ساري عرابي يكتب: ميشيل كيلو ومحمد مرسي.. الغريزة مكان العين والعقل!

الثورات العربية، وما صاحبها من انخراط واسع في مواقع التواصل الاجتماعي، كشفت عن عمق الأزمة الأخلاقية التي تعاني منها النخب العربية، السياسية والثقافية، وفقرها المنهجي في التعاطي مع الأحداث والفاعلين فيها، باستسلامها الكامل للغرائز المحضة. فالانقسامات العميقة عبّرت عن نفسها، بأسوأ صورة، وبما يتجاوز الخيال. ويمكننا استعراض عشرات الأسماء الثقافية التي أثارت الإعجاب من قبل بأطروحاتها الرصينة، وصرامتها المنهجية، لترتدّ بعد هذه الثورات إلى التوتّر الغريزي، أي التصديق والتكذيب على أساس المحبّة والكراهية فحسب، دون أيّ اعتبار للمعطيات في الواقع الخارجي، أو لملكات العقل في التمييز.

واحدة من الموضوعات التي لم تزل تثير الانقسام بين مجمل المعنيين بالشأن العامّ، هي تجربة الإخوان المسلمين في مصر، من بعد ثورة يناير إلى حين الانقلاب على الدكتور محمد مرسي، رحمه الله، وما تبعه من مجازر دمويّة اقترفها النظام العسكري الانقلابي، بغطاء سياسي تقوده بعض النخب والقوى والأحزاب المعادية لتجربة الإخوان في الحكم. فحين مطالعة مجمل التقييمات لهذه التجربة، تظهر بوضوح إشكالية القراءة الغريزية للتجربة، والتي تصل عند البعض إلى حدّ محاكمة الإخوان لمجرّد وجودهم، أو اختلافهم، بما يتجاوز نقد التجربة أو الأفكار.

حين مطالعة مجمل التقييمات لهذه التجربة، تظهر بوضوح إشكالية القراءة الغريزية للتجربة، والتي تصل عند البعض إلى حدّ محاكمة الإخوان لمجرّد وجودهم، أو اختلافهم، بما يتجاوز نقد التجربة أو الأفكار

يبدو الحديث عن تجربة الإخوان المسلمين في الحكم مثيرا للسخرية بعض الشيء، فالرجل الذي أوصلته الجماعة لرئاسة الدولة في انتخابات تلت ثورة شعبية، وفي ظلّ فوضى عارمة وغموض مستحكم.. إنّما أخذ يحاول أن يحكم الدولة ذاتها، التي تبلورت في العقود الأخيرة، بنخبتها، وأجهزتها، ومؤسساتها، وجيشها، على نحو يكاد يصنّف جماعته عدوّا. وقد كاشفته هذه الدولة بممانعتها سريعا، وانغلقت في وجهه، وأدارت بكليّتها تدبير إفشاله وإسقاطه، وهو ما تمّ وانقضى في سنة واحدة فقط؛ أُشبع فيها الرجل وجماعته شتما وقذفا، ليستباحوا بعدها قتلا وسحلا وسجنا وحرقا وخنقا وشنقا، ولا ينبغي أن يستدعي ذلك الاستدلال، إذ الواقع يحكيه مصوّرا عاريّا.

صحيح أنّ ذلك يلقي الأسئلة المُشَكِّكة في صحّة خيارات الإخوان، ومدى فهمهم للدولة، وتقدريهم لمآلات تلك الخيارات، وهو ما يتّصل بتحالفاتهم، ومفاوضاتهم، وعلاقاتهم بمجمل الأطراف الفاعلة من الدولة وخارجها، ومشاركتهم في الثورة زمنا ونسبة، لكنّ ذلك كلّه شيء، واختلاق وقائع لم تحصل، ويهين اختلاقها العقل والحسّ، شيء آخر، كما فعل أخيرا المعارض السوري المعروف ميشيل كيلو، في مقالة له موسومة بعنوان “فرصة جديدة”.

