جمال الجمل يكتب: بلد في حذاء ضيق

(افتح بنموت)

عندما أقول لكم إنني متعب، وحزين، وخائف، وأشعر بالقلق، فإن هذا لا يعني أن لدي مشكلة شخصية، وعندما أكرر الشكوى، فهذا يعني أنني “أستغيث” من خطر أراه ولا أقدر على مواجهته وحدي.

لكن، ماذا إذا استمرت صرخات الاستغاثة من دون أن تهتم الجموع المنصرفة، أو المنخرطة في التلاسن والعراك، أو الكارهة، أو المنكفئة على لهوها؟ّ!

يجب أن نخاف على مصير مصر، لأننا أصبحنا نسمع كثيرا أصوات استغاثتها المتكررة وهي ترفض التشيؤ والتسليع والحذاء الضيق.

سأحكي لكم في هذا المقال حكاية رمزية عن جريرة إهمال الاستغاثة، وأقول “رمزية”، لأنها ليست حكاية شخص بذاته كسعاد حسني، ولا حكاية حادثة بعينها كغرق ألف مصري مع باخرة “السلام”، لكن حكاية العلاقة بين الاستغاثة والاستجابة في كل شيء.. كل شيء

(1)

لما “انتحرت” سعاد حسني، وأقول انتحرت لأنني استغرفت وقتا طويلا في دراسة حالتها قبل الرحيل بأكثر من عامين، ونشرت جانبا كبيرا من هذه الدراسة في حلقات مطولة قبل الرحيل، ونشرت القليل بعد الرحيل، والبقية لاتزال ضمن مشروعات الكتابة المؤجلة، كنت مشغولا برصد تأثير المتناقضات الثنائية على تفكير الإنسان وحياته، مثل: صراع الأصل والصورة/ التكلفة النفسية للاعتزال بعد الضوء/ خصام الأمل والواقع/ الصدام بين رغبات الذات وقسوة الظرف الموضوعي.

كل منتحر لا يقصد الموت أبدا، بل يفعل ذلك لتعلقه الشديد بالحياة، لكنه يطلب حياة ليست هي الحياة التي يعيشها

في أثناء البحث، توقفت بالتفكير في حالة جريتا جاربو المعروفة بمتلازمة (ج.ج)، كنت حينها في فترة اعتزال طويلة، فشعرت بخوف غامض من أن تصيبني لعنة الاختفاء المفاجئ (فأنا أيضا ج.ج)، لذلك اندفعت أكثر لدراسة أسرار ودوافع وتأثيرات “الانزواء” و”انتهاء الدور”، سواء حدث ذلك فجأة كما في حالة جاربو، أو بالتعذيب البطيء كما في حالة سعاد حسني، أو بالهزيمة كما في حالة مصر!

(2)

لما “انتحرت” سعاد حسني، وأقول انتحرت لأن زوزو كان لا بد أن تنحر ذلك الشبح البدين الذي يهدد صورة السندريلا، وقد حاولت الاستغاثة مرارا من هذا الشبح، لكن أحدا لم يهتم بنجدتها، فالأغلبية لا تهتم بمعاناة أحد، الكل يريد السندريلا نضرة طازجة خالية من الشكوى وملفوفة بورق سيلوفان حتى مائدته، لتقدم له المتعة على الشاشات، فالزبون بحكم العادة لا يهتم بمعاناة السلعة، وبالمناسبة هذا المثال يفتح لمن يهتم بابا للتفكير في جريمة تسليع الإنسان والقيم والأوطان، لأن الإنسان قد يتحرك لنجدة إنسان، لكنه أبدا لا يتحرك لنجدة ساندوتش، وهو الخطر الذي حذر منه أريك فروم وإيناسيو رامونيه وأعداء سياسات التسليع والتشيؤ، أي تحويل الإنسان والأخلاق إلى سلع وأشياء.

