محمد هنيد يكتب: كيف تكرهون الوطن؟

كانت التهمة الأبرز التي توجهها الأنظمة الاستبدادية العربية للمعارضين منذ فجر الاستبداد هي أنهم يكرهون الوطن، وهي لا تزال نفس التهمة بعد أن طرأ عليها بعض التحيين وفقا للسياق الجديد مثل تهمة الخيانة أو الولاء للأجنبي أو حتى الإرهاب. لكن التهمة الأصيلة التي صاغتها أذرع الاستبداد الباطشة هي التهمة التي تجعل من المعارض أو المخالف أو صاحب الرأي عدوا للوطن لا للنظام وخطرا على المجتمع لا على السلطة الحاكمة. وهي المقدمة التي تسبق شيطنته وتجيز للدولة اعتقاله وسجنه ونفيه وتعذيبه وتصفيته في نهاية المطاف.

صناعة استعمارية

لا يمكن تصور مفهوم الوطن في الدولة الاستبدادية منفصلا عن مفهوم الاحتلال لها. لقد كانت الدول العربية كلها جزءا من رسم استعماري امتد طيلة عقود من الزمن سواء في المشرق أو الخليج أو المغرب العربي. بناء عليه فإن هذا التصور للدولة العربية بأقطارها المختلفة اليوم هو الذي لا يزال سائدا. الدولة العربية أو دويلات سايكس بيكو التي تسمى أوطانا حسب الجنسيات التي فيها هي صناعة استعمارية بامتياز، لأن التقسيم الاستعماري هو الذي خلق الدولة العربية المعاصرة منذ بداية القرن الماضي.

الوطن من منظور استعماري هو غنيمة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى وهو مجال للنهب والسرقة ومصادرة الثروات

تونس ومصر وفلسطين والعراق وتقسيمات الخليج كلها مجسمات استعمارية ليس لسكانها وشعوبها أي دور في تحديدها أو في رسم حدودها. هذه الرقع الجغرافية كانت تمثل مستوطنات ومجال نفوذ للقوى الاستعمارية منذ القرن الثامن عشر وبداية الصراع بين الدولة العثمانية والإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية الزاحفة بقوة نحو الشرق حينها. كانت القوى الاستعمارية ترى في ساكنة هذه الأراضي رعايا هم أقرب إلى العبيد منهم إلى البشر دورهم يقتصر على استخراج الثروات وشحنها نحو الحواضر الأوروبية لينعم بخيراتها مواطنو هذه الدول.

الوطن من منظور استعماري هو غنيمة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى وهو مجال للنهب والسرقة ومصادرة الثروات وحقل للتجارب الممنوعة ومصدر للمواد الأولية واليد العاملة الرخيصة. وطننا نحن كان إلى عهد قريب جدا مستعمرات مباشرة للقوى الدولية المتحكمة في مصير العالم منذ القرن الماضي ولم يكن آباؤنا وأجدادنا إلا عبيدا على أرضهم.

الاستبداد بديل للاستعمار

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وانهيار الخلافة العثمانية وصعود القوة الأمريكية عالميا كان لزاما على المنتصرين في الحرب إعادة توزيع الغنائم ورسم الحدود الجديدة وتسطير مجالات النفوذ حسب موازين القوى الحادثة. كان لزاما على القوى الاستعمارية القديمة وخاصة بريطانيا وفرنسا تغيير جلدها والقطع مع مشاريع الحضور العسكري المباشر فتم تعويض القوى الاستعمارية بمنظومات استبدادية عسكرية أو جمهورية أمنية أو ملكية وراثية.

صارت الوطنية تجارة رابحة لأنها قادرة على ترسيخ الانتماء الإقليمي وعلى فصل مكونات الأمة عن بعضها البعض

كان دور هذه المنظومات الأساسي يتمثل في المحافظة على تدفق الثروة إلى القوى الاستعمارية ومنع كل إمكانات التحرر الحقيقية في أوطان سايكس بيكو وشمال إفريقيا. لضمان ذلك نصّبت القوى الاستعمارية مجموعة من الأنظمة الاستبدادية القمعية الحارسة لنفوذها وثرواتها وأمدتها بوسائل الحكم والسلطة عبر التزكية الدولية من جهة وعبر صيغ ثقافية وفكرية وأيديولوجية مفخخة تضمن التحكم في المجتمع وفي رؤاه وتصوراته.

صار الوطن هو الزعيم وهو القائد الأوحد وهو ولي الأمر الذي لا يُعصى فهو الوطن والوطن هو. صارت الوطنية تجارة رابحة لأنها قادرة من ناحية أولى على ترسيخ الانتماء الإقليمي وعلى فصل مكونات الأمة عن بعضها البعض. من ناحية ثانية تحولت الدول التي رسمها سايكس بيكو أوطانا وجنسيات هي عنوان الانتماء الوحيد والممكن.

لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد. فمع انكشاف زيف الدولة الوطنية باكرا منذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي نشطت الحركات المعارضة داخل الدولة القطرية نفسها سواء بأشكالها اليسارية أو اللبرالية أو الإسلامية المحافظة. كان مفهوم الوطن في أدبيات هذه الجماعات يتنافر مع مفهومه الاستبدادي الذي رسمت حدوده السلطة السياسية القائمة وهو ما خلق حالة من الصراع بين هذه الجماعات وأنظمة الحكم التي تجلت فيما بعد في موجات قمعية كبيرة للمعارضين والناشطين والأحزاب والشخصيات الوطنية بمختلف أطيافها.

لم يكن مدار الخلاف بين الفريقين حول مفهوم الوطن أو مصلحته بل كان مداره يتمثل في انكشاف الدور المزيف للنظام الحاكم عربيا لأنه لم يكن في الحقيقة إلا امتدادا طبيعيا للمشروع الاستعماري القديم وهو ما يفسر موجة الثورات العربية الأخيرة التي طالبت بإسقاط هذه الأنظمة.

الصراع حول الوطن

عندما انطلقت ثورات الربيع الأخيرة ظهر جليا الوعي الشعبي الكبير بزيف الدولة الوطنية وبأنها لم تكن إلا كذبة كبيرة. كانت الثورات تعبيرا عن سعي الشعوب إلى استعادة أوطانها وتخليصها من قبضة وكلاء الاستعمار الذي لم يتردد منذ الوهلة الأولى في الهرولة إلى إنقاذ رجاله وحراس مصالحه من السقوط، وهو الأمر الذي لا يزال متواصلا إلى اليوم في سوريا وليبيا وتونس والسودان، سواء بشكل مباشر أو عبر وكلاء محليين خاصة من دول الخليج المساندة والداعمة لمنظومة الثورات المضادة.

لم يتردد النظام العربي الرسمي طوال تاريخه في تدمير الأوطان عبر نهبها وتخريبها ومنع كل شروط النهضة عنها إلى درجة صار معها الهروب من الوطن والهجرة منه حلما يراود كل شباب هذه الأوطان. صار الوطن كابوسا للفقراء وسجنا للمعارضين وأصحاب الرأي بل صار الوطن جحيما لا يُطاق دفع بخيرة شبابه إلى ركوب البحر من أجل النجاة والهروب من الجحيم. لكنه نفس الوطن الذي صار جنة للصوص والفاسدين والمرتشين وأصحاب المناصب ممن تقاسموا خيرات البلد مع الأجنبي وحولوا أوطانهم إلى محميات يتقاسمون ثرواتها في الوقت الذي تسبح فيه شعوبهم في الحاجة والعوز والفقر.

دُمر التعليم وأنهكت المرافق الصحية وهرّبت ثروات البلد وأمواله إلى الخارج وانهارت البنية التحتية في بلدان تسبح فوق الثروات الطبيعية من نفط وغاز وموارد طبيعية. هكذا تحولت الأوطان إلى جحيم لا يحلم المواطن إلا بالهروب منه بعد أن أعوزته الحيلة في إصلاحه أو تقويمه أمام بطش السلطة وتجبر الآلة الحاكمة.

الهاربون من الأوطان أو المعارضون لسياسة الحكم فيها إنما يحلمون بأوطان أصيلة تحترم شرف الإنسان وتصون كرامته وهو ما يتعارض حدّ الصدام مع مفهوم الوطن عند منظومات الاستبداد بما هو غنيمة وفريسة سهلة لا غير تقدس الحاكم وترفعه إلى مرتبة أعلى من الوطن نفسه. خيانة الوطن ليست في إبداء الرأي ومعارضة سياسة الحكم فيه بل هي في رهنه للأجنبي وتقاسم خيراته وثرواته مع أعداء الوطن أنفسهم، ومن هذا المنظور يكون كل مختلف مع رؤية النظام السياسية خائنا كارها لوطنه.

الهاربون من الأوطان أو المعارضون لسياسة الحكم فيها إنما يحلمون بأوطان أصيلة تحترم شرف الإنسان وتصون كرامته

لا تزال المنطقة العربية كلها بعيدة عن تحقيق مفهوم المواطن والمواطنة بما هي جملة من الحقوق والواجبات التي تساوي بين الحاكم والمحكوم أمام القانون. وإلى حين تحقيق ذلك يكون الوطن رهينة تصور الدولة أو المجموعة الحاكمة التي تصوغه كما تريد، فتُخوّن هذا وتُشيطن ذاك حسب هوى الحاكم بأمره ومزاجه.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

ياسر الزعاترة يكتب: قتلوه؟ نعم قتلوه.. لماذا؟

لم يمت بسبب المرض، ولا بسبب الإهمال الطبي رغم وجوده؛ لأن المرض والإهمال الطبي يقتل ...