ساري عرابي يكتب: محمد مرسي.. رحيل الفارس الفتّان

استشهد الدكتور محمد مرسي، الرئيس المصري، المقتول غيلة وغدرا في السجن، بالإهمال الطبي أو بالسمّ، لا ندري.. ليكون في شهادته، كما في رئاسته، كما في سجنه ومظلوميته؛ فتنة للناس. والله يفتن الناس بعضهم ببعض، ويبلوهم بالخير، كما يبلوهم بالشرّ، فتنة..

لجلال هذا الرحيل وهيبته، لا نقف طويلا عند فتنته للناس في رئاسته، وقد استكثرت عليه أقوام اختيار الناس له، وحسده آخروه، وعجز غيرهم عن التمييز بين الخصومة الشريفة التي لا تُهدم فيها البلاد ولا يُسحق فيها العباد، ما دام المرء لم يفرض نفسه على الخلق بالموت والسجن وقطيعة الرزق، ولم ينل غايته بالكيد الخسيس، وبين الخصومة الدنيئة التي تُنبِتُ الفساد على هيكل “الأنا”.. أنا النفس المريضة، وأنا الأيديولوجيا الحقودة، وأنا السياسة المتوحشة، حتى يفشو الخراب ويختنق به العباد.

نبت غيره فاسدا على هيكل الأنا، ونبت الرجل فارسا نبيلا على هيكل القضية، وفُتنت أقوام به، وخلطوا بين خطأ اقترفه هو ومن معه، فيما حقّ لهم أن يبحثوا عن الصواب فيه فلم يُوفّقوا، وبين باطل لم يقصدوه، فجعلت تلك الأقوام، وهي أحسن خصوم الرجل، الخطأ في البحث عن الحقّ كالباطل المحض، ويكأنّهم أرادوا من الرجل ومن معه سياسة من تدبير الملائكة، وما هم (أي خصومه من كل صنف)، بالملائكة، أو استعظموا أن يدبّر الرجل ومن معه خارج المسجد، أو على ضفّة ميدان النضال.. ثمّة من يرى الحياة كثيرة على الرجل ومن معه، يستكثرون عليهم الوجود المجرّد، أمّا وهذه بيد الله، فإنّهم يمنّنون عليهم بالمسجد، أو يشترطون عليهم المكث الأبدي في ساحة الحرب، وإلا فالموت في السجن!

لم يطل الوقت، وإذا بيد الحكيم تكشف ضباب الغيب عن الصورة، فكاد الصهيوني أن يصيح، بل فعل، وقال إن السيسي، الذي خان مرسي ثم قتله في السجن، هو ذخرهم الاستراتيجي، وإذا بالتدبير الأمريكي لتصفية القضية الفلسطينية يصطفّ فيه كل قتلة مرسي، ومدبّري الانقلاب عليه..

رائحة النفط تزكم الأنوف، ومليارات الدولارات مغمّسة بالدم والغدر والخيانة، مياه النيل وأرض مصر وغاز بحرها كلّها تُدفع ثمنا للتخلّص من الرجل والتمكين لعدو الأمّة المزروع في قلبها، ومدن مصر في سيناء تُجرّف ويُشرّد أهلها وتسوّى بالأرض تسوية للصهيوني وتسوية على الأمّة بأسرها، وإذا بكل ما رموا به الرجل كذبا وعدوانا يمعنون فيه قصدا وإرادة، والحمقى أسهم في كنانة مصّاصي الدماء، وصُنْجٌ في أكفّ الراقصات في الأعراس الصهيونية.

مضى وقت يسير، انكشفت فيه الحقائق، ولكنّ الأزمة لم تكن أزمة حقيقة، ولا اختلاف سياسات، ولا صراع أفكار، وإنّما أزمة أخلاق، فبعد أن بان كل شيء، وما عاد جلاء الحقيقة يحتمل طروء الغبش.. انقسم خصوم الرجل في موته فريقان، فريق فاجر، خُتم على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم، فلا نظرة جديدة، ولا حرمة للموت، ولا مراجعة للنفس، فأمعنوا في اغتيال الرجل بعد موته، وغاظهم رحيله المشرّف، وأفزعهم حزن الناس عليه، وافترستهم مناقبه التي أخذ الناس يحصونها.

وأمّا الفريق الآخر، فذاك الذي لا يعينه ضميره على قول “رحمه الله” دون “لكن”، ودون إشارة إلى “الاختلاف”، فيصرّ على فتح السجال في لحظة ارتقاء الفارس، الذي أمكنه، والله، أن يبيع قضيته التي نبت عليها، ويدخل في حلف الفجّار، ويغطي فجورهم بكلمة واحدة منه، فيرفل فيما شاء من مال وحرير، وينتقل فيما شاء من يخوت وطائرات، ويستظل بما شاء من قصور وعمارات، ولكنّه أبى، والله أكرم من أن يدع البشر دون مَثَلٍ كهذا، يعدل به ميزان الأرض، ويثبت به بقية الصالحين..

هؤلاء وكأنّهم يستكثرون على الرجل كلمة عزاء، ولعل منهم، من يستكثر عليه الوجود أصلا، فالفناء الأصل الذي يرونه للرجل ومن يشبهه. الكل أبى، هو أبى فكان محل اختيار الله لمَثَل الرجل الصابر الصامد الذي يختار السجن والموت على الدنية، وهم أبوا فكانوا محلّ الفتنة يرتكسون فيها كلما رُدّوا إليها.

مرسي، الفارس النبيل، الذي له اليوم منّة في رقبة كل صابر تحاصره الوحشة وهو يواجه فساد هذا العالم.. مرسي الفتّان، يأسر أقواما بنبله فتستوي صلابتهم على دربه، ويفتن آخرين فيرتكسون في الفتنة.. دمه اليوم، فرصة التصحيح العظيم، لمن معه، ومن خالفه، ممن لم تزل لهم قلوب يعقلون بها، وأخلاق يحتكمون إليها، لمن شاء منهم أن يستقيم.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

سليم عزوز يكتب: سد النهضة.. “عليه العوض ومنه العوض”!

ليس خبراً أن يقال فشل مفاوضات سد النهضة، أو أن المفاوضات وصلت لطريق مسدود، هذا ...