محمود عبد الله عاكف بكتب: ويسألونك عن الشباب

منذ أكثر من شهر، شاركت في معسكر تثقيفي في أحد البلاد الإسلامية لعدد من الشباب المسلم من عدة دول، وكان العنوان “دور الشباب في بناء المستقبل”. وقد شاركت في أحد أيام المعسكر الذي استمر لثلاثة أيام، والتقيت بعدد كبير من الشباب، واستمعت إلى عدد من الأطروحات التي قدمت في المعسكر. وكنت وأنا في الطريق لحضور ذلك اللقاء أفكر في كثير من المقولات التي تتداول عن الشباب ودورهم في المجتمعات العربية والإسلامية، وما يقال عن إفساح المجال لهم، وضرورة تمكينهم من قيادة المرحلة، وغير ذلك من مقولات وأفكار تطرح في هذا المجال.

وحقيقة، لم أجد ما كنت أمنّي نفسي به في الاستماع والتعرف على أفكار ومشروعات جديدة وقيادات يمكن أن تقود المستقبل القريب، في ظل الأزمات الراهنة التي تعيشها المنطقة العربية والإسلامية؛ في مواجهة المشروعات المواجهة للفكرة الإسلامية. ولكن بعد انقضاء اليوم والمشاركة في أكثر من ورشة عمل، والاستماع إلى عدد من المشروعات النابعة من عقول شابة مسلمة عربية وغير عربية، أو في الحقيقة خلال طريق العودة، تغيرت معظم الأفكار التي كنت أُمنّي نفسي بها في طريق الذهاب. وبدأت في إعادة التفكير من وجهات وجوانب مختلفة.

في نهاية الستينيات من القرن الماضي، تم تأسيس منظمة الشباب العربي الاشتراكي كمنظمة رسمية في مصر، وهي كانت منظمة حكومية مستقلة أسسها زكريا محيي الدين، أحد رجالات مجلس قيادة الثورة المصرية عام 1952 بتوجيهات من جمال عبد الناصر، رئيس الجمهورية وقتها. وكانت هذه المنظمة هي أولى المنظمات الشبابية الرسمية التي استمرت (بعد تجربة الوفد وهيئة التحرير في بدايات الخمسينيات ولم يستمرا) في عالمنا العربي. وكالعادة في ذلك الزمان.

كانت الريادة المصرية تجعلها تقدم النموذج ثم تتبعها العديد من الدول العربية الأخرى. وبالتالي، تم إنشاء العديد من المنظمات الشبابية بعد ذلك في عدد من الدول العربية الأخرى. وكانت التصنيفات المطروحة وقتها أما الطلاب أو العاملين أن الطلاب هم ذوو الشريحة العمرية الأقل سنا. وكانت هذه المنظمات تعتبر بمثابة معامل تفريخ للوزراء والمسؤولين في المجالات والتخصصات المختلفة. وعلى سبيل المثال، فممن تولوا المسؤولية من أبناء منظمة الشباب المصرية كان د. حسين كامل بهاء الدين ود. مفيد شهاب، وكذلك د. عبد المنعم عمارة، وغيرهم الكثيرين. كما كان الدكتور أحمد كمال أبو المجد، المفكر الإسلامي، أحد المنظريين للمنظمة في بداية تأسيسها.

وقد اختلف الكثيرون عند تحديد مرحلة الشباب عمريا، ففي البداية كانت تبدأ من سن 15 عاما، وهو سن البلوغ تقريبا، وحتى منتصف العقد الثالث من العمر، أي الخامسة والعشرين. ولكن في المعسكر الذي حضرته أخيرا، وجدت أن التصنيف العمري للشباب الذي حضر يبدأ من 17 عاما وينتهي عند 40 عاما. وحتى منظمات الأمم المتحدة اختلفت في الشرائح العمرية للشباب، فمنظمة الصحة العالمية ومنظمة التربية والعلوم والثقافة (اليونيسكو) تصنف الشباب بين عمر 15 إلى 24 سنة، في حين تحدده منظمات دولية أخرى، مثل البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، بانه يتراوح بين 18 وحتى 29. وهذا الاختلاف ليس به أي غضاضة.

