ياسر محجوب الحسين يكتب: الخرطوم.. المخالب الأجنبية تُعمل أظافرها

يبدو أن توقعات المتشائمين للأوضاع السياسية في السودان تسير نحو التحقق على أرض الواقع المثخن بالتوتر والشدّ والشحن والتهييج، المآل السوري يبدو الأقرب للحدوث إذا ما سارت الأمور على النحو الحالي. السياسيون الانتهازيون والرغائبيون على وشك اختطاف الثورة، التي أطاحت بنظام عمر البشير السابق وتجييرها لصالح أجندتهم السلطوية بالكامل، في الوقت ذاته تنشط التدخلات الخارجية لرسم المستقبل السياسي وفقا لتصوراتها ومصالحها التي تتعارض مع مصلحة السودان وثورته، وإزاء ذلك المشهد العبثي يُبدي المجلس العسكري الانتقالي ارتباكا وضعفا بينّا تجاه مسؤوليته الأصيلة في الحفاظ على أمن البلاد واستقرارها.

إن مستقبل الاستقرار السياسي يبدو مظلما، لدرجة أن أخف السيناريوهات وطأة أن يحدث انقلاب عسكري؛ فإن اعتبرنا أن ما حدث في 11 نيسان/أبريل الماضي من تغيير انحياز من جانب الجيش للثورة الذي يفترض أنه ركن مهم في تحقيق أهداف الثورة من سلام وحرية وعدالة، فإن الانقلاب المتوقع سيكون مجيرا لصالح أهداف مجموعة الضباط التي سوف تنفذه، مهما اجتهدوا في طرح تبريراتهم ومسوغاتهم التي دون شك سوف يستندون فيها إلى الراهن المضطرب.

إن ما حدث منتصف الأسبوع الماضي من احتكاك خطير بين المعتصمين، وما اعتبر قوات عسكرية ونتج عنه سقوط قتلى في الجانبين المدني والعسكري، يشير إلى أن مكان الاعتصام فيه قوة مسلحة وخلايا تتبع ربما لحركات مسلحة متمردة، كما أشارت الاستخبارات العسكرية. مع العلم أن هذه الحركات لا تأتمر بأمر إعلان قوى الحرية والتغيير، ممثل الثوار المعترف به من قبل المجلس العسكري.

لقد وعدت قوى الحرية المجلس العسكري بإزالة المتاريس من الشوارع والطرق الرئيسية، القوات المشتركة من الجيش والدعم السريع فوجئت بإطلاق نار كثيف من إحدى النواحي التي يفترض وجود الثوار بها حسب رواية المجلس العسكري. ووفقا لتلك الرواية أيضا، أنه عند الاشتباك تراجعت القوات المشتركة حفاظا على الأرواح لكن تمت مطاردتها من القوة المسلحة، مما دعا القوات المشتركة إلى الرد.

ومعلوم أن قوى الحرية والتغيير كانت قد أعلنت ما أسمته بالتصعيد الثوري الذي شمل تمديد الاعتصام وقفل الشوارع الرئيسية بالعاصمة الخرطوم، الأمر الذي اعتبر تحديا غير مسبوق لسلطة المجلس العسكري وهيبته. ومن الواضح أن هناك تخطيطا وتصعيدا من قبل فصيل أو أكثر من فصيل داخل قوى إعلان الحرية والتغيير، لكسب تماسك الثوار الذين تسلل الملل إليهم مع تطاول أمد التفاوض مع المجلس العسكري حول الحكم في الفترة الانتقالية.

ونتج عن تلك الأحداث الخطيرة قرار المجلس العسكري بوقف التفاوض مع قوى إعلان الحرية والتغيير لثلاثة أيام، حتى يتهيأ المناخ الملائم لإكمال الاتفاق مع قوى التغيير وإزالة جميع المتاريس خارج منطقة ساحة الاعتصام، وكذلك فتح خط السكة الحديد لإمداد مختلف أرجاء البلاد بالمواد الغذائية والبترولية. ولذا لا يبدو أن شعار “سلمية” يتسق مع إغلاق الشوارع أمام حركة المواطنين وسيارات الإسعاف!وانتقدت قوى التغيير تعليق التفاوض واعتبرته قرارا مؤسفا، بيد أنها سبق أن بادرت هي كذلك بوقف التفاوض.

أما التدخلات الخارجية، فتمثل الوجه الآخر للأزمة؛ فالإماراتيون والسعوديون لا يريدون أي شكل من أشكال الديمقراطية في المنطقة، وهمهم عدم خروج الجيش السوداني من اليمن، بالