سعيد الشهابي يكتب: أنظمة خليجية تطارد معارضيها في المنافي

تساؤلات عديدة أثارتها حوادث قتل وهروب وقعت مؤخرا ترتبط ببعض دول مجلس التعاون الخليجي: ما تفسيرها؟ هل هناك تحول جوهري في نمط التعامل بين أنظمة الحكم الخليجية ومعارضيها؟ هل ثمة خيط يربط هذه الحوادث بعضها مع بعض؟ وهل لذلك علاقة في بعض الجوانب بتطبيع العلاقات مع «إسرائيل»؟ من المؤكد أن الإجابة عن هذه التساؤلات ليست سهلة أو متيسرة، ولكن بالإمكان وضعها ضمن سياق يشير إلى تغير في نمط العلاقات الداخلية من جهة، وفي مشاعر الإحباط لدى كثيرين من جهة ثانية، وتعمق حالة التمرد من جهة ثالثة. ففيما يستمر تحقيق الشرطة البريطانية في وفاة الأمير خالد بن سلطان القاسمي الأسبوع الماضي في ظروف غامضة، تتواصل ظاهرة هروب النساء ليس من المواطنات العاديات، سواء المتمردات على الحكم أم على الظروف العائلية والاجتماعية في بعض هذه البلدان فحسب، بل حتى من البيوت الحاكمة. هل لهذا الهروب صلة بحوادث الموت أو القتل التي حدثت في السنوات الأخيرة؟

في الـ19 كانون الثاني/يناير 2010 وقعت حادثة مؤلمة هزت كثيرين، وربما ساهمت في تطورات سياسية وأمنية لاحقة لم تكن في الحسبان. فقد اغتيل الفلسطيني محمود المبحوح في أحد فنادق إمارة دبي. واكتشف لاحقا أن الموساد الإسرائيلي هو الذي نفذ الجريمة التي شارك فيها 12 من عناصره دخلوا دبي بجوازات مزورة.

يومها أعلن رئيس شرطة دبي، ضاحي خلفان، أن حكومة بلاده لن تألو جهدا في تحديد هوية المجرمين وتعقبهم وتقديمهم للعدالة. ولكن ما إن اتضحت هوية المجرمين والجهة التي تقف وراءهم حتى أسدل الستار على الجريمة حتى اليوم. وربما يتصل ذلك بهوية المغدور وانتمائه. فهو محسوب على المقاومة الفلسطينية المسلحة المرتبطة بمنظمة حماس. وربما كان ذلك كافيا لانقلاب الصورة رأسا على عقب. فبدلا من تعقب القتلة والسعي لاتخاذ إجراءات دولية وإقليمية ضد «إسرائيل» نجم عن ذلك مسار خليجي جديد أدى لتطبيع العلاقات الخليجية ـ الإسرائيلية، حتى وصلت العلاقات إلى مستوى استقبال مسؤولين إسرائيليين في أبوظبي، وفتح مكتب إسرائيلي في العاصمة العمانية، مسقط، وعقد ورشة عمل اقتصادية في البحرين بهدف تدشين صفقة العصر الهادفة إلى غلق ملف الدولة الفلسطينية واحتضان الكيان الإسرائيلي. وثمة مؤشرات لطبيعة هذه العلاقات ترتبط بأمن بعض أنظمة دول مجلس التعاون الخليجي. جاءت تلك الاستعدادات بعد تجربة الربيع العربي الذي انهالت عليه قوى الثورة المضادة لتقضي عليه تماما، ولتقطع الحلم الذي راود كثيرين بإمكان التحول الديمقراطي في المنطقة العربية. ويبدو أن بعض أنظمة الخليج دخل في صفقات مع الكيان الإسرائيلي، فتحت المجال للحصول على دعم أمني في مقابل الاعتراف والتطبيع. ويعتقد الخبراء أن أجهزة الأمن الإسرائيلية أصبحت تمارس دورا في التصدي للحركات السياسية المعارضة وتترصد المعارضين. ويجدر هنا عرض بعض التطورات في بلدان خليجية ثلاثة: البحرين والسعودية والإمارات.

