عبد الله الأشعل يكتب: الميزان الدبلوماسي بين العرب وإسرائيل

الأصل أن كل العرب كانوا متضامنين مع فلسطين ضد إسرائيل، ويبدو أن إسرائيل قدرت أن هذا الصف العربي بقيادة مصر خطر على إسرائيل، فإذا كسرت مصر انكسر العرب. وكان الصراع مع إسرائيل صراعا سياسيا، ولكن إسرائيل هي التي حولته إلى صراع عسكري.

وكان العرب وحتى هذه اللحظة تائهين إزاء ظاهرة إسرائيل، فظهرت في تلك الفترة أربع نظريات في تكييف طبيعة الصراع:

النظرية الأولى تذهب إلى أن الصراع مع إسرائيل صراع على الحدود والتوسع خارج قرار التقسيم. ولكن حتى إزاء هذه النظرية، لم ينسجم السلوك العربي مع هذه المعطيات.

النظرية الثانية، هي أن الصراع مع إسرائيل صراع حضاري على افتراض أن كلا من العرب وإسرائيل أصحاب حضارة، والثابت أن كليهما ليس له حظ من الحضارة؛ لأن العرب تمتعوا بالحضارة الإسلامية، وحتى في الأندلس كانت الحضارة إسلامية، وأما إسرائيل فهي مشروع دموي إجرامي يتناقض مع الإنسانية كلها، ولذلك سقطت نظرية الصراع الحضاري، مثلما سقطت بسلوك إسرائيل نظرية صراع الحدود.

لا يجوز أن ننظر إلى سلوك إسرائيل والولايات المتحدة بمعزل عن هذا السياق، وهو طمس الهوية العربية والإسلامية للمنطقة وسيادة الهوية الصهيونية

النظرية الثالثة، هي صراع الوجود، ولذلك استبعدت هذه النظرية كل الطروحات الخاصة بإمكانية إقامة سلام بين الفلسطينيين وإسرائيل. ولكن إسرائيل خلال هذه الأثناء كانت منهمكة في أن يكون الوضع على الأرض قريبا من آمالها في المشروع الصهيوني. ذلك أن إسرائيل نظرت إلى العرب من محورين؛ الأول هو الادعاء والزعم بأن السلام ممكن بين الطرفين إسرائيل والعرب مقابل الحقوق الفلسطينية، والمحور الثاني هو أن السلام بين إسرائيل والعرب هو إطلاق يد إسرائيل في فلسطين، ولذلك فإن سلوك إسرائيل كان يتجه إلى تحقيق هذه الغاية، وهي ما تجسدها صفقة القرن.

والحق، أن هناك نظرية رابعة كانت معروفة منذ البداية ولكن العرب لم يلحظوها، وهي أن إسرائيل تنفذ المشروع الصهيوني الذي ينتهي بطبع المنطقة بطابعه، وإنهاء الهوية العربية.

ولذلك، لا يجوز أن ننظر إلى سلوك إسرائيل والولايات المتحدة بمعزل عن هذا السياق، وهو طمس الهوية العربية والإسلامية للمنطقة وسيادة الهوية الصهيونية، بعد أن يصبح الشرق الأوسط مركزه إسرائيل وسط الخرائب العربية وبعد اختفاء فلسطين. تلك هي الصورة الحقيقية التي تعمل إسرائيل منذ قيامها على تحقيقها.

وقد اجتازت عدة محطات لكي تحقق هذا الهدف الكبير، ونستطيع أن نحدد عدة محطات في مسيرة هذا المشروع على أساس أن العرب تقودهم مصر، فإذا ضُربت ومصر وتخلت؛ سهل على إسرائيل أن تنهش الجسد العربي بعد أن تكون قد أجهزت على مصر.

مصر في المشروع الصهيوني هي البداية والنهاية، وأن تمزيق المنطقة العربية مخطط له لإضعاف مصر؛ لأن مصر القوية كان يخدمها وحدة العالم العربي، فلما أصبحت الدول العربية بعيدة عن مصر بانحرافها نحو إسرائيل؛ تغيرت موازين القوى

يترتب على ذلك أن مصر في المشروع الصهيوني هي البداية والنهاية، وأن تمزيق المنطقة العربية مخطط له لإضعاف مصر؛ لأن مصر القوية كان يخدمها وحدة العالم العربي، فلما أصبحت الدول العربية بعيدة عن مصر بانحرافها نحو إسرائيل؛ تغيرت موازين القوى، وصار الخليج بدعم أمريكي وإسرائيلي هو مركز الثقل في السياسات العربية.

المحطة الأولى هي ضرب المشروع العربي المصري عام 1967، علما بأنها قدمت بهذه الضربة باحتلال سيناء عام 1956، مما دفع المراقبين إلى افتراض أن سيناء سوف تكون الضحية الثانية بعد فلسطين، ما دامت سيناء تحت الاحتلال الإسرائيلي أفضل آلاف المرات من سيناء بعد عودتها بترتيبات معينة إلى مصر. بل أكاد أقول جازما إن إسرائيل كان لها يد في ترتيب بداية الحكم العسكري واستمراره في مصر منذ عام 1952، وهي حريصة على استمراره والدفاع عنه ما، دام قد اهتدى إلى حسن الجوار مع إسرائيل كسياسة عملية.

وقد قلنا مرارا إن السرطان الصهيوني لا يمكن دفعه إلا بتقوية مصر ضمن إطار عربي أشمل، ولذلك فإن عزل مصر وإضعافها في الإطار العربي كان نتيجة لهزيمة مصر عام 1967، فلم تكن صدفه أن استولت إسرائيل على كل فلسطين وأحرجت عبد الناصر باحتلال سيناء، رغم حديث الإعلام عن قوة مصر الصاروخية وتقدمها إلى تل أبيب.

المحطة الثانية هي الثغرة في حرب 1973، ومنها أدركت مصر أن ميزان القوة بينها وبين إسرائيل يفرض عليها التخلي عن دورها العربي، وحققت ذلك بالخروج من معاداة القوة في المنطقة بصفقة السلام بين مصر وإسرائيل، وكانت تلك هي البداية العملية للانكسار الدبلوماسي بين العرب وإسرائيل. فالمحطة الثالثة هي صفقة السلام، وتبعتها الرابعة في أوسلو، ثم الخامسة مع الأردن في وادي عربة، ثم أصبحت إسرائيل في مركز القاهر لهذه المنطقة عندما تبدد النفوذ العربي الجماعي بعد تآكل النفوذ المصري. ولذلك، تعمل إسرائيل على استمرار إضعاف مصر وتراجعها في الداخل والخارج واستمرار عدم تأثيرها للإطار العربي، وتشجيع القوة الخليجية التي تخدم تماما المصالح الإسرائيلية.

وإذا قدمنا صورة لميزان القوة الدبلوماسي بين العرب وإسرائيل، اتضح لنا أنه لا يمكن الحديث عن العرب ككتلة، كما لا يمكن الحديث عن تأثير العرب مع الفلسطينيين، وإنما انقلب هذا التأثير ضد الفلسطينيين وصارت إسرائيل أقرب إلى دول الخليج من الفلسطينيين بدعم أمريكي.

إذا قدمنا صورة لميزان القوة الدبلوماسي بين العرب وإسرائيل، اتضح لنا أنه لا يمكن الحديث عن العرب ككتلة، كما لا يمكن الحديث عن تأثير العرب مع الفلسطينيين، وإنما انقلب هذا التأثير ضد الفلسطينيين

ومن الطبيعي أن الجهود العربية صارت تتماهى مع المشروع الصهيوني على الأقل على المستوى الرسمي، حيث تسعى إسرائيل إلى تغيير الهوية العربية والإسلامية ورسم صورة سلبية للعرب والمسلمين، بحيث يفقدون الثقة في أنفسهم ويتمنون أن يتقدموا كما تقدمت إسرائيل.

والخلاصة، فقد العرب التأثير في العالم كله، واستردت إسرائيل مواقع مفقودة في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. ومن سخرية القدر، أن الذي ينافس إسرائيل في هذه الدول هي إيران، وأن العرب ينخرطون في حلف مع إسرائيل ضد إيران.

لقد كان البترول العربي في الماضي أهم أدوات الضغط العربي اقتصاديا ودبلوماسيا، وكانت الكتلة العربية تهدد بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الدول التي تعترف بإسرائيل، كما أن التحالف السعودي الأمريكي كان يبرره البعض بأنه ورقة ضغط سعودية على السياسات الأمريكية.

ولا شك في أن قوة إسرائيل الدبلوماسية وانتشارها في العالم، وتنفيذ برامجها ضد العرب والمسلمين، وتجنيد أمريكا لخدمتها وشل الإرادة الأوروبية في مواجهتها، وانتخاب إسرائيليين لرئاسة بعض لجان الأمم المتحدة، مثل اللجنة السادسة، لهو أكبر دليل على مكانة إسرائيل الدبلوماسية.

توحش إسرائيل، وإجبار الحكام العرب على أنها المدخل إلى البيت الأبيض وإلى استمرار وجود الحكام في مناصبهم؛ قد فصل الحكام عن أوطانهم فأصبحوا في المعسكر الإسرائيلي ضد شعوبهم

ولا شك في أن توحش إسرائيل، وإجبار الحكام العرب على أنها المدخل إلى البيت الأبيض وإلى استمرار وجود الحكام في مناصبهم؛ قد فصل الحكام عن أوطانهم فأصبحوا في المعسكر الإسرائيلي ضد شعوبهم وأوطانهم. ويجاهر بعضهم بهذه الحقيقة المرة في تحد ظاهر لمشاعر شعوبهم. وتكفي مراجعة الكلمات الرسمية للحكام العرب في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2018، واعتزاز نتنياهو بأنه أحدث ثورة في العقل الرسمي العربي مكنته من تحويله من عدو إلى حليف، وتسهيل التخلى عن فلسطين والمقاومة، وحلول إيران محل إسرائيل فى طاقة العداء العربي.. والخاسر الأكبر من هذه المعادلة هو مصر التي بدأت خسارتها تتصاعد منذ عام 1967، ثم أقرت بهذا الواقع المهين فى صفقة السلام مع إسرائيل، حتى صارت إسرائيل لديها الأوراق في سد النهضة، ولا تملك مصر ورقه واحدة. أي أن إسرائيل تستطيع من خلال سد النهضة أن تنهي الوجود المصري على الخريطة.

وفي النهاية، إذا كانت مصر هي بوابة التداعيات للمحطة الصهيونية الأخيرة، فإن مصر لا بد أن تكون القوة الصاعدة لقلب الأوضاع التي تراكمت لستة عقود، ويبدأ ذلك بترتيب أوضاع السلطة وأوراق القوة في الداخل.

وأخيرا، خسر العرب لصالح إسرائيل الصين وروسيا والهند، وتوسع الاعتراف والعلاقات معها حتى بلغ عدد الدول التي تعترف وتقيم علاقات مع إسرائيل 163 دولة، طبعا بدغم واشنطن وأوروبا. وكان العرب يعزلون إسرائيل دبلوماسيا علي المستوي العالمي وفي المنظمات الدولية، ويكفي أن تلقي نظرة على سجلات التصويت في الأمم المتحدة لتصاب بغصة على ما فعلناه بأنفسنا.

مصر هي البداية والنهاية. ومنذ رفرف العلم الإسرائيلي على نيل القاهرة، والتراجع والتردي مستمر لمصر ببرنامج إسرائيلي منسق.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

ياسر الزعاترة يكتب: قتلوه؟ نعم قتلوه.. لماذا؟

لم يمت بسبب المرض، ولا بسبب الإهمال الطبي رغم وجوده؛ لأن المرض والإهمال الطبي يقتل ...