عبد الله العمادي يكتب: إعـدامات السعـودية ودوامة الصمت

منذ عامين، وحملة اعتقالات مكثفة ومستمرة لا تتوقف في السعودية. طالت كثيراً من رموز التيار الإسلامي، بفرعيه السني والشيعي، وكذلك التيار الليبرالي على حد سواء، والحكومة السعودية تصم آذانها عن كل الأصوات الحقوقية والإنسانية المنددة بما يجري في معتقلاتها تجاه المئات من الرموز المجتمعية، دون توجيه تهم واضحة مقنعة، ودون إعطاء المعتقلين أبسط حقوقهم المتمثلة في اختيار محامي دفاع، أو على أقل تقدير، حقهم في محاكمات علنية شفافة.

منذ أن طالت حملة الاعتقالات في 2017 عديد الرموز من التيار الإصلاحي مع عدد من التيار الليبرالي، وتسريبات متنوعة تصل إلى الإعلام هنا وهناك بعزم الحكومة السعودية إنزال عقوبة الإعدام في أعداد منهم تعزيراً، بعد أن ساق الادعاء العام السعودي تهماً سياسية بحقهم، ورفعها لقضاء يشتبه في انحيازه التام للقرار السياسي.

ومن تلك التهم: التحريض على الخروج على ولي الأمر وولي عهده والتشكيك في الذمم والإساءة للمسؤولين في الدولة، والاستهزاء بهيئة كبار العلماء والتشكيك في أمانتها وأن أعضاءها ما هم إلا مجرد أدوات للسلطة. ومن الاتهامات أيضاً السعي لغرس بذور الفتنة والانشقاق في المجتمع، ووصف نظام الحكم السعودي بأنه نظام أمني قمعي، قائم على الظلم والقمع ويتستر بالدين، إلى آخر قائمة طويلة عريضة من التهم التي لا يتسع المجال ها هنا لعرضها.

ويكفي أن أحدهم وهو الشيخ سلمان العودة، تجد في صحيفة الاتهام الخاصة به أكثر من ثلاثين تهمة، لا تستند إلى أدلة صلبة وواضحة، دون معرفة لمدى توافق تلك التهم والأحكام مع ضمانات محاكمة عادلة، سواء تلك الواردة في القانون الدولي، أو موافقتها لأحكام وروح الشريعة الإسلامية السمحاء.

هل يتنبه الداخل السعودي أولاً وكذلك الدولي، قبل أن تقع مذبحة حقيقية لمئات، ذنبهم الوحيد أن قالوا ربنا الله؟ كما أن المجتمع الدولي بكل مؤسساته مطالب بالتدخل ها هنا، والكف عن نفاقه وازدواجيته الممقوتة لاسيما في قضايا المسلمين وتحديداً بمن يتم تسميتهم زوراً وبهتاناً في الإعلام العربي والغربي، بحاملي فكر تيار الإسلام السياسي، والإسلام كله سياسة

بحسب متابعة المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان للكثير من المحاكمات في السعودية بشكل عام، ومحاكمات بعض ضحايا الإعدامات التي نفذت في 23 أبريل 2019، فقد أكدت المنظمة ابتعاد نظام القضاء في السعودية وبشكل كبير عن شروط ومبادئ المحاكمات العادلة، رغم عديد النداءات الدولية التي طالبت الحكومة السعودية بإعادة المحاكمات، نتيجة للعيوب العميقة في المحاكمات، وعدم استقلال القضاء..

وقد نشرت المنظمة مقارنة لأرقام الإعدامات المنفذة في السعودية في سنوات حكم الملك سلمان الخمس من بدايته وحتى 23 إبريل الفارط، حيث نفذت 68 حكماً بالإعدام في 2015، ثم 86 في 2016 وانخفض في 2017 الى 33 ليقفز مجدداً في 2018 إلى 48، ليرتفع إلى رقم كبير هذا العام الذي لم ينته بعد، ليصل حتى إعدامات إبريل الماضي إلى 107 من بينهم أطفال قاصرون ونساء ومتظاهرون وناشطون وغيرهم..

