أميرة أبو الفتوح تكتب: عاش بطلًا ومات أسطورة تروى في التاريخ

لن أرثيه، فالرثاء يليق بالموتى، بل نرثي أنفسنا نحن الأحياء الأموات، والدكتور محمد مرسي ما هو بميت، وإن كان الجسد قد فارق الحياة وبقيت الروح تهيم على كل محبيه، والذين ثبت بالدليل القاطع أنهم بمئات الملايين. فقد صلى عليه صلاة الغائب الملايين من شتى بقاع الأرض، وها هي صفحات التواصل الاجتماعي تعج بالملايين تنعى الرجل ويبكي أصحابها على رحيله.

اختفت كل أخبار العالم، وتصدّر خبر وفاته المفاجئ داخل القفص الحديدي في قاعة المحكمة؛ العناوين الرئيسية في كل الصحف والمجلات العالمية. وكان أهم خبر تناقلته جميع وكالات الأنباء العالمية ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة في العالم، إلا الصحف المصرية التي جاء الخبر فيها من ستة أسطر فقط في صفحات الحوادث، وكلها بصيغة واحدة كأنها أمليت عليهم جميعاً من جهة معينة معروفة للجميع؛ تسيطر على الإعلام. لم يذكر الخبر صفة الرجل الذي سقط في المحكمة، ولا حتى صفته العلمية التي حصل عليها من أفضل جامعات العالم في أمريكا، واكتفوا فقط بـ”المتوفى” محمد مرسي! وبصرف النظر عن انعدام المهنية الصحفية التي أصابت الصحافة والإعلام المصري بوجه عام بعد الانقلاب، فإنها تدل على مدى الخسة والدناءة التي وصل إليها هذا النظام الغاشم الذي يخاف من رجل مات، كما كان يخاف منه وهو حي أسيرا وراء الأسوار، فعزله عن الناس ووضع زجاج كاتم للصوت على قفصه حتى لا يُسمع صوته وتُحجب الحقيقة عن الناس، وخافوا من أن ينطق جثمانه، فمنعوا دفنه في بلدته الصغيرة ومنعوا تشييعه في جنازة عامة والصلاة عليه، وأمروا بدفنه سريعاً في حلك الظلام!! ولكن أبى الله إلا أن يصلي عليه الملايين في أصقاع الأرض.

لقد خاف النظام من الرئيس محمد مرسي لأنه يمثل رمزاً للبطولة والنضال من أجل الحرية والكرامة والعدالة، عاش بطلاً مدافعاً عن القيم الإنسانية النبيلة، ومات بطلاً من أجل الحفاظ عليها، ولم يرض المساومة على مبادئه ولا التنازل عن قيمه التي ناضل سنوات عمره من أجلها، ولم يخن ولم يتبدل، مفضلاً السجن على قبول الضيم. لقد قال في آخر خطاب له قبل الانقلاب العسكري: “لن أتخلى عن الشرعية ولو كان ثمنها حياتي أنا، ليعلم أبناؤنا أن آباءهم وأجدادهم كانوا رجالاً؛ لا يقبلون الضيم ولا ينزلون أبدا على رأي الفسدة، ولا يعطون الدنية أبدا من وطنهم أو شرعيتهم أو دينهم”.

كان رجلا في زمن عز فيه الرجال في أمتنا البائسة، دفع حياته ثمنا لصموده وتمسكه بشرعيته في وجه الانقلاب العسكري. كان بإمكانه قبول الانقلاب وقبول ما عرض عليه، من الخروج الآمن والإقامة في أي دولة في العالم وعدم التعرض له أو لعائلته، ولكنه تمسك بشرعيته ولم يحنث بقسمه، وأوفى بما تعهد به أمام الـ13 مليون مواطن الذين أعطوه أصواتهم في الانتخابات وأصبحوا أمانة في عنقه، ولم يخنها أو يفرط فيها ويخذل ناخبيه، ودفع حياته ثمناً لهذه البيعة!

لم يمت الرئيس محمد مرسي يوم 17 حزيران/ يونيو عام 2019، بل كانت وفاته المعنوية يوم 3 تموز/ يوليو عام 2013؛ يوم حدث الانقلاب عليه. كانت وفاته الحقيقية يوم اغتالوا الشرعية التي أراد بها أن يؤسس لبناء سياسي جديد؛ يُخرج مصر من الحكم العسكري التي ترزح تحته منذ أكثر من 60 عاما. فموت مرسي المادي هو موت لشخص، لكن موته المعنوي هو موت لنهج أراد أن يرسخه في التربة المصرية لتلحق به الأمم المتحضرة، وهو في الوقت ذاته موت لأكثر من 13 مليون مواطن اختاروه رئيسا ليسيروا خلفه ومعه في هذا النهج الحضاري.. هؤلاء وغيرهم من الملايين المظلومين والمستضعفين في الأرض، الذين يتطلعون إلى الحرية والكرامة والعدالة في بلدانهم، سيحولون موته إلى قصة وجدانية تتوارثها الأجيال، ويمتد معها عمره في سجل الخالدين. إنه الرمز الذي يحاكي آمالهم ويسيرون على دربه، إنه جذوة الحماس التي ستشتعل في نفوسهم، ونور الأمل الذي سيضيء طريقهم نحو الحرية والثورة.