(3)

لما “انتحرت” سعاد حسني، وأقول انتحرت لأنها كانت تعاني من أعباء يصعب عليها احتمالها وحدها، ولما استغاثت لم تُغث، وقد وجدت في إحدى الدراسات الفرنسية الكثير من التفاصيل عن تفاعل هذه اللحظة في نفسية الشخص الذي يصل إلى الانتحار، واهتمت الدراسة بالسلوكيات التي تسبق الإقدام على هذا الفعل غير المنطقي (فعل التخلص من الحياة)، وأكدت أن كل منتحر لا يقصد الموت أبدا، بل يفعل ذلك لتعلقه الشديد بالحياة، لكنه يطلب حياة ليست هي الحياة التي يعيشها، لذلك يصرخ في المجتمع: أنا مخنوق.. أنا تعبان، أنا لا ارغب في هذه الحياة (بالذات) لأنها تؤلمه مثل الحذاء الضيق، لذلك يريد أن يخلعه ويتنازل عنه، لا ليمشي حافيا، بل ليحصل على حذاء مناسب ومريح.

لا يصح أن نعدّ الانتحار يأسا، بل إصرار على رفض الوضع المؤلم والبحث المستحيل عن فرصة لم يعد بالإمكان وجودها في الواقع المتاح

وقالت الدراسة إن لحظة الانتحار العجيبة لا يمكن فهمها دون فهم حجم المعاناة من ألم الحذاء الضيق (الحياة الضيقة)، ودون إدانة البلداء الذين تجاهلوا استغاثة ذلك الشخص الذي يعاني، والذي ظل يعلن عن معاناته، بينما الكبار القادرون على تعديل الوضع المؤلم لم يفعلوا من أجله شيئا، لذلك لا يصح أن نعدّ الانتحار يأسا، بل إصرار على رفض الوضع المؤلم والبحث المستحيل عن فرصة لم يعد بالإمكان وجودها في الواقع المتاح، لأن لحظة الانتحار المحيرة تعد من اللحظات النادرة التي يجتمع فيها اليأس مع الأمل مع الإرادة”!! “اليأس” من واقع متبلد لا يستجيب برغم تكرار الاستغاثة، “الأمل” في الحصول على حياة أفضل خارج هذا الواقع سواء في الميتافيزيقا أو المستحيل، والإرادة في تنفيذ قرار بهذه الخطورة لا يجرؤ على تنفيذه إنسان بإرادة طبيعية!

(4)

لما “انتحرت” سعاد حسني، وأقول انتحرت لأنها وصلت إلى الدرجة الأخيرة في سلم الاستغاثة، ووقفت وحيدة حائرة عاجزة في تلك البقعة المخيفة عند خط النهاية، حيث لا أحد هناك، ولا أحد من العالم القديم يهتم بما أنت فيه وعليه، في هذه اللحظة لا تفكر أبدا في العودة إلى أسفل هابطا السلم لتقابل ما رأته من قبل ورفضته. في هذه اللحظة النادرة، تتخذ القرار المستحيل بالاستمرار في الصعود بلا حاجة لدرجات السلم، وعندما تشعر بأن جسدك يقيدك ويرتبط بشروط الواقع، تطوح به في الهواء وتحتفظ بروحك بعد أن تنتزعها من الجسد العاجز الثقيل لتصبح خفيفة حرة قادرة على الطيران، ربما لم تسمع سعاد حسني عن طيران أروى صالح قبلها من النافذة، لكن غالب الظن أنها تعرفت على هذه النهاية من الصراع الانشطاري الذي جسدته بين ميرفت وناهد في “بئر الحرمان”، ونفذت ذلك بالفعل في طيران نوال الكابوسي عبر النافذة فيلم “موعد على العشاء”، وكأن سعاد كانت تحوم حول هذه النهاية كثيرا، واستغاثت منها كثيرا، ولما لم تجد بديلا جربت البديل المستحيل.

(5)

لما “انتحرت” سعاد حسني، وأقول انتحرت لأنها فقدت بهجتها، وفقدت أملها في يوم جديد تظهر فيه بصورتها التي ترضاها، وكنت في رحلة البحث قد التقيت بطبيب نفسي حقق دراسته العلمية في حالات الناجين من الانتحار، وهو الدكتور المتميز تامر جويلي، وكانت المفارقة أن عيادته في العمارة نفسها التي عاشت فيها السندريلا الأولى للعرب “ليلى مراد”، المصابة الأولى بمتلازمة (ج.ج) وصاحبة الاعتزال الأطول والأكمل، وحدثني الدكتور جويلي عن الانتحار كخلل كيميائي في المخ، ولم يعجبني الحديث حتى وصل إلى “السيروتونين”، وفهمت أنه هرمون خطير يمكن تسميته “هرمون المزاج”، أو “مايسترو السعادة”، وأي خلل فيه يؤدي إلى تغير كبير في السلوك مصحوب بقلق واغتراب، وأحيانا ميول عنيفة ومشاكل في النوم، واضطراب في الذاكرة والقدرة على التواصل مع الناس أو تعلم الجديد، ثم اكتئاب يصل إلى الانتحار، ومن ثم فإن الانتحار قد يبدأ بمشاكل عادية، ومع استمرارها وعجز الإنسان عن حلها وعدم تعاون الناس معه أو إغاثته، تتحول “الحالة النفسية” إلى خلل عضوي في الناقل العصبي الخطير (السيروتونين)، الذي يتحكم في المزاج والشهية والنظرة للعالم، وبعد استنفاد رصيد الاستغاثة، يأتي قرار الخلاص كصرخة احتجاج ضد إهمال العالم المتبلد.

(6)

لما “انتحرت” سعاد حسني، وأقول انتحرت لأنها كانت تفعل ذلك لوقت طويل، ولم نكن نهتم أو نشعر بذلك، سعاد استهلكت صحتها وعمرها سريعا كأنها تريد الانتهاء من التعب سريعا، كأنها تسعى للخلاص من شبح يطاردها، ربما بعد انفطار قلبها في علاقتها بعبد الحليم حافظ، وربما بعد خدغة المخابرات الخسيسة التي كسرتها من الداخل، وربما قبل ذلك بكثير في طفولتها الممزقة، لكن سعاد ليست الموضوع، وليست الانتحار، وليست الانكسار، سعاد كانت واحدة فقط في بلد كبير، لكنها بحكم تجربتها ومهنتها كانت تمثلنا بصدق، وربما ذهبت من غير أن تعرف أن البلدان تنتحر أيضا.

(7)

لما “انتحرت” سعاد، وأقول انتحرت لأنها فقدت الزمن، ولم يعد لديها فرصة للغناء وللعب، أما نحن فلدينا بعض الوقت، لذلك يمكننا أن نلعب هذه اللعبة:

احذف اسم سعاد من المقال، ضع مكانه اسم عبد الحميد شتا، أو نجيب سرور، أو هشام عشماوي، أو علي سالم، أو جمال حمدان، أو يحيى القزاز، أو سامي عنان، أو هشام جنينة، أو أحمد محيي، أو اسمك، أو اسمي أنا، وإذا أعجبتك اللعبة فكر بالجملة، ضع اسمنا جميعا.. ضع اسم مصر، فالمجتمعات مثل الأفراد، بل هي الأفراد.. هي أنت وأنا وسعاد حسني، لذلك يجب أن نخاف على مصير مصر، لأننا أصبحنا نسمع كثيرا أصوات استغاثتها المتكررة، وهي ترفض التشيؤ والتسليع والحذاء الضيق.
وأعتقد أن الاستجابة لا تلائم الاستغاثة، فكيف تكون النتيجة في رأيكم؟

(مخرج اضطراري)

أنا مثل بلدي: متعب جدا، وحزين جدا، وقلق جدا، ومغترب جدا، فقدت حس النكتة ومزاج المرح وشهية الحياة، أخشى مثلها من “الانزواء” و”انتهاء الدور”، أتعثر مثلها في النهوض، تحاصرني حرائق وسرقات وفساد ومشاكل وأزمات وحوادث إرهاب، لكنني لا أنوى الانتحار، كل ما أفعله من صراخ ومن شكوى ليس انهيارا ولا تسليما بالحال السيئ، فقط أسجل استغاثة جديدة من “الحذاء الضيق”.. لعلّ وعسى
لعلّ…
وعسى…

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

جمال نصار يكتب: العدالة الاجتماعية بين الإسلام والغرب

العدالة الاجتماعية هي تمكين كل ذي قوة من أن يعمل بمقدار طاقته، وكفالة العاجزين، فيتساوى ...