محمد هنيد يكتب: الخليج كله لا بعضه

لسائل أن يتساءل: هل ضربت الموجات الاحتجاجية التي انطلقت من تونس منطقة الخليج؟ وهل اكتفت بالميادين التي تحركت فيها الثورات؟ ألم يكن الخليج العربي بمنأى عن الثورات التي ضربت كامل المنطقة مشرقا ومغربا ولا تزال؟

لا تنبع هذه التساؤلات من فراغ، لكنها تطرح نفسها بقوة على المراقبين جميعا، وعلى المواطنين والشعوب على حد سواء؛ لأنها تسمح باستقراء خارطة التغيرات السياسية، وتبين مسارات التحول العنيف الذي تشهده المنطقة اليوم.

لم تعرف منطقة الخليج احتجاجات شعبية تذكر، باستثناء انتفاضة البحرين وتحركات محدودة في سلطنة عُمان، لكن اللافت في المشهد العربي اليوم، هو الاندراج الفاعل لدول الخليج في مسار الثورات العربية وفي العمل الدؤوب على إجهاض التجربة.

الجغرافيا الخليجية

إلى وقت قريب جدا، كانت المنظومة الخليجية تعدّ أكثر المنظومات العربية تماسكا ووحدة في مجالات كثيرة، رغم الاختلافات العميقة بين أنظمة الحكم التي تطفو إلى السطح من حين لآخر، لكنها لا تلبث أن تعود إلى الظل. فقد ظلت المنطقة الغنية محافظة على قدر من التماسك العام الذي جعلها تبدو صامدة إلى حدّ ما، مقارنة ببقية الكتل العربية الأخرى في الشرق والغرب.

من جهة أخرى، تبدو دول مجلس التعاون مختلفة في جغرافيتها السياسية وفي خياراتها، وخاصة في هامش المناورة الخاص بكل دولة من الدول. فإلى جانب المملكة السعودية التي تعدّ كبرى بلدان الخليج بحكم الثروة والمساحة والموقع، تكاد أغلب الدول الأخرى تنفرد بخصوصية تميزها عن غيرها، وتفسر بقدر ينقص أو يزيد قراراتها ومواقفها الإقليمية والدولية.

الكويت مثلا هي أكثر هذه الدول تقدما في ما يخص المنظومة السياسية والحريات العامة والإعلامية، وكذلك التركيبة السياسية التي تعدّ متقدمة مقارنة بمحيطها المباشر، لكنها تقع وسط مركّب ثلاثي صعب. فهذه الدولة الصغيرة والغنية تقع بين السعودية والعراق وإيران، وهي كيانات تفرض عليها اتباع سياسة شديدة الحذر في ما يخص ملفات الإقليم الساخنة. أما قطر التي جعلت من سياستها الخارجية خطا أحمر يرفض المصادرة أو الرضوخ للوصاية، فهي تسعى جاهدة إلى تفادي التصادم مع القوى الإقليمية، وخاصة السعودية وإيران، مع المحافظة على تماسك كيانها السياسي، وعلى مجموع الإنجازات التي حققتها في فترة وجيزة.

في المقابل، اختارت الإمارات معسكرا مقابلا من خلال دعمها اللامحدود والمطلق لقوى الثورات المضادة التي نشرت الفوضى في كامل منطقة الثورات، من مصر إلى تونس مرورا بليبيا واليمن، وهو ما جعلها تتحول إلى مركز من مراكز انعدام الاستقرار في الخليج وفي المنطقة بأسرها. أما سلطنة عمان فتعمل على التحرك بحذر وحكمة في مجال شديد الانفجار، بسبب موقعها الجغرافي وثرواتها المحدودة، ووقوعها في خط التأثير المباشر لخطط التآمر التي تضرب المنطقة.

أزمة الخليج الأخطر

يمكن القول دون مبالغة، إن الأزمة الأخيرة التي يمرّ بها الخليج العربي هي الأخطر والأعمق منذ عقود؛ لأنها المرة الأولى التي يكون فيها مصدر التهديد نابعا من الداخل لا قادما من الخارج. فحتى حرب الخليج الناجمة عن الغزو العراقي للكويت لم تتسبب في تفكك المنظومة الخليجية، بل زادتها لحمة، على عكس الأزمة الحالية التي بلغت مستويات غير مسبوقة من التهديد الذي يستهدف المنطقة برمتها.