في 30 تموز/يوليو 2013 اغتيل المصرفي البحريني، حسين نجادي البالغ من العمر 75 عاما، في أحد شوارع العاصمة الماليزية، كوالالمبور، عندما أطلق مسلح عليه النار في أحد مواقف السيارات وأرداه قتيلا. ورغم تعهد الرئيس الماليزي آنذاك، نجيب رزاق، بمعاقبة القاتل، إلا أن القضية توقفت وأسدل الستار عليها. كان المغدور مصرفيا مرموقا في البحرين، ولكنه اعتقل في العام 1985 بعد أن واجه وزير الخارجية بشأن قرض من المصرف الذي يديره، فما كان من الوزير إلا أن أمر باعتقاله، وبقي سبع سنوات وراء القضبان، حتى برأته محكمة محلية، فخرج وفر بجلده إلى ماليزيا على أمل أن يعيش ما بقي من سنوات حياته آمنا. وربطت المعارضة البحرانية اغتياله بتوجهات الحكم نحو مزيد من العنف تجاه معارضيه. وسجلت حوادث عديدة استهدف فيها معارضون بحرينيون في بريطانيا، من بينها إشعال النار في منزل أحد رموز المعارضة، والاعتداء بالضرب على اثنين آخرين، والاعتداء على معارض كان مضربا عن الطعام خارج سفارة البحرين في لندن. يضاف إلى ذلك عمليات اغتيال استهدفت معارضين آخرين، كان أبرزها قتل ثلاثة شباب في عرض البحر، وذلك في شباط/فبراير 2017.

في الأسبوع الأول من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، اهتز العالم بقتل الإعلامي السعودي، جمال خاشقجي بعد دخوله مبنى القنصلية السعودية في اسطنبول. ورغم فداحة الجريمة والإعلام العالمي الذي كشف تفصيلاتها بدقة كبيرة على مدى شهور، وإصرار الأتراك على تعقب مرتكبي الجريمة ومخططيها، إلا أن الرئيس الأمريكي أصر على عدم السماح لتلك الجريمة بالتأثير على التعاون الاقتصادي والعسكري مع المملكة العربية السعودية. وفي يوم الأربعاء 28 حزيران/يونيو الماضي، قالت أنييس كالامار، مقررة الأمم المتحدة الخاصة بالإعدام خارج نطاق القضاء، إنه يتعين التحقيق مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ومسؤولين سعوديين كبار آخرين في مقتل الصحفي جمال خاشقجي؛ نظرا لوجود أدلة موثوق بها على مسؤوليتهم عن مقتله. وقالت كالامار: «هناك أدلة موثوقة كافية تتعلق بمسؤولية ولي العهد تتطلب إجراء مزيد من التحقيق». وثمة من يتساءل عما إذا كانت الإعدامات وفقا للنظام القضائي السعودي الذي لا يتوفر على معايير المحاكمة العادلة قتلا خارج القضاء. ومما يزيد الضغط على الرياض ظاهرة التمرد التي تتوسع تدريجيا، خصوصا بين النساء.

فبالإضافة إلى السجينات السياسيات اللاتي يرزحن وراء القضبان من دون تهمة أو محاكمة، توسعت ظاهرة الهروب من الجزيرة العربية من قبل شابات يبحثن عن ملاذات آمنة خارج بلادهن. وحتى نساء القصور الملكية أصبحن مصدر حرج للمسؤولين مرارا. وقبل خمس سنوات اهتمت وسائل الإعلام بقضية زوجة الملك عبد الله بن عبد العزيز، العنود الفايز، التي لجأت إلى لندن وبدأت تطالب ببناتها الأربع: جواهر وهلا ومها وسحر اللاتي اعتبرتهن «معتقلات» في القصر الملكي ولا يسمح لهن بمغادرته. كما سجلت اعتداءات على بعض المعارضين السعوديين في لندن، ومنها الاعتداء ومحاولة الخطف التي تعرض لها سعد الفقيه في 2003، وغانم الدوسري في تشرين الأول/أكتوبر الماضي.
وفي هذا الشهر، طفحت إلى السطح فجأة قضايا تتصل بدولة الإمارات العربية. حادثتان جذبتا الأضواء للأوضاع الداخلية في هذا البلد الذي يسعى قادته للتوسع والهيمنة، من أجل ضمان دور إقليمي ودولي. فقد فاجأ خبر وفاة خالد بن سلطان القاسمي، نجل حاكم الشارقة في لندن، الكثيرين الذين لم يتوقعوا رحيله بهذه السرعة في عمر لم يصل إلى الأربعين بعد. وانتشرت شائعات حول «اغتياله» لأنه أصبح يغني خارج السرب الرسمي، وقد فتحت شرطة لندن تحقيقا في الوفاة، إذ لم يخلص الطبيب الشرعي إلى نتيجة حاسمة في أسباب وفاة خالد، الذي اشتهر بعمله في مجال تصميم الأزياء العالمية، وقد أسس شركة في هذا المجال عرفت باسم «بيت أزياء قاسمي».

وقد بدأت التحليلات والتفسيرات حول هذه القضية، خصوصا أنها تزامنت مع تطور آخر تمثل بلجوء زوجة حاكم دبي، الشيخ محمد راشد آل مكتوم، إلى العاصمة البريطانية. وثمة أنباء تشير إلى خشية الأميرة هيا بنت الحسين على حياتها بعد فرارها من زوجها. وهربت الأميرة هيا في البداية إلى ألمانيا طلبا للجوء هذا العام، ويقال إنها تسكن حاليا في منزلها بالقرب من قصر كينسنغتون في وسط لندن، وتستعد لخوض معركة قضائية أمام المحكمة العليا في بريطانيا. فما الذي دفعها إلى الفرار من حياة البذخ في دبي؟ ولماذا يقال إنها «تخشى على حياتها»؟ مصادر قريبة من الأميرة قالت إنها اكتشفت مؤخرا حقائق مقلقة وراء العودة الغامضة للشيخة لطيفة، إحدى بنات حاكم دبي، العام الماضي، التي هربت من الإمارات بحرا بمساعدة فرنسي، لكن تم اعتراضها من قبل مسلحين قبالة سواحل الهند وأعيدت إلى دبي.

هذه مؤشرات خطيرة لاحتمالات تصاعد العنف الموجه ضد معارضي أنظمة الخليج المذكورة. فماذا تعني في مجملها؟

أهو توجه رسمي لتصعيد المواجهة مع معارضي الأنظمة؟ أم هو نتيجة متوقعة لسياسات هذه الأنظمة سواء على مستوى الحكم وأدائه المحلي أم على صعيد علاقاته الخارجية، خصوصا في مجال التطبيع مع «إسرائيل»؟ أهو تعبير عن حالة من الهيجان السياسي والاجتماعي ناجمة عن الشعور بالإحباط؟ أم إن المال النفطي الهائل دفع بعض هؤلاء الحكام للشعور بعظمة وهمية وقدرة غير محدودة على تجاوز القانون الدولي من أجل حماية مصالحهم وتوسيع نفوذهم؟

الأمر المؤكد أن دخول جهاز الموساد على خط استهداف معارضي بعض الأنظمة العربية زاد الوضع تعقيدا، وسوف يسبب مشاكل إضافية لأجهزة الأمن الغربية. كما أن ظاهرة التمرد النسائي من جهة، وقتل المعارضين أو استهدافهم بالعنف من جهة أخرى، تزيد تلك المهمة صعوبة وتعمق القلق في أوساط المعارضة.

عن صحيفة القدس العربي اللندنية

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

الأسرى: المرضى والجرحى بسجون الاحتلال يعانون أوضاعا صحية مقلقة

قالت هيئة شؤون الأسرى والمحررين في تقرير لها، اليوم الأربعاء، إن الأسرى المرضى والجرحى في ...