عبدالله السناوي يكتب: عشريّة فتنة مباراة كرة قدم

إحدى أفضل النتائج السياسية غير المباشرة لبطولة الأمم الإفريقية لكرة القدم طي صفحة الفتنة بين شعبين شقيقين جمعتهما معارك الاستقلال الوطني ووحدة المصير ذات يوم وفرّقتهما فتنة تجاوزت كل حد على خلفية مباراة كرة قدم للتأهل إلى المونديال قبل عشر سنوات.

جرت تظاهرات في الجزائر تحرق العلم المصري وتروّع مصريين يعملون هناك.. وتظاهرات في القاهرة تحاصر السفارة الجزائرية وتشتبك مع قوات الأمن وتروّع جزائريين يعملون هنا.

كان كل شيء هستيريًا وأغلب ما يُكتب على ورق أو يبث في فضاء عار حقيقي. وصل الشحن الإعلامي والسياسي عام (2009) إلى التنابز بالأوطان واختلاق الوقائع والقصص المحرّضة على القتل. عشر سنوات كاملة مرّت على تلك الأحداث الهستيرية، التي تقطعت فيها الأواصر وأهدرت أبسط المعاني. كان ذلك انعكاساً بالغ السلبية لانسحاب الدور المصري من عالمه العربي بعد توقيع اتفاقيتي «كامب ديفيد».

فقدنا جلال الدور دون أن نكفّ عن مطالبة الآخرين بأن يعاملونا كما لو ما زلنا على مقود القيادة. كما كان بذات القدر انعكاساً لانكفاء الدور الجزائري الذي صاحب انتصار ثورة المليون والنصف المليون شهيد.

حدثت تجاوزات في لغة الخطاب السياسي والإعلامي المصري إلى حد التنصل من العرب والعروبة، كأن يُقال إننا لسنا عربًا، أو أن علينا أن ننعزل عن هؤلاء الذين لا يعترفون بقيادتنا. الأسوأ أن نخباً عديدة هنا وهناك ماشت التصرفات المتفلتة، أو على الأقل تجنبت معارضتها خشية الطعن في وطنيتها!

باستثناء أصوات معدودة حاولت أن تقف أمام الطوفان، فإن المشهد على الجانبين بدا كابوسياً، كأنه مقتطع من أعمال كافكا. جرى توظيف أجواء الفتنة لإضفاء شرعية ما على النظامين المتآكلين، اللذين نخرهما فساد مستشر وسدّت فيهما أية قنوات سياسية واجتماعية. بعد شهور معدودة سقط نظام حسني مبارك في كانون الثاني/ يناير (2011) فيما انتظر نظام عبد العزيز بوتفليقة مواعيد الرحيل بثورة مماثلة في (2019).

أثناء فتنة مباراة كرة القدم بين مصر والجزائر، سألت أحمد سعيد مؤسس «صوت العرب» أن يكتب، فدوره مقدّر وصوته مسموع في الجزائر. قال: «أريد أن أعرف موقفك» ــــ «أنا قومي عربي».

رغم ما يربطنا من اتصال حوار ومودّة حتى نهاية حياته، فإن الأجواء العامة دعته إلى ذلك السؤال. في لحظات الفتنة وجد نفسه أمام سؤال سياسي وإنساني عما إذا كانت الذاكرة مُحيت.

كتب مقالًا في «العربي» وضعت له العنوان الآتي: «رسالة إلى صديقي بوتفليقة» حيث ربطتهما بعض الصلات أثناء أيام الاستقلال الأولى. قال معاتبًا: «ليس صديقي، أنا صديق أحمد بن بيللا»، الذي كان لا يزال على قيد الحياة. الرئيس الأول لا الرئيس القابض على السلطة. خطر لي أن بن بيللا يمكن أن يساعد في إطفاء نيران الكراهية. حاول أحمد سعيد أن يرتب حوارًا طويلًا عبر الهاتف مع قائد الثورة الجزائرية. سأل أصدقاء مشتركين في جنيف: «أين هو الآن.. في سويسرا أم في الجزائر؟». لم تكن هناك معلومات دقيقة حتى يمكن إجراء الاتصال.

دخلت على الخط السيدة زهرة حرم الرئيس الجزائري الأسبق بطلب من صديقتها حرم الوزير فتحي الديب، الذي كان يتابع من موقعه في رئاسة الجمهورية أدق تفاصيل الثورة الجزائرية، وأبدت حماسةً للفكرة.