يقول ميشيل كيلو إنّ مرسي صادر الثورة وأمّمها إسلاميّا، ثم حوّل الثورة إلى انقلاب على الدولة المصرية، وهو الأمر الذي وضع “الجماعة نفسها في مواجهة الجيش والدولة، وأغلبية المجتمع المصري المطالب بالديمقراطية”، وهو اتّهام مترع بالمصادرة، حين الحديث عن أغلبية المجتمع المصريّ، تماما كحديثه في موضع آخر من مقالته عن نَيْل مرسي “الرئاسة بأصوات شباب ثورة يناير غير الإخوانيين”، مُجرّدا الجماعة من أيّ دور لها في الوصول بمرشّحها للرئاسة، ومن أيّ عمق مجتمعيّ لها، مكّنها مِنْ مواجهة أحمد شفيق.

الجماعة، بحسب كيلو، عنصر لم يفعل شيئا، فلا هو فجّر الثورة ولا هو بالذي وصل إلى الرئاسة بجدارته، ولكنّه التحق متأخرا بالثورة التي بادرت إليها “عناصر مدنية تنتمي إلى الأجيال الشبابية”، فأمّمها إسلاميّا، وأخونها، ثم فاز بأصوات تلك العناصر المدنية، فانقلب على الدولة المصريّة. ولك الحقّ أن تحتار إن كان ميشيل كيلو يثني على الإخوان الذين فعلوا كلّ ذلك بجهد “العناصر المدنية”، أم يهجو تلك “العناصر المدنية” التي فعلت كلّ شيء خيِّر وصبّته حبّا في طاحونة الإخوان الأشرار!

في النهاية مرسي فاز بأصوات الناس، وينبغي أن يكون هذا الأقرب للديمقراطية

بيد أنّ المفارقة الأخطر في مقولة كيلو المشار إليها أعلاه، هي مزج انقلاب الجيش والدولة؛ بأغلبية الشعب المصري “المطالب بالديمقراطية” دون أن يشعر كيلو بالتناقض. ففي النهاية مرسي فاز بأصوات الناس، وينبغي أن يكون هذا الأقرب للديمقراطية، مهما كان شكّ الأستاذ كيلو بمضمون الإخوان الديمقراطي، بينما “الأغلبية المطالبة بالديمقراطية” أزاحت مرسي بالدبابة والسحق في الشوارع والخنق في السجون، بعد عام واحد فقط، بدأته هذه “الأغلبية” بالإسقاط المبرمج من الجش والدولة. وينبغي أن يكون هذا نقيضا مطلقا للديمقراطية، إلا إذا كان الأستاذ كيلو يستبطن تصوّرا عن ديمقراطية تستعين بالدبابة العلمانية لإزاحة المنتخب الإسلامي!

عدّة مقالات حاولت أن تُبيّن للسيد كيلو جهله الفظيع بمجريات عام حكم مرسي، وسخافة الحديث عن مصادرة الثورة، أو الانقلاب على الدولة، واستعانت تلك المقالات بالأرقام والمعلومات، وهو ما لم يفعله كيلو. ويمكن أن يُضاف إلى ذلك؛ أنّ أحدا من خصوم الإخوان أو منتقديهم، لم يعد، تقريبا، يتحدث في هذه الدعاية التي كانت واحدة من مرتكزات الخطاب الإعلامي لماكينة التمهيد للانقلاب، وربما لم يتبقّ من هذه الدعاية إلا “الإعلان الدستوري” الذي يمكن قول الكثير في نقده دون إغفال سياقاته، وهو ما أشارت إليه بعض تلك المقالات.

هذا شيء آخر مختلف تماما عن اتهامهم بمصادرة الثورة والانقلاب على الدولة، وبالتالي التورّط في تبرير مقنّع لـ”إعدام” الرئيس المدني المنتخب

ما يزال بالتأكيد، يدور بين فترة وأخرى حديث طويل عن “غفلة الإخوان”، و”تنكّرهم لشركاء الثورة”، وإدارتهم للعلاقة مع الدول والجيش، وأفكارهم السياسية ومناسبتها للدولة الحديثة، ودرجة عطائهم وفاعليتهم في الثورة، وسوى ذلك، لكن مرّة أخرى، هذا شيء آخر مختلف تماما عن اتهامهم بمصادرة الثورة والانقلاب على الدولة، وبالتالي التورّط في تبرير مقنّع لـ”إعدام” الرئيس المدني المنتخب، الذي كان أعظم ما فعله صموده في وجه الانقلاب، وتمسّكه بالشرعية؛ التي هي بالضرورة حقّ الناس في الانتخاب والاختيار الحرّ الذي لا تشوبه دبابة ولا رصاصة ولا سجن ولا قيد!

