عبد الرحمن أبو ذكري يكتب: الإنسان بين المادية والإسلام

يوجد خلل جوهري في معادلة مالك بن نبي (الإنسان والتراب والوقت)، وفي فهم جمهور قرائه لها ومبالغتهم في أهميتها. فهي معادلة ماديَّة محضة قد يجوز التغاضي عنها في حقب الترف والانحدار (في بيئات الشرك)؛ ذلك أنها تُكرِّس صيرورة بناء عالم الأشياء الماديَّة بوصفه ذروة الوجود البشري واكتمال تحقُّقه داخل التاريخ. هذه المعادلة تتعامل ـ ضمنا ـ مع الإنسان من منظورٍ إمبريالي، بوصفه “مكوِّنا” أو “موردا” ماديّا يُمكن “صياغته” و”تشكيله” وتوظيفه لحساب القائم بترشيد الواقع؛ إذ تسجنه في إطار الزمان والمكان (التراب والوقت).

ورغم أنها قد تَصِحُّ في سياق “توظيف” المكوِّن المادي للإنسان، إن قبلنا بذلك جدلا؛ إلا أن اطرادها المادي يبدو أكثر قابليَّة للتحقُّق بانتكاس الفطرة وارتكاسها إلى الجاهليَّة، وهو ما يتجلى في السياق النيوليبرالي المخيف الذي ينهش مجتمعاتنا “المسلمة” بهمَّة منذ بضعة عقود.

إن الإنسان (المسلم) لم يخلق ليصنع الأشياء ويتفنَّن فيها، بل خلق ليعرف ربه ويفتح الطريق أمام إخوانه في الإنسانية لمعرفة ربهم الحق

صحيح أن الإنسان كائن تاريخاني، إلا أنه لم يُسجَن في الزمان والمكان كما يُخبرنا الوحي الإلهي، بل جُعِلَ مناط تكليفه هو تجاوزه حواجز الزمان والمكان (التراب والوقت) إلى استشراف ما وراءهما. تجاوزه جوانيّا لحواجزهما بغير أن يتجاوزهما بنفسه بالضرورة.

فإذا كانت معادلة ابن نبي الشهيرة، التي استلهم فيها فلسفات عصر الاستنارة وما بعدها، وسعى لأسلمتها؛ إذا كانت هذه المعادلة المبتذلة مُقحمة على السياق التوحيدي، فما هي “معادلة” السياق التوحيدي إن كان ثمة؟! ولم خُلق الإنسان؟!

حقيقة الأمر أن القرآن لا يتعامل مع الوجود الإنساني من خلال “المعادلات”؛ فالأخيرة لا تصدر إلا عن رؤية ماديَّة آليَّة، وضعيَّة بطبيعتها. إنما يتعامل القرآن مع الإنسان من خلال المتتاليات التي يستلزم إدراكها طول الصحبة خلال صيرورة الكبد داخل التاريخ، وإخلاص السعي في التحقُّق بهذا الكبد. وهما شرطان لازمان للتحقُّق الإنساني داخل التاريخ من خلال الاستخلاف.

وثمة متتالية قُرآنية قد تُجيب على التساؤل السابق؛ لكنها لا تجيب بالتفصيل، كما هي طبيعة المنهج القرآني؛ بل تجيب من خلال إرشاد لمعالم معينة على طريق العروج إلى الله بالكبد، باعتباره السبيل الوحيد للتحقق الإنساني: الكتاب والحديد والميزان.

هذه المتتالية القرآنية لا تُهمل الإنسان بطبيعة الحال، لكنها لا تؤلهه بوضعه في المركز، ولا تعبِّدُه للعبيد باختزاله إلى “مورد” مادي رخيص! بل هي تفترض فيه الفاعل الأصلي المكلَّف طوال المتتالية، وتمنحه مجالا للاجتهاد في تحقيقها والتحقُّق بها. فالمتتالية ذاتها لا تتحقَّق إلا داخل التاريخ المتعين، وفي مكان متعين، وبواسطة إنسان متعين، وهو ما يعني إنزال الشق المادي منزلته بغير إفراط ولا تفريط. وبغير فرضه بمعادلة لها سمت الحتميَّات الماديَّة، لتطرد بها أنساق مادية تخرج بها من نطاق فعاليتها إلى وضعها في المركز.

يتعامل القرآن مع الإنسان من خلال المتتاليات التي يستلزم إدراكها طول الصحبة خلال صيرورة الكبد داخل التاريخ، وإخلاص السعي في التحقُّق بهذا الكبد

إن الكتاب والحديد والميزان مُتتالية تفترض أولويَّة الكتاب في روع المستخلف وسعيه للتحقُّق به ومن خلاله، وديمومة هذه الأولويَّة والسعي بها داخل التاريخ لاستقامة اطراد النسق التوحيدي. ثم تليها أولويَّة الحديد، أي القوَّة الماديَّة التي توظَّف لإزالة الإكراه عن إرادة الإنسانية، كل الإنسانية؛ في زمان المستخلف وفي كل مكان يستطيع الوصول إليه بهذه القوة. ومن ثم، ففي هذه المرحلة من المتتالية؛ تُسقط مركزيَّة المكان، فلا قيمة له ولا قداسة إلا كقاعدة انطلاق داخل الزمان: انطلاق متحرر من أسر المكان.

أما المرحلة الثالثة في المتتالية: الميزان؛ فإنها تقتضي إقامة ميزان العدل على مقتضى الكتاب (الإلهي المتجاوز للتاريخ) في المكان المتعين، وهي تُحرِّر الميزان من القيد الوضعي للزمان بإعادته للتحاكُم للوحي الإلهي المتجاوز للتاريخ والزمان، وإن ألزمته بالمكان المتعين كما في تغيُّر الفتوى بتغيُّر البُلدان.

لهذا خُلِقَ الإنسان، كما يُخبرنا الوحي في غير موضع؛ وبهذا يمكن فهم الآي الكريمات مثل: “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”، “قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين”، وغيرها الكثير.

قد يبني الإنسان الحضارة المادية في طريق عروجه من خلال المتتالية التوحيدية، وهذا طبيعي ولا غبار عليه. لكنه حين يخلد إلى الأرض، ويعدّ أن مهمته الأساسيَّة هي صناعة الحضارة المادية، واتخاذ المصانع والمعابد والمدن الضخمة؛ فإنه يكون قد ضلَّ الطريق وانحرف عن الغاية المرسومة.

إن الإنسان (المسلم) لم يخلق ليصنع الأشياء ويتفنَّن فيها، بل خلق ليعرف ربه ويفتح الطريق أمام إخوانه في الإنسانية لمعرفة ربهم الحق، فإذا احتاج للأدوات والأشياء التي تُيسِّر له مهمَّته؛ فليفعل واعيا بأن التمركز حولها واعتبارها مهمته وهدف وجوده، هو شرك بيِّن. نعوذ بالله من الشرك ما ظهر منه وما بطن.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

جلال الورغي يكتب: فشل الإسلام السياسي.. حقيقة سياسية أم مخاتلة استئصالية؟

منذ صدور كتاب المفكر الفرنسي الخبير في شؤون الحركات الإسلامية أوليفييه روي “فشل الإسلام السياسي” ...