كان من رأي محمد حسنين هيكل: «لا تحرج الرئيس أحمد»، فالمناخ العام مسموم وكل كلمة قد تؤول على عكس مقصدها. بدا هذا الرأي مقنعًا بمنطقه وظروفه. الصورة الآن اختلفت وحوادث الفتنة يكاد ألا يتذكرها أحد. بدا لافتاً حجم الدعم الذي يلقاه المنتخب الجزائري من الجمهور المصري في استادات كرة القدم، التي استضافت منافسات بطولة الأمم الإفريقية، كما حجم الحفاوة الشعبية التي يلقاها الجزائريون الذين قدموا لتشجيع فريقهم الوطني. الأمر نفسه تكرر مع المنتخبات العربية الأخرى. دون ادّعاء أو صخب تأكدت الحقائق، حتى بدا الجزائريون أنفسهم متفاجئين، أو في حالة اكتشاف لعمق الصلات التي تجمعهم بالمصريين.

كيف وصلنا إلى الفتنة عام 2009؟

الإجابة في ميادين السياسة لا في استادات كرة القدم. «الحمد لله الذي أعطانا هذه الفرصة لنرى الأماني وقد تحققت.. الحمد لله فقد كنا نحلم بالجزائر العربية وقد رأينا اليوم الجزائر العربية»، هكذا بدأ جمال عبد الناصر خطابًا مقتضبًا ألقاه في العاصمة الجزائرية يوم 4 أيار /مايو 1963. لم يَمن على الثورة الجزائرية بحرف واحد، أو بإشارة عابرة. لا قال إننا أمددنا الجزائر بالسلاح، ولا ناصرناها بالمال، ولا أن فرنسا شاركت في حرب السويس عام 1956 للانتقام من دورنا في نصرة ثورتها. قال نصًا: «جمال عبد الناصر لم يفعل أي شيء لشعب الجزائر». لم يكن ذلك صحيحًا على أي وجه، لكنه خاطب الكبرياء الجزائري. كانت الجزائر تعرف الحقيقة وتقدّرها، ولم تكن في حاجة إلى من يذكرها. أشار عبد الناصر في خطابه المقتضب إلى المعنى القومي الكبير لاستقلال الجزائر، وركّز أغلبه على القضية الفلسطينية. في الكلام إدراك عميق لطبيعة الشخصية الجزائرية، التي تنفر من المن عليها.

في ذلك اليوم الاستثنائي زحف مليون جزائري من أنحاء البلاد إلى العاصمة لرؤيته، افترشوا الطرقات العامة وناموا فوقها بالقرب من الميناء، ملايين أخرى سدّت الطرق وكادت تحطم السيارة التي كان يستقلها مع الرئيس أحمد بن بيللا، فاضطرا إلى أن يصعدا إلى أعلى عربة مطافئ مضت بين الجموع الحاشدة. ضارع المشهد الجزائري ما حدث في دمشق عند زيارة عبد الناصر لها لأول مرة وهو رئيسها. كان الانفصال قد وقع، لكن المشروع ظل ملهمًا. كان الجرح لا يزال غائرًا لحظة تحرير الجزائر، لكنه تبدّى حلماً جديداً. المعنى أكبر من الرجل والحلم ــــ حتى لو انكسر ــــ يبقى في ذاكرة التاريخ. الشرائط المسجلة متاحة لمن يريد أن يتأمّل كيف حلمنا ذات يوم قبل أن نسقط في بئر بلا قرار. المشهد التاريخي يقرأ في سياق تحدياته ومعاركه وعصره، وقد كان عصر التحرر الوطني. في وقت مقارب تحررت القارة الإفريقية من ربقة الاستعمار، كان دور القاهرة محوريًا في قيادة القارة وكان تأثيرها نافذًا في آسيا وأميركا اللاتينية.

لهذا السبب ــــ بالذات ــــ جرى الترصد للمشروع الناصري والعمل على اصطياده بالتآمر من بين ثغَر نظامه، أو باستخدام القوة المسلحة. في أيام الهزيمة، نهضت الجزائر للوقوف بجانب مصر. ذهب الرئيس الجزائري هواري بومدين إلى موسكو، وتفاوض على شحنات أسلحة عاجلة، عرض دفع ثمنها فورًا، لكن ليونيد بريجينف الرجل القوي في الكرملين كان له تقدير آخر. أن هناك التزامات على الاتحاد السوفياتي تجاه مصر. ثم قاتل لواء جزائري مع الجيش المصري في حرب أكتوبر 1973.

اختلف الرجلان الكبيران أحمد بن بيللا وهواري بومدين في مسألة السلطة، لكنهما كانا يدركان كل بطريقته معنى «وحدة المصير العربي». وقد كانت المشاعر العامة للمواطنين المصريين العاديين، التي أحاطت المنتخبات العربية، الجزائري بالخصوص، في منافسات البطولة الإفريقية شهادة جديدة بقوة الحقائق التي تجمع وما تحت الجلد السياسي من مخزون مشترك.

عن جريدة الأخبار اللبنانية

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

ماجد عزام يكتب: “كان 2019” بين الرياضة والسياسة

بداية لا بد من الإشارة إلى أن “كان 2019″ (بطولة أمم أفريقيا الحالية) كان يجب ...