة العسكرية مرصعة بالأوسمة والنياشين ويقف فوق السفينة متباهياً بذاته، وكأنه الخديوى إسماعيل يوم افتتاح القناة!

لقد كشف “محمد علي” أنه أنفق ثلاثين مليون جنيه على حفلة افتتاحها فقط! والتى ضحى من أجلها بدفن والدته التي تصادف وفاتها قبل إفتتاح القناة بيومين، فأمر بوضعها في الثلاجة، إلى ما بعد انتهاء الحفل كي لا تُفسد عُرسه وتسرق فرحته!

لقد كُلف “محمد على” بتمهيد الطريق إلى مدافن العائلة وعمل بوابة ضخمة على مدخله ليمر منها لتشييع جثمان والدته، بكلفة بلغت أكثر من مليوني جنيه!!

كما عُهد إليه بهدم قصر الرئاسة في المعمورة وبناء قصر جديد؛ لأن الهانم زوجة السيسي لا تريد أن تقيم في نفس القصر الذي أقامت فيه “سوزان مبارك”. وتكلف بناء القصر 250 مليون جنيه (دون الأثاث والمفروشات والسجاد والنجف.. الخ)، وحينما ذهبت لمعاينته طلبت تعديلات بـ25 مليون جنيه. وطُلب من المقاول تسليم القصر قبل العيد؛ لأن الهانم تريد أن تقضي العيد فيه!!

وذكر أيضا أنه هدم فيلا وزير الحربية في عهد عبد الناصر “عبد الحكيم عامر” في الحلمية، لبناء فيلا جديدة بتكلفة 60 مليون جنيه..

هذا بخلاف الفندق الذي تكلف أكثر من ملياري جنيه مجاملة لجنرال صديق للسيسي، في منطقة بعيدة، وحينما اعترض “محمد علي” بأن هذا المكان لا يصلح لإقامة فندق وتساءل لماذا الاستعجال دون وجود دراسات جدوى لمشروع بهذا الحجم، وبهذه التكلفة الباهظة، قالوا له لا تتكلم في السياسة، وأن الرئيس لا بد أن يرى العمل قد بدأ بالفعل!

انتظرنا أن يصدر تصريح رسمي من مؤسسة الجيش أو من مؤسسة الرئاسة يرد فيه، على هذه الاتهامات الخطيرة أو أن يقدم البرلمان استجواباً لوزير الدفاع، أو أن يأمر النائب العام بعمل تحقيق وأن يأخذ القانون مجراه كما يحدث في دول العالم المحترمة

هذا غيض من فيض مما قاله “محمد علي” عن الفساد داخل الجيش من خلال فيديوهات على مدار عشرة أيام، وانتظرنا أن يصدر تصريح رسمي من مؤسسة الجيش أو من مؤسسة الرئاسة يرد فيه، على هذه الاتهامات الخطيرة أو أن يقدم البرلمان استجواباً لوزير الدفاع، أو أن يأمر النائب العام بعمل تحقيق وأن يأخذ القانون مجراه كما يحدث في دول العالم المحترمة.. وقد رأينا كيف تم التحقيق حول ترامب في الكونجرس، ولكن هذا لم يحدث، ولأننا في شبه دولة (كما سبق وقال السيسي)، فقد حدث العكس تماماً، فمبجرد أن محامياً قد كتب على صفحته في فيسبوك أنه ينوي تقديم بلاغ للنائب العام للتحقيق في هذه الوقائع، قبض عليه على الفور، بل إن أحد المحامين الموالين للنظام قدم بلاغا للنائب العام ضد “محمد علي”؛ يتهمه فيه بالخيانة العظمى والإساءة للجيش!!

ووقع الإعلام المصري، بقنواته الكثيرة والمسيطر عليه جهاز المخابرات، في حالة من التأزم والتخبط لم يشهدها من قبل، فلم يستطع بكل إمكانياته الضخمة أن يواجه رجلاً وحيداً، لا يملك غير كاميرا موبايل، استطاع من خلالها جذب ملايين المصريين إليه وتصديق كلامه، فتناقلوا فيديوهاته عبر صفحات التواصل الاجتماعي، مما زاد من انتشارها فتناقلتها كل وسائل الإعلام العالمية..

وبعد فشل منظومة الإعلام كاملة في التصدي لمحمد علي، تفتقذهن النظام بعمل “مؤتمر الشباب”، والذي كان مقررا له في شهر كانون الأول/ ديسمبر، ليظهر السيسي ويرد بنفسه، رغم أنه قال إن “الأجهزة الأمنية طلبت مني وباست إيدي أني متكلمشي في الموضوع ده”.. وليته سمع كلامهم، فلقد كانوا حقاً مخلصين في نصيحتهم! فلقد ظهر متوتراً ومرتبكاً ومكفهراً، يكسو وجهه السواد من الذعر، ويتوسل للشعب والجيش ألا يفقدا الثقة فيه، قائلاً: “إن هز ثقةالجيش في القائد الأعلى شيء خطير”. ومن أطرف ما قاله: “مش معنى أن حد يقول معلومات صحيحة إنكوا تصدقوه”!!

كانت فكرة الرد بنفسه على اتهامات “محمد علي” بهذه الطريقة غير صائبة على الإطلاق، وجاءت نتائجها في غير صالحه، إذ جعلته والمقاول “محمد على” على قدم المساواة وفي وضع الندية

وعاتب الشباب لأنهم تناقلوا تلك الفيديوهات، وأخذ يؤكد بلسان فيه مسكنة ورجاء أن يصدقوه، وأنه رجل شريف وصادق وأمين ومخلص، وهو أسلوبه الدرامي الذي يلجأ إليه في أوقات أزماته، وهو أسلوب لم يعد ينطلي على أحد بعد أن اتضح زيف ادعاءاته.. ولكن الأهم أنه لم يستطع أن ينفي واقعة مما ذكرها محمد علي، بما في ذلك واقعة مقبرة والدته، واعترف ببناء القصور، بل أضاف وكأنه يتحدى: “وسأبني قصوراً أخرى”؛ لأنه يبني دولة مصر الجديدة، وكأن بناء دولة جديدة في مفهومه يتطلب بناء المزيد من القصور الرئاسية في بلد يعيش على الديون والهبات والمعونات، وهذه كارثة في حد ذاتها، وهو القائل سابقاً “ما حدش قالكم إنكم فقرا، لا انتم فقرا فقرا قوى قوى”. أيضا من مأثوراته: “إحنا في دايرة العوز”، “ولو أنفع أتباع لاتباع”، “وما فيش وما عنديش”، لكن في وعنده لبناء القصور!!

لقد كانت فكرة الرد بنفسه على اتهامات “محمد علي” بهذه الطريقة غير صائبة على الإطلاق، وجاءت نتائجها في غير صالحه، إذ جعلته والمقاول “محمد علي” على قدم المساواة وفي وضع الندية، وإن تبدلت الأدوار فأصبح الممثل سياسياً وأصبح السياسي ممثلاً، مما أفقده هيبة منصب الرئيس..

وللموضوع بقية الأسبوع المقبل بإذن الله.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

هاني بشر يكتب: المعارضة المصرية والأمن القومي

الأمن القومي هو الجهاز العصبي لأي دولة، وباختلاله تتعطل كثير من الوظائف الحيوية لهذا الجسد، ...