ربما في بعض تلك الانتقادات مصادرة، أي مصادرة حقّ المختلف سياسيّا وفكريّا أن يتخيّر المسارات السياسية التي تناسبه، ما دام لا يجور على الناس، دون أن يعني هذا الكفّ عن مساءلة حكمته أو صوابية تقديره وهو يمارس حقّه في اختياره، ودون الكفّ عن معالجة أفكاره ومطارحتها ونقدها، إلا أنّ ذلك كلّه يظلّ في دائرة معقولة من النقاش، ما لم ينزلق إليها الافتراء أو توهّم الأحداث!

فما الذي يجعل مثقّفا يتوهّم حدثا لم يقع، أو يختلق صورة لا مصداق لها في الواقع؟! إنّها باختصار الغريزة، التي تُصدّق كلَّ ما يعيب ويشين المختلف سياسيّا وفكريّا، وتكذّب كلّ ما ينصفه أو يُحمد له، والعكس في حقّ الذات والقريب، وهو ما حذّر منه الله جلّ وعلا بقوله: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ. وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ”، وعلى الأرجح لا يرغب المستسلم لغرائز الكراهية أن يبحث فعلا في حقيقة ما يُتّهم به خصمه.

لقد تداول الفرقاء المصريّون وغيرهم من المعنيين بذلك الشأن، الكثير من الاتهامات والمعلومات المتضاربة، حول مجريات الثورة والانتخابات وسنة الحكم والانقلاب عليها، إلى حدّ بات الحديث فيها مملّا، ولا يفضي إلى جديد، لا سيما وأنّ الزمن تجاوز كثيرا من تفاصيلها وفاعليها، بيد أنّ الخروج بنتيجة أخلاقية من ذلك هو المهمّ، فلا يعقل أن تنطمس مظلومية محمد مرسي ومنقبته الأهمّ، وتنعكس، بعد استشهاده، مبرّرا للانقلاب عليه وقتله؛ فيما أمكن لمثقف عربيّ أن يقوله، وهو يزعم أنه ينادي بالحرية والعدل والحقّ، ولا ينبغي بعد ذلك كلّه أن تبقى الغرائز هي العين التي يرى منها المختلفون بعضهم، فيرون الوقائع على غير ما هي عليه!

“فرصة جديدة” للجميع ليقرّ بفشله وهزيمته، ممن شارك في الثورات العربية، حتى الساعة، إذ إنّ أحدّا لم يملأ مكان تيار “الإسلام السياسي” إلا الأنظمة الرجعية والقمعية

إذا كان الإخوان المسلمون، وما يمثّلونه من تيار “الإسلام السياسي” قد فشلوا وهزموا سياسيّا، وربما استنفدوا دورهم التاريخي، فإنّ هذه أيضا “فرصة جديدة” للجميع ليقرّ بفشله وهزيمته، ممن شارك في الثورات العربية، حتى الساعة، إذ إنّ أحدّا لم يملأ مكان تيار “الإسلام السياسي” إلا الأنظمة الرجعية والقمعية، ولكن بقوّة الدبابة لا بقوّة الفكرة، كما أنّ منزلة هذا التيار (الإسلامي) ثقافيّا في عمق المجتمعات العربية قابلة لإعادة إنتاجه، ربما بأشكال مختلفة، وهي منزلة لم يبلغها مخالفوه من التيارات الأخرى.

وبينما يجري الحديث عن عجز أفكار الإخوان وتكلّسها، فإن ما تُطالَب به تلك الأفكار، حول الدولة والتعددية في إطارها وموقع الدين منها والانقسامات الثقافية حولها، عجزت عنه أفكار خصوم الإخوان ومخالفيهم كذلك، إلا بالقدر الذي يبدو فيه الإقصاء والتحديث الفوقي حلّا وحيدا لديها.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

ماجد عزام يكتب: “كان 2019” بين الرياضة والسياسة

بداية لا بد من الإشارة إلى أن “كان 2019″ (بطولة أمم أفريقيا الحالية) كان يجب ...