لا تتجلى جسامة الخسائر في المستوى المادي فقط لأنها خسائر قابلة للتعويض، بل إن أعظم الخسائر هي تلك التي طالت النسيج الاجتماعي، ومزقت وحدة شعوب المنطقة التي لا تعدّ شعوبا؛ بقدر ما هي أسرة واحدة بحكم التاريخ والأرض والدم والدين. لم يستفد من الأزمة إلا أعداء الأمة، وتحديدا أعداء الخليج نفسه، حيث حققت المنظومات الدولية صفقات خيالية على حساب شعوب المنطقة ومستقبل أجيالها، وهي التي تعمل على إطالة أمد الأزمة لتحقق المزيد من الأرباح وتراكم المزيد من الثروات.

كما تظهر خطورة الأزمة في بعدها العربي والإقليمي بأن تحول الخليج إلى مركز قرار عربي في تصفية الثورات العربية والتآمر عليها، وهي التي لم تتمدد إليه. فقد تحولت دولة الإمارات إلى مركز القرار العربي في ما يخص مشروع الانقلاب على الثورات وتنظيم الانقلابات العسكرية، كما هو الأمر في مصر وليبيا وغيرهما، بشكل ضاعف من أزمة هذه الدول وساهم بشكل كبير في انتشار الفوضى وتمدد حالة انعدام الاستقرار. بل إن التدخل العسكري الخليجي امتد ليشمل اليمن الذي يعرف أخطر كارثة إنسانية في تاريخها الحديث، بسبب انتشار المجاعة والأمراض القاتلة.

كله لا بعضه

واهم من يعتقد أن أية دولة في الخليج قادرة على النجاة بمفردها من العاصفة التي تضرب الجميع، وهو أمر تدركه القوى الدولية جيدا، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية المتحكمة في القرار السياسي هناك. الخليج العربي مستهدف في مجموعه باعتباره كتلة واحدة لا دولا منفردة، وليست التصريحات الدولية المنتصرة لهذا الفريق على حساب الآخر إلا ذرا للرماد في العيون، ومحاولة لإطالة أمد الأزمة التي يستفيد منها الغرب أكثر من غيره.

المنطقة مقبلة إذن على تحولات جوهرية قد تغير المشهد الذي نراه أمامنا تغيرا جوهريا؛ ما لم تتدارك دول المنطقة مواقفها السابقة، وتغلّب لغة العقل والحوار على لغة المراهقة السياسية وفرض الوصاية بالقوة المادية، كما يظهر الأمر من حصار قطر وتهديدها بالغزو العسكري أو مصادرة قرارها السيادي.

الأطماع الأمريكية أظهر من أن تُوارى، والرئيس الأمريكي لا يفوت فرصة ليعلن للجماهير أنه يريد وضع يده على ثروات الخليج. أما دولة الكيان، فإنها تحقق من الأزمة تطبيعا إقليميا ما كانت تحلم به، خاصة بعد الانقلاب الخليجي على الثورة المصرية ومقتل الرئيس الشرعي المنتخب. أما بقية الفواعل الإقليمية، فإنها ترى في الأزمة فرصة سانحة لتمدد نفوذها المتعاظم في كل العواصم العربية تقريبا.

يبقى الخليج الخاسر الأكبر من الأزمة التي قامت على أسس صبيانية واهية؛ ما كان لها أن تكون أصلا. وهي أزمة يمكن دفنها بسهولة بالغة متى توفرت الشجاعة السياسية؛ والوعي بأهمية التنازل في اللحظات التاريخية التي تكون فيها الأوطان مهددة ومستقبل أجيال بكاملها على المحك.

ليس أمام الخليج وقادته إلا السعي إلى صلح حقيقي يحفظ سيادة الدول ويصون وحدة شعوب المنطقة، من أجل أن تكون قاطرة فاعلة للتنمية والخروج من دائرة المؤامرات والدسائس. إن إطفاء نار الفتنة يصبّ في مصلحة الجميع؛ لأنه لا رابح في هذه الأزمة إلا أعداء المنطقة وعملاء الداخل ممن زرعوا خصيصا لتأجيجها وإذكاء نارها.

تحتاج المنطقة إلى الحكمة أكثر من أي وقت مضى، وتتطلب التنازل والصبر أكثر من أي وقت مضى، وتستلزم قبل كل ذلك استحضار دروس قريبة جدا في مآلات التعنت والتهور، وليس العراق من الخليج ببعيد.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

جلال الورغي يكتب: فشل الإسلام السياسي.. حقيقة سياسية أم مخاتلة استئصالية؟

منذ صدور كتاب المفكر الفرنسي الخبير في شؤون الحركات الإسلامية أوليفييه روي “فشل الإسلام السياسي” ...