وفي نهاية السبعينيات من القرن الماضي، ومع زيادة إرسال البعثات العربية التعليمية إلى الولايات المتحدة للدراسة، تم تأسيس رابطة الشباب المسلم العربي، والتي تجمع بين صفوفها الطلاب العرب في الجامعات الأمريكية. وكان معظم الدارسين في مرحلة الدراسات العليا الماجستير والدكتوراة، وكان متوسط أعمار المنتسبين لهذه الرابطة يتراوح بين 25 و35 عاما. وعندما تخرج معظمهم وأنهوا مرحلة الدراسة، واستقر الكثير في الولايات المتحدة وعاد الآخرون إلى أوطانهم، لم تستمر الرابطة وتفككت، وكأنه لم يعد طلاب جدد للولايات المتحدة أو أن الأبناء لم يعودوا عربا أو شبابا.

وإذا نظرنا إلى دستورنا الإسلامي، وهو القرآن الكريم، نجد أنه توجد عدد من الآيات التي تتناول مضمون مصطلح الشباب، وإن كان من خلال لفظة أخرى وهى الفتية، وذلك في سورة الكهف: “إنهم فتية آمنوا بربهم..” وفي سورة الأنبياء: “سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم..”، وسورة يوسف وبعض السور الأخرى.

ونفهم من دلالات المصطلح في هذه السور؛ أن مفهوم الفتوة، هو المدى الزمني الذي يعيشه الفرد عند النضوج وحتى مرحلة الرجولة. فقد قاموا بأعمال وبمبادرات؛ أهمها موقف سيدنا إبراهيم (عليه وعلى رسولنا الصلاة والسلام) من الأصنام عندما قام بتحطيمها، وكذلك فتية أصحاب الكهف عندما اعتزلوا قومهم لأنهم يعبدون آلهة من دون الله. ونجد على مدى الآيات القرانية وفي باقي سور القرآن؛ العديد من النماذج المشابهة للوقوف في مواجهة الظلم أو عبادة الأصنام أ الدعوة إلى الله، ولم تكن مرتبطة بسن أو مدى عمري محدد.

ومن هنا، يمكن القول إنه ليس هناك دور محدد أو واضح المعالم لهذه الفئة العمرية. ويجب أن نلاحظ هنا أن الوظيفة التي قام بها الفتية لا تحتاج للقوة أو الفتونة.

وهذا يدفع الكثيرين بالقول إن فكرة ومضمون مصطلح الشباب ليس له عمر محدد، بل هي سمات شخصية ويمكن أن يتمتع بها، وبالتالي يوصف بها أي إنسان مهما كان عمره طالما يتسم بهذه الصفات ويقوم بتوظيفها في حياته. وأهم هذه الصفات والسمات التي يجب أن يتحلى بها الشاب مهما كان عمره؛ هي المبادرة والإبداع بغير المألوف، أو ما تعارف عليه القوم. وبالتالي، يمكن أن نجد من تجاوز الستين من عمره، ونجد حياته مليئة بالأفكار الجديدة، وما زال متجددا في مبادراته وهو تعدى عمر الشباب حسب التعريفات والمعايير التي تصدرها المؤسسات الدولية. وفي نفس الوقت، نجد من هو في هذه المرحلة العمرية ولا نجده يقدم جديدا وتتسم أفكاره بالتقليد والجمود.