نظرية دوامة الصمت

التسريبات الأخيرة التي نشرها موقع «ميدل إيست آي» البريطاني يوم أمس الأول الثلاثاء، حول نية وعزم الحكومة السعودية إنزال عقوبة الإعدام بثلاثة من أبرز رموز تيار الصحوة الإسلامية، وهم الشيخ الدكتور سلمان العودة، والشيخ الدكتور عوض القرني، والشيخ الدكتور علي العمري بعد رمضان، إنما هي جزء من تطبيق عملي لما تسمى في الإعلام بنظرية دوامة الصمت، التي ملخصها يدور حول قيام أي نظام حاكم مسيطر على وسائل الإعلام في البلد، بدفع تلك الوسائل نحو تبني آراء أو اتجاهات معينة خلال فترة زمنية معينة، تجعل بالتالي معظم الأفراد يتحركون في الاتجاه الذي تدعمه وسائل الإعلام، ليتكون كمحصلة نهائية رأي عام يتسق ويتوافق مع الأفكار التي تدعمها وسائل الإعلام، والتي هي أفكار السلطة أو النظام الحاكم.

هذه أولى النتائج، فيما ثانيتها أن تجد الأفراد المعارضين للقضية أو الاتجاه الذي عليه المجتمع، يتخذون موقف الصمت تجنباً لاضطهاد المجتمع ومن قبله الدولة، وخشية كذلك من العزلة الاجتماعية التي ربما يتبعها حرمان من حقوق أخرى كالوظيفة وما شابهها، فيكون قرار تلك الفئة الرافضة هو السكوت أو الصمت، الذي في عرف الأنظمة القمعية، دليل على الرفض الموجب للعقوبة أيضاً! وهذا الذي حدث مع كثيرين ممن طالتهم حملة اعتقالات 2017 من رموز تيار الصحوة، ممن لم يُعرف عنهم مناكفات أو معارضات لتوجهات وسياسات الحكومة السعودية، ومع ذلك، لم ترحمهم جرافة الاعتقال، فحملتهم مع أصحاب الأصوات العالية إلى غياهب السجن.

نعود للتسريبات التي قلنا إنها جزء من تطبيق عملي لنظرية الصمت، وإنها أسلوب إعلامي يُراد من ورائه تهيئة الأرضية المناسبة لخطوة تفكر الحكومة السعودية الإقدام عليها، بعد أن تقوم بعملية أشبه بجس نبض المجتمع الداخلي أولاً، والمحيط الخارجي بشقيه الإقليمي والدولي، حتى إذا ما اطمأن إلى النتائج، أقدم على تنفيذ ما عزم عليه.

فهل يتنبه الداخل السعودي أولاً وكذلك الدولي، قبل أن تقع مذبحة حقيقية لمئات، ذنبهم الوحيد أن قالوا ربنا الله؟ كما أن المجتمع الدولي بكل مؤسساته مطالب بالتدخل ها هنا، والكف عن نفاقه وازدواجيته الممقوتة لاسيما في قضايا المسلمين وتحديداً بمن يتم تسميتهم زوراً وبهتاناً في الإعلام العربي والغربي، بحاملي فكر تيار الإسلام السياسي، والإسلام كله سياسة.

إن الأجواء المتوترة بالمنطقة ربما تساعد على تسريع قيام الحكومة السعودية بتنفيذ حكم الإعدام في البعض، وهو ما يستوجب استنفاراً دولياً – كما أسلفنا – يفرمل ماكينة الإعدام السعودية ويكبحها، وضرورة عدم تمكينها من انتهاز فرصة انشغال الشرق والغرب بمصالحهم ونفط الخليج، على حساب أرواح أبناء الخليج التي قد تزهق في أي لحظة.

فهل يتحرك العالم تجاه هذا الظلم الذي يوشك أن يقع، ويوشك أن يكون، بعد حين من الدهر قصير، أسلوب حياة أو تعاملا روتينيا بين النظام الحاكم والشعب في المملكة؟

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

ياسر الزعاترة يكتب: قتلوه؟ نعم قتلوه.. لماذا؟

لم يمت بسبب المرض، ولا بسبب الإهمال الطبي رغم وجوده؛ لأن المرض والإهمال الطبي يقتل ...