فاطمة رؤوف تكتب: التربية في عالم المواطنة الرقمي

أصبحت التقنيات الرقمية تمثل الآن عاملا أساسيا من ضروريات الحياة الحديثة، خصوصا بعد ظهور الهواتف الذكية التي أقرب ما تكون إلى الكمبيوتر الشخصي، فلم تعد تلك التقنية قاصرة على المجتمعات المتقدمة، أو الفئة الأوفر حظا من التعليم فحسب، بل شاع استخدامها بشكل مفرط، لدى الغالبية من سكان العالم.

يفسر الخبراء أن السبب وراء هذا التعلّق الزائد عن الحد بالأجهزة؛ كثرة المهام التي يقوم بها معظم الأشخاص بالاعتماد على تكنولوجيا الاتصال الرقمي، ولكن أيضا ثمة علاقة من نوع خاص، تنشأ بين الأجهزة الرقمية والمستخدمين، تجعلهم يتعاملون معها وكأن لها مشاعر، ويفضلونها أحيانا على العلاقات الاجتماعية الحقيقية، وهذا يفسر مقولة الفيلسوف الإنكليزي “كريستوفر بوتر”: لم يكن البشر قط جزءا من الطبيعة، بل كانوا دوما جزءا من التكنولوجيا.

نوموفوبيا والأضرار اللاحقة:

اختار قاموس كامبريدج البريطاني الشهير مصطلح “نوموفوبيا”؛ الذي يطلق على حالة الخوف الشديد من فقدان الهواتف الذكية، أو “قلق البعد عن الهاتف”، وهي أحد أنواع الرهاب أو الفوبيا، التي تحدث بسبب عدم القدرة على إجراء الاتصالات الهاتفية أو إرسال الرسائل النصية، عبر التطبيقات المتعددة.

لقد لعبت الأجهزة التكنولوجية الرقمية دورا هاما في تطوير أساليب التعليم، والتواصل ما بين الطلاب أنفسهم والمعلمين أيضا. فمع وجود الكم الهائل من المعلومات على شبكة الإنترنت، وسهولة الوصول إليها، أصبحت آليات التعليم أكثر سهولة وتوافرا للطلاب حول العالم. ولذا وجب التطرق للحديث عن أهم الأضرار التي يمكن تجنبها من خلال ترشيد استخدامها، وأهمها:

الفشل الدراسي:

الكثير من الدراسات أشارت إلى أن ما يقرب من 80 في المئة من المراهقين الأمريكيين، ينامون وهواتفهم الذكية بجانبهم على الفراش، خصوصا الذين يستخدمون الرسائل النصية باستمرار، ويسهرون حتى ساعات متأخرة، ولا ينالون قسطا كافيا من النوم، جراء الكتابة والإثارة الدماغية، فتنخفض جودة النوم بشكل هائل، وتتضاءل القدرة على التركيز والاستيعاب، وتتدنى قدراتهم الإدراكية التي تمثل العامل الرئيسي في تدهور العملية التعليمية.

المراقب للعديد من المراهقين، يلاحظ أيضا تدني مستوى القراءة والكتابة عند الطلاب، وبحسب ما جاء في استطلاع للرأي أجري في بريطانيا؛ لتدوين أثر “إدمان” الدارسين على مواقع التواصل الاجتماعي، لا سيما “فيسبوك”، جاءت النتيجة كاشفة، فيرى 70 في المئة من مديري المدارس أن تلك المواقع تشكل ضررا بالغا على مستوى التحصيل العلمي، وأن المراهقين لم يعودوا يرغبون بمطالعة الكتب الدراسية وغيرها، أضف إلى ذلك أن الرسائل عبر الإنترنت تسبب تأخرا في مهارات التحدث والتعلم بشكل كبير، مما يؤثر سلبا على قدراتهم اللغوية والنطق بشكل سليم، وعلى مهارات التواصل الواقعي الإيجابي.

مرض متلازمة ضعف التركيز والإفراط في الحركة (ADHS)

نشر علماء من جامعة “كاليفورنيا الجنوبية” في كانون الثاني/ يناير عام 2018؛ أن الطفل الذي يستخدم الأجهزة الرقمية بإفراط، يقع تحت “تضاعف” إصابته بأعراض مرض “اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط”، المرض الذي يمثل التحدي الأخطر في ممارسة العملية التعليمية، لعدم قدرة الطفل على التركيز بنسبة تتخطى 60 في المئة، بل يتعدى أثره على بقية زملائه، ولا تتحقق الفائدة المرجوة من اكتمال تدريس المحتوي التعليمي بالمؤسسات التربوية المختلفة؛ بسبب فرط الحركة والتشويش الدماغي الذي يعرقل التعلم بشكل أساسي، ما يضاعف الجهود النفسية والمادية لتلك المؤسسات. ولذا، تعمل على فصل هؤلاء التلاميذ “المرضى” عن بقية زملائهم؛ إما في فصول خاصة ملحقة، أو تسجيلهم الإجباري بمدارس متخصصة للمعالجة النفسية والسلوكية، تحت إشراف أطباء معتمدين، مما يمثل عبئا إضافيا يكرس من أهمية إيجاد حلول ناجعة، للتخفيف من آثارها السلبية على العوائل والمؤسسات على حد سواء. هذه الصلة كانت تتضح للعلماء أكثر فأكثر أثناء متابعتهم لنحو 2600 طفل ومراهق لعامين كاملين.