وبالنسبة للنموذج الأول، نجد شخصيات عديدة تتسم بالشبابية، وهي تجاوزت الثمانين من عمرها. وفي تقديري أن الأستاذ مهدي عاكف، المرشد العام السابق للإخوان المسلمين، رحمه الله وتقبله في الصالحين.. كان نموذجا لهذا النمط المتجدد في أفكاره وحركته الشابة مع تجاوزه الثمانين من عمره (وفي الحقيقة فإننا في حاجة أن نعرف عن الأستاذ مهدي عاكف رضي الله عنه، وأن تكتب صفحات عنه وعن حركته ودوره الشبابي في ما مر بمصر من أحداث قبل وبعد 25 يناير)، ويوجد غيره الكثيرين.

كما نجد أنه تم تقديم العديد من النماذج الشابة، والتي أثبتت وجودها من خلال عطائها وأفكارها، وبالتالي فرضت نفسها بأنها تصلح لتحمل المسؤولية. وفي المقابل، نجد أيضا الكثير والكثير من الفتية والشباب عمرا ولا يقدموا شيئا غير التذمر والاحتجاج، إلا من رحم ربي.

ومن الملاحظ أن هذه الإشكالية لا تثار أبدأ في المجتمعات الأمريكية ولا الأوروبية أو الآسيوية الشرقية، ونجد أن الرئيس الأمريكي رونالد ريجان كان قد تولى الرئاسة عام 1981 وكان قد بلغ السبعين من عمره، وها نحن نرى دونالد ترامب يتولى الرئاسة وعمره تجاوز السبعين؛ بعد الرئيس أوباما وكان في الأربعينيات من عمره. ونفس الصورة نراها في دول كثيرة، مثل اليابان والهند.. والرئيس ماوتسي تونج في الصين ظل يحكم حتى بلغ عمره 84 عاما، فلم تكن تثار مثل هذه القضايا، ولم يكن السن أو عمر الفرد عنصرا من عناصر التقييم. وكان دائما يتم تقديم الأفضل، حتى لو كان عمره 20 عاما أو كان عمره 70 عاما. وهذا يدفعنا للتساؤل: لماذا هذه القضية لم نعد نسمعها إلا في دولنا العربية الإسلامية؟ ولماذا لم يثر “الشباب” الأمريكي على ترامب، وهو كما ذكرت تجاوز السبعين عند أدائه اليمين لتولي المنصب وأن عليه أن يترك المساحة للشباب ليتولى المسؤولية، وغير ذلك من صيحات نسمعها تتردد كثيرا في الأوساط العربية والإسلامية؟ وفي تقديري أن هذا شكل من أشكال التقسيم والتفتيت والصراع الداخلي التي يغذيها أعداء الأمة.

فبالإضافة للفكرة القومية والطائفية المذهبية، جاءت الأفكار التي ظهرت أخيرا، والتقسيم بين الدعوي والسياسي وبين الإسلام الديني والإسلام السياسي، وغير ذلك من الأشكال التي تدعو إلى التحزب و ألتخندق في قواقع ما أنزل الله بها من سلطان، والهدف منها تشتيت الجهود وتعويق الوحدة بين أبناء الأمة وتأخير تحقيق النصر.

وفي الختام، أود أن أهمس في أذن الشباب، كبيرا أو صغيرا، وأذننا جميعا؛ أن علينا أن نبذل الجهد وأن نقدم ما علينا، وعدم التطلع إلى مسؤوليات أو مناصب. فلا أحد يدري، فالمسؤولية فتنة نسأل الله العفو والعافية، ولنكن على يقين من أن من يقدم الجهد ويبذل العرق بنيّة مخلصة، أيا كان عمره، فإن الله سبحانه وتعالى سوف يوفقه لما هو في مصلحة الأمة والمسلمين، ولكن علينا عدم التعجل..

والله من وراء القصد وهو يهدى السبيل.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

جمال نصار يكتب: العدالة الاجتماعية بين الإسلام والغرب

العدالة الاجتماعية هي تمكين كل ذي قوة من أن يعمل بمقدار طاقته، وكفالة العاجزين، فيتساوى ...