حسين عبد العزيز يكتب: سوريا.. نهاية الدولة والمجتمع

مع تسلم حزب البعث السلطة في سوريا، بدأ ـ متأثرا بالأيديولوجية الاشتراكية ـ بنقل التجارب الشيوعية المتنوعة في الاتحاد السوفييتي والصين وكوريا الشمالية.

لم تكن الطلائع والشبيبة في سوريا واتحاد الطلبة ثم مبادئ حزب العبث (وحدة، الحرية، اشتراكية)، سوى أدوات لنشر أيديولوجيا شمولية تشمل المجتمع كافة وتخترقه بحيث تحوله إلى أداة طيعة خالية من أي محتوى فكري.

إن تعميم أيديولوجيا معينة لأي نظام حكم، تسهل عملية السيطرة، فالأيديولوجية، سواء كانت دينية أو سياسية تدغدغ المشاعر وتجمد الفكر.

الشمولية والديكتاتورية

تذهب الفيلسوفة الألمانية هنا أرندت إلى أن الشمولية كنظام سياسي يعتبر شكلا جديدا يختلف جذريا عن النظم وأشكال الحكم التي عرفتها البشرية، ولا يمكن اختزاله بالطغيان، فالنظام الشمولي يعتمد على ما تسميه القانون الطبيعي الذي حل محل القانون الوضعي.

بهذا المعنى، فإن أي نظام شمولي لا بد أن يكون نظاما ديكتاتوريا بالضرورة، لأنه يجعل المجتمع مجتمعا عضويا متماسكا بالقوة، لا مكان فيه للأفراد والجماعات المخالفة لسردية السلطة.

ولهذا يرى الفيلسوف الألماني كارل بوبر في مؤلفيه “بؤس التاريخانية” و “المجتمع المفتوح وأعداؤه”، أن المدخل الرئيس لدراسة الشمولية هو مدخل تاريخي ينتمي إلى فلسفة التاريخ، وهذا الذي جعله يفند الأسس الأيديولوجية ـ التاريخية للشمولية، كما فعل المفكر النمساوي فريدريك هايك في كتابه “نحو العبودية أو الطريق إلى الرق” حين أرجع جذور الشمولية إلى الأيديولوجيات التي تهمها الجماعة أكثر من الفرد، وفي مقدمتها الاشتراكية التي طالما حاول إظهار تأثير جناحها اليميني المتمثل بالنازيين والجناح اليساري المتمثل بالستالينية.

الشمولية نوع من الفكر السياسي يقوم على المطلق، من خلال نظام سياسي ونظرية فلسفية وأيديولوجية تعمل على صهر الحياة العامة في مختلف جوانبها الدينية ضمن بوتقة أحادية للسلطة.

وفي تحليلها لأسباب الانصياع الاجتماعي تعتقد أرندت أن ظاهرة الشمولية تنشأ في مجتمعات لم تعرف الاندماج في أية منظمة أو تنظيم مؤسس على المصالح المشتركة (أحزاب سياسية، مجالس بلدية، منظمات مهنية أو نقابية).

لم يعد معيار الحزب الوحيد وجيها مادام مشتركا بين الأنظمة الكليانية والاستبدادية، من دون أن تأخذ الأحادية الحزبية المعنى نفسه

والفرق الرئيسي بين النظامين لا يعود إلى حدة الرعب البوليسي الممارس، فهناك اتجاهات كليانية إرهابية (ألمانيا النازية، روسيا ستالين، الصين لمدة طويلة)، واتجاهات كليانية أقل خطورة (إيطاليا الفاشية، روسيا في عهد أندربوف وبريجينيف).

وبالشكل نفسه يمكن لبعض النزعات الاستبدادية أن تستخدم عنفا شديدا ومنظما (الفرنكونية في بداياتها، وديكتاتورية غواتيمالا في الثمانينيات، والأرجنتين مع جنرالاتها، وإيران الخميني)، في حين تلجأ نزعات استبدادية أخرى إلى قمع أقل (النظام العسكري البرازيلي عام 1964).

وعليه لم يعد معيار الحزب الوحيد وجيها مادام مشتركا بين الأنظمة الكليانية والاستبدادية، من دون أن تأخذ الأحادية الحزبية المعنى نفسه في الحالتين.

لهذا توجد التمييزات الحاسمة على مستويات أخرى، وهي تهم أولا العلاقة بين الدولة / السلطة والمجتمع، والتي ظلت متمايزة بأشكال مختلفة داخل الوضعيات الاستبدادية، في حين لم تتضح معالمها في الوضعيات الكليانية المكتملة، فالكليانية تقصي التعبير عن التعددية الاجتماعية، لأنها تريد تجاوز الحواجز الطبقية أو الاختلافات العرقية والثقافية.

النظام السوري

في المجتمعات ما قبل الحديثة كان الملك يجسد المعرفة والمشروعية والسلطة، لكن في زمن الحداثة ومع انتهاء الملكية المطلقة، فإن اليقين المطلق صار في نهايته، وقد وفرت إزاحة ذلك السيد شروط إمكانية وجود الديمقراطية، حيث يمكن أن تناقش الحقيقة والسلطة والقيمة.

لكن هذه الحداثة، لمن تمنع من نشوء المذهب الكلي ـ الاستبدادي، أي محاولة الاشغال الكامل للمركز مع رؤية لما هو حقيقي وخير للشعب.

في زمن الحداثة ومع انتهاء الملكية المطلقة، فإن اليقين المطلق صار في نهايته

جمعت مرحلة حافظ الأسد بين الشمولية والديكتاتورية لا بالمعنى التحديثي الذي عرفته التجربتان السوفيتية والنازية، وإنما بالمعنى التسلطي الذي تتمكن من خلاله السلطة السيطرة على كافة مناحي الحياة بما فيها الثقافية والاقتصادية، ففي ظل حكم البعث كانت المصالح السياسية والاجتماعية هي التي تتحكم بالسياسات الاقتصادية.

وكأي نظام شمولي تلعب فيه العصبية دورا في حماية الأنظمة، شكلت العصبية العلوية دورا رئيسا في حماية النظام بحيث أصبح قلب السلطة علوي، وليس صدفة أن يتولى ضباط علويون أهم المناصب العسكرية القادرة على إحداث الفرق.

وكانت أفكار حزب البعث الأداة الأيديولوجية للهيمنة، لأن الأفكار السائدة تحافظ على تماسك الوحدة المتوازنة المؤلفة من الدولة والمجتمع والتي تشكل نمطا تاريخيا معينا للمبنى الفوقي، يقول عزمي بشارة.

إن الأفراد المؤيدين يطلقون حكما مسبقا في شرعية النظام الحاكم دون أن يتساءلوا عما إذا كانت الدولة أو الحكومة شرعية، لأن القواعد التي من خلالها يقيمون حالة الطبيعة يمكن أن تكون متعددة وترجع إلى تراتبية قيم مختلفة بل حتى متناقضة.

وإذا كانت مرحلة حافظ الأسد قد جمعت بين الشمولية والديكتاتورية، فإن مرحلة الأسد الإبن اختلفت كليا، فقد تراجعت الأيديولوجيا في خطاب السلطة وتراجعت دولة الاشتراكية ذات التخطيط المركزي، مع الإبقاء على هيمنة سلطوية مركزة سرعان ما وجدت في رجال أعمال محدثين فرصة للتزاوج نشأ على أثرها أوليغارشية سياسية / اقتصادية راكمت في رأس المال المالي والسياسي على حساب المجتمع ومؤسسات “الدولة”.

ومع انطلاق الثورة السورية اختفى ما تبقى من إرث “الدولة” الهجين، وكشفت السلطة عن أنيابها، فالمطلوب تحويل الحراك المدني / السياسي إلى حراك عسكري / ميليشياوي، وتتطلب الأمر التحالف مع رعاع المجتمع ودهمائه، مع ما يعني ذلك من تفاقم ظاهرة تجسس الناس على بعضهم لإرضاء النظام، وهي أحد أهم صفات هذا النوع من الأنظمة يقول العالمان الأمريكيان كارل فريدريك وزبغنيو بريجنسكي.

إذا كانت مرحلة حافظ الأسد قد جمعت بين الشمولية والديكتاتورية، فإن مرحلة الأسد الإبن اختلفت كليا، فقد تراجعت الأيديولوجيا في خطاب السلطة وتراجعت دولة الاشتراكية ذات التخطيط المركزي، مع الإبقاء على هيمنة سلطوية مركزة

إن تكلفة بقاء النظام على قيد الحياة، تكلفة كبيرة على صعيد رأس المال الاجتماعي، فلا يوجد اليوم في سوريا دولة حتى بالمعنى القروسطي الذي عرفته أوروبا قبل الحداثة، فما يوجد هو سلطة خالية من أية غايات عامة، كما لا يوجد في سوريا اليوم مجتمع ولا شعب، إنما جماهير أو تجمعات بشرية تبحث عن مصالحها الخاصة.. إنها مرحلة تاريخية، لا يمكن وصفها إلا بأنها مرحلة انعدام التاريخ أو التاريخ السلبي الذي لا يقود إلى المطلق بحسب هيغل.

كاتب وإعلامي سوري

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

محمد كريشان يكتب: الضرب للسعودية و«التفلسف» للإمارات!

«تبرير الهجوم الإرهابي وغير المسبوق على منشآت أرامكو من باب تطورات حرب اليمن مرفوض تماما، ...