ممدوح المنير يكتب: دروس الانقلاب التي لم نتعلمها

وفضلنا البكاء على الأطلال، أو العيش على الأماني الكاذبة التي تخدّر النفس وتريح الضمير، ولو إلى حين.

أول الدروس التي لم نتعلم منها هي:

لا تعطي فرصة لعدوك لتدميرك، فإما أن تواجهه بما تستطيع، أو أن تنسحب من معركة لست مؤهلا لها، واختيار وقت الانسحاب هو حكمة في حد ذاته، والخطأ فيه يغير مجرى التاريخ لك أو عليك.

وحتى الآن لا نحن واجهناه بما يستحق، ولا نحن انسحبنا بما يليق في الوقت المناسب.

الدرس الثاني: المكر والدهاء والخداع والحيلة والمناورة؛ هي المقومات التي يقوم عليها البقاء في الحكم، خاصة إذا كان عدوك مجرما وقحا غادرا خسيسا في عداوته.

حتى الآن، لا تزال النوايا الطيبة أو الساذجة أو الحالمة هي سيدة الموقف، فلا يوجد بيننا “من ليس خِبّا ولا الخِبُّ يخدعه”.

الدرس الثالث: لا يقوم حكم إلا على أسِنَّة الرماح، وتحت ظِلال السيوف، والرماح والسيوف في زماننا هذا تعني قوة السلاح والقوة ناعمة، وإذا كان مفهوما عدم امتلاك قوة السلاح في أعقاب الانقلاب حين ضاعت منك السلطة التي تعطيها المشروعية، فلا يزال كذلك باعُنا في القوة الناعمة ضعيفا خجولا، رغم أن القوة الناعمة وحدها كافية لحسم الصراع لمن يجيد استخدامها.

الدرس الرابع: الثورات لا تنتصر بالدروشة، ولا بأحلام اليقظة، ولكن بالعلم والتخصص، وتوظيفهما جيدا في إدارة الصراع. حتى الآن نحن لم نتعلم علوم إدارة الدول، ولا الصراعات، ولا علوم السلطة بأنواعها، ولا توظيف التكنولوجيا والذكاء الصناعي لصالح الثورة، ولا علوم الاجتماع السياسي منها، والاقتصادي، والنفسي، ولا علوم الإدارة بمختلف مدارسها ومذاهبها، ولا العلوم السياسية بأنواعها، ولا التخطيط بأنواعه.. لم نتعلم شيئا، اللهم إلا الدعاء على الظالمين، ورواية الأحلام، والبحث عنها في تفسير ابن سيرين.

الدرس الخامس: المال هو عصب الحياة والثورات كذلك، فلا يمكنك فعل شيء بدونه، لا امتلاك القوة بنوعيها، ولا تعلّم العلم، ولا امتلاك الأدوات، ولا رعاية الضعفاء والمأزومين من الانقلاب. وحتى الآن لا توجد مؤسسات مالية ترعى كل ما سبق، فقط تعيش الثورة على الهِبات التي لن تستمر مع طول أمد الصراع.

الدرس السادس: لا ثورة بدون قيادة حاضرة في حياة الناس، تعيش معهم وبهم آلامهم وآمالهم لحظة بلحظة، توجه وترشد، وتوضح معالم الطريق، وتوقظ الغفلان، ربما نكون نحن الثورة الوحيدة في التاريخ التي تقود الجماهير بالبيانات، والتي لا تُعرف لها قادة أو أبطال إلا في السجون أو القبور.

حتى الحي منهم، اعتبرناه الإمام الغائب الذي لا يُرى ولا يظهر، في مقاربة سُنِّية للمفهوم الشيعي للإمام الغائب المنتظر لديهم.

الدرس السابع: لا تحطم مستقبلك، وهم الشباب، لكن للأسف المتتبع لوضع الشباب، وقود الثورات وقادة المستقبل، يجد أن تحطيمهم وتشتيتهم هو الحاصل، فلا قدوة أمامهم، ولا مشروع يجمعهم، ولا قائد يحتضنهم، فتاهوا وسط الزحام، وعاشوا أحداثا فوق أعمارهم، لم يتهيأوا لها، فمنهم من ثبت وتجاوز المحنة، ومنهم من انسحب من الثورة، وربما من الحياة، ومنهم من انحرف لأقصى اليمين أو اليسار، بعد أن فقد المرجعية والناصح الأمين.

الدرس الثامن: إيّاكم ومرتزقة الثورات، وهم كُثر.. أحيانا يكونون لصوصا في ثياب قديسين، لا يسرقون المال فقط، ولكن أحلام الناس وآمالهم وأعمارهم، بمظاهر خادعة وحكمة مصطنعة مضللة.

وبعضهم يعيش على ما يطلبه المستمعون؛ جريا وراء وهم الشهرة، دون رسالة أو مضمون، أو إثباتٍ للحضور والظهور دون هدف سوى بناء المجد الشخصي. ابحث فقط عمّن يقدم لك قيمة مضافة، أو وعيا زائدا، أو حكمة مستفادة.

الدرس التاسع: فقه المِحَن غير فقه العافية، وقلوب المِحَن غير قلوب العافية، فلا تُعامِل الناس بفقه العافية وقت المِحنة، ولا تنتظر منهم سلوكا أو معاملة بفقه العافية وقت المِحنة؛ وإلا ستحبط وتندم وتفقد الثقة في الجميع..

فأدرِك فقه زمانك، ولا تُحَمِّل نفسك أو الآخرين ما لا تطيق أو يطيقون.

الدرس العاشر: التفت لقلبك، ولا تفقده وسط ضغوط الحياة ولهاثها، ولا تنسَ وسط مشاغلها أنك عبد لله، وأنك إليه راحل، طال بك الزمان أو قصر، فارضَ بما قسمه الله لك، واعلم أن اختياره لك أفضل ألف مرة من اختيارك لنفسك، فالتعامل مع الله لا يكون بظواهر الأمور، ولكن ببواطنها وجوهرها.

حُبس سيدنا يوسف عليه السلام بضع سنين، فكانت عاقبته حكم مصر، ومشى قارون في عزه وسلطانه، فكانت عاقبته “فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ”، فلا تكن من أهل “يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ”.

هذه بعض دروس الانقلاب كما خبرتها وشعرت بها، فهل من متعظ أو معتبر؟!

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

ماجد عزام يكتب: “كان 2019” بين الرياضة والسياسة

بداية لا بد من الإشارة إلى أن “كان 2019″ (بطولة أمم أفريقيا الحالية) كان يجب ...