هل يستطيع مَن اغتالوه معنوياً أو مادياً أن يمحوا تاريخه من سجلات التاريخ كما أرادوا، من خلال أبواقهم الإعلامية؟ لا والله لن يستطيعوا أبداً، حتى لو امتلكوا آلاف الفضائيات والصحف، ومهما حاولوا تشويه الرجل فلن يستطيعوا النيل منه، فلقد دخل التاريخ من أوسع أبوابه بصموده البطولي أمام آلاتهم العسكرية وبطشهم واستبدادهم.

سيخلده التاريخ ولن يمحو ذكراه أبدا، وسيكتب بأحرف من نور أن الرئيس الدكتور محمد مرسي هو أول رئيس مدني منتخب في انتخابات حرة ونزيهة؛ شهد بها العالم أجمع في تاريخ مصر على امتداد سبعة آلاف عام، والمنطقة العربية ككل، وأنه أشرف رئيس شهدته مصر، فهو الرئيس الذي لم يتقاض مرتبه طوال العام الذي حكم فيه، وظل يقيم في شقة بالإيجار كان يعيش فيها قبل انتخابه، ولم ينتقل للعيش في أي قصر من قصور الرئاسة التي عُرضت عليه، وأنه لم يتربح هو ولا أسرته مليماً واحداً من منصبه، كالرئيس المخلوع حسني مبارك وعائلته؛ الذين نهبوا المليارات من الدولارات من خزينة الدولة وحولوها لبنوك في الخارج، واشتروا القصور والفيلات في أوروبا وأمريكا..

لقد أتعب الرئيس محمد مرسي نظام الانقلاب في البحث والعثور على أي شيء مادي اختلسه أو أي ورقة تدينه مالياً ليلوث سمعته بها ويُحاكمه عليها، فلم يجد غير أنه كان يريد أن تستقل مصر اقتصاديا لتملك قرارها المستقل، وينهي عصور التبعية والهوان، وأنه أراد لمصر أن تنتج غذاءها ودواءها وسلاحها، وأنه كان يناصر الثورة السورية؛ فلا ننسى نداءه “لبيك يا سوريا”، وكان يناصر القضية الفلسطينية، ولا ننسى أيضا مقولته التي زلزلت الأرض من تحت أقدام الصهاينة أثناء عدوانهم على غزة في أواخر عام 2012: “لن نترك غزة وحدها، ويجب أن تعرف إسرائيل أن مصر بعد ثورة 25 يناير ليست كما كانت قبل الثورة”.

هذه هي القضايا الحقيقية التي يُحاكم من أجلها، فلفقوا له تلك التهم السياسية التي لا أساس لها وليس عليها أي دليل، كتلك القضية التي استشهد في قاعتها؛ تهمة “التخابر مع حماس”، وهي شرف له تزيده عزة، وليس “التخابر مع الكيان الصهيوني”، ولكننا في زمن تحول البوصلة وانقلاب المعايير، بحيث أصبح التواصل مع أخوة الدم والدين والعروبة تهمة وخيانة عظمى تستوجب الإعدام، بينما الارتماء في أحضان العدو الصهيوني هو قمة الإخلاص للبلد والمعنى الجديد للوطنية!!

سيشهد التاريخ أيضا أن دول الغرب والكيان الصهيوني ودولتي السعودية والإمارات؛ قد شاركوا جميعاً بالانقلاب عليه، فكان انقلاباً عالمياً، ولأول مرة في التاريخ، برعاية تلك الدول.. لقد صرفت عليه السعودية والإمارات مئات المليارات من الدولارات خوفاً من نجاح حكم الإخوان، وأن تستعيد مصر مكانتها كقاطرة للدول العربية وليضيع الدور السعودي الذي تمدد عندما انكفأت مصر على نفسها وتخلت عن دورها التاريخي، وتركته للسعودية لتعبث وتخرب في الدول العربية. لقد خافت السعودية والإمارات أيضا من انتقال رياح التغيير إليهما فتهوي عروشهما، كما خاف الكيان الصهيوني من نظام يعاديه في مصر، فتآمر الجميع على ثورة 25 يناير ورمزها الذي أتت به إلى سدة الحكم. وحدث الانقلاب ليطاح بأول رئيس مدني منتخب..

من مفارقات القدر، أنه مات في نفس اليوم الذي فاز فيه في الانتخابات الرئاسية. لقد اختار له الله الموت شامخاً عزيزاً في قاعة المحكمة التي يحاكم فيها بتهم باطلة، وفي قضايا ملفقة للنيل من كرامته وهيبته. لقد شاء عز وجل أن يعزه ويجنبه مزيداً من جرعات القهر والإذلال التي كانت تمارس عليه يومياً، ورحمه من مذلة تعليقه في حبل المشنقة كما كانوا ينوون من هذه القضايا التي يتهمونه فيها زوراً وبهتاناً بالتخابر والخيانة العظمى، فقبضه الله إليه قبضاً يسيراً في محكمة الأرض، فلم يرد الله أن يحكم عليه الظالمون المجرمون، وحرمهم من فرصة التشفي فيه، فجاء الحكم الإلهي برفع الجلسة مؤقتا حتى يجتمع الخصوم عند الله في محكمة إلهية لا يظلم فيها أحد..

لقد أعزه الله حياً فكان رئيساً منتخباً، ورفعه شهيداً ليصبح الرئيس الشهيد. وهكذا أطلق عليه الملايين من الأحرار في أمتنا الجريحة..

“من المؤمنين رجال صدقوا ما عهدوا الله عليه”.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

مسعود حامد يكتب: صورة النيل في عيون الشعراء

لم يخطر ببال أي من الأدباء المصريين أن يجف نهر النيل لأي سبب بل تغنوا ...