العزلة الاجتماعية:

أتاح ازدياد وتعدد الوسائل الرقمية الحديثة؛ التحول من تجمع الأفراد داخل الأسرة وخارجها، في مكان واحد داخل البيت لمشاهدة التلفاز، أو الذهاب سويا لدور العرض السينمائي، إلى التشتيت بالمتابعة الفردية.

أضف إلى ذلك زيادة انتشار ألعاب الفيديو، وغيرها داخل المنازل؛ وهي وسائل تعتمد بالأساس على الاستخدام الفردي، ومن ثم منهجت العزلة؛ التي أراها على “قمة هرم” التبعات المدمرة لاستخدام الهواتف الذكية بشكل مفرط، يضطر فيها الفرد لقضاء أوقاتا طويلة، دون الشعور الفعلي بانقضائها.

لم يعد الطفل “تربية أبويه”:

يجب الانتباه إلى أن حجم التأثير الكبير والعميق، وسرعة التغيير الذي تحدثه الوسائل التقنية المعاصرة، ليس في مستوى التدين والسلوك والمفهومات فحسب، بل أيضا في تدهور الذوق العام للشباب والفتيات، والمحاكاة لمجتمعات تختلف كليا عن موروثنا القيمي. فمحاولات التغريب كانت تسير قديما ببطء شديد، فلم يكن دعاة التغريب يحلمون بحدوث التغيير إلا بعد أجيال عدة؛ أصبحت مكاسبهم أكبر كثيرا مما كان يحلمون به.

فالتغيير في الأخلاق والمفاهيم يحدث الآن عبر جيل واحد مرة أو مرتين، بعد أن كان يمر عبر أجيال!

أدي هذا التغيير السريع، والتأثير الفوضوي الكبير، إلى إخفاق العملية التربوية في المجتمع، وسبب الإرباك والتهدم لدرجة العجز والتكلس أمام مشاكل مستحدثة كثيرة، وتفسخت الروابط الأصيلة بين الأجيال بشكل هائل، حتى فقد الوالدان القدرة الكلية على التفاهم مع الأبناء في أحيان كثيرة، وتشتت جهودهم في إيجاد نوع التوجيه المناسب، بل قد لا يجدان الوقت لممارسة التوجيه والتربية سواء بالمواقف أو الأقوال، ليس لانشغالهما؛ ولكن لأن الأولاد لم يعد لديهم الوقت ولا الرغبة للاستماع، لولعهم الدائم بالإنترنت وتطبيقاته التي تبتلع الوقت بشراهة.

تكريس الثقافة الغربية ونزع الهوية الإسلامية:

هذه الوسائل وما يتطور عنها؛ وظفها الغرب و”التابعون لهم في مجتمعاتنا” لتحقيق مآربهم المادية واستعلائهم الثقافي، والسيطرة على الأجيال المستقبلية وتهميش هويتها، ولقد حققوا في ذلك تقدما عظيما. ومما زاد الطين بلة غياب أو ضعف الرقابة الفعالة، سواء على مستوى الهيئات الرسمية، أو على مستوى الآباء والأمهات في الأسرة، وعدم أخذ الحيطة والحذر في تحمل المسؤولية الدينية والتربوية والثقافية، فأصبحت الكلمة الأولى والأخيرة في التربية لمن يسيطر على مضمون وتوجيه تلك الوسائل.

غالبا ما يري الإنسان الغربي أنه الأقوى والأذكى والأولى بالاتباع، وانطلاقا من هذه النظرة فإنه يعمل جاهدا على نشر هذا الأنموذج وتعميمه، فباتت الاجيال الجديدة لا يرون أنموذجا غيره، وأصبح طمس الهوية العربية والإسلامية ممنهجا بعدة طرق؛ بدءا من الأطروحات الإعلامية، والتطبيقات والألعاب، والمشفرات والرقميات والممغنطات والمواقع الإباحية والشات، ولا تنتهي بألعاب الفيديو؛ فكلها سيل جارف يقتحم البيوت والقلوب في ظل شبه غياب للبديل الإسلامي، وإن وجد فهو محدود.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

محمد كريشان يكتب: الضرب للسعودية و«التفلسف» للإمارات!

«تبرير الهجوم الإرهابي وغير المسبوق على منشآت أرامكو من باب تطورات حرب اليمن مرفوض تماما، ...