مصطفى عبد السلام يكتب: العرب ومأزق أسعار النفط

يبدو أن العالم بات على موعد مع دورة هبوط جديدة في أسعار النفط، دورة قد تعادل في حدتها دورة ما بعد العام 2014 التي تبعها تراجع سعر البرميل إلى أقل من 30 دولاراً كما حدث في بداية العام 2016، وكذا تعرض اقتصاديات دول عربية كبرى منتجة للنفط لهزات مالية وعجز كبير في الموازنات العامة بسبب انهيار الإيرادات من الصادرات البترولية.

مؤشرات وأسباب الدورة الجديدة كثيرة، فالصين أكبر دولة مستهلكة للطاقة وخاصة من النفط والغاز، تشهد تراجعاً ملحوظاً في استهلاكها، وإذا ما استمرت الحرب التجارية الشرسة الحالية بنفس الوتيرة فإن معدل النموّ الاقتصادي في الصين سيتراجع وكذا الصادرات الخارجية، وهو ما سيؤثر سلباً على استهلاك قطاعها الإنتاجي والصناعي من النفط.

ومع إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تصعيد الحرب التجارية مع الشركاء التجاريين، وعلى رأسهم الصين والاتحاد الأوروبي والمكسيك، فإن هناك توقعات قوية بحدوث ركود في الاقتصاد العالمي، وهذا الركود سيتبعه تراجع في معدل النموّ، ومن ثم تراجع الطلب على النفط، وهو ما يدفع الأسعار للتراجع.

وهناك أسباب أخرى تتعلق بزيادة الإنتاج النفطي الأميركي وخاصة من النفط الصخري مع تسارع عمليات التنقيب والاكتشافات ومحاولة سد النقص في الأسواق الدولية الناجم عن فرض حظر على النفط الإيراني، وهو ما يزيد العرض النفطي في الأسواق ويدفع الأسعار للتراجع.

وربما دفعت تخوفات تكرار دورة انهيار أسعار النفط في فترة ما بعد العام 2014 اليوم، اثنين من أهم الوزراء الروس، إلى إطلاق تصريحات متشائمة بشأن الأسعار، الأول هو وزير الطاقة ألكسندر نوفاك الذي قال إن تصور هبوط أسعار النفط إلى 30 دولاراً ليس مستبعداً إذا لم يتم تمديد اتفاق النفط العالمي المبرم في اطار آلية (أوبك+)، والثاني هو وزير المالية أنطون سيليانوف، الذي قال إن الأسعار ربما تهبط دون 40 دولاراً للبرميل إذا لم تمدد أوبك وحلفاؤها اتفاقاً بشأن الإنتاج، والتصريحان يعبران عن هاجس ومخاوف كبار منتجي النفط وفي المقدمة روسيا التي تصنف على أنها أكبر منتج للنفط من خارج منظمة أوبك.

وحتى إذا ما حدث اتفاق بين أعضاء منظمة أوبك والمنتجين خارجها بتمديد اتفاق قرار خفض الإنتاج بنحو 1.2 مليون برميل يوميا، فإن الأسعار مرشحة للتراجع لأسباب تتعلق بالركود العالمي المتوقع واستمرار الحرب التجارية، وربما هذا يفسر الإعلان اليوم عن زيادة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للسعودية في شهر أكتوبر/ تشرين الأول المقبل لبحث ملفات منها النفط، علما بأن بوتين صرح قبل أيام بأن 65 دولاراً سعراً للبرميل تناسب روسيا، في حين ترغب السعودية في زيادته لأكثر من ذلك.

تكرار دورة 2014، وتوقعات بتراجع أسعار النفط لمستويات 30 دولاراً، يضعان الدول الخليجية المنتجة للنفط في مأزق، وفي المقدمة السعودية أكبر منتج للنفط في العالم والتي تعاني من عجز في الموازنة العامة يقدر بـ 35 مليار دولار للعام 2019. كما أن تراجع أسعار النفط ستكون له انعكاسات خطيرة على دول عربية يعدّ البترول المصدر الرئيسي لإيراداتها العامة، ومنها العراق والجزائر وليبيا.

لكن مع التراجع المتوقع في أسعار النفط في الأسواق العالمية، ماذا عن المواطن العربي الذي يترقب زيادات جديدة في أسعار المشتقات البترولية بدلاً من الاستفادة من التراجع الحالي في الأسعار؟

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

محمد كريشان يكتب: الضرب للسعودية و«التفلسف» للإمارات!

«تبرير الهجوم الإرهابي وغير المسبوق على منشآت أرامكو من باب تطورات حرب اليمن مرفوض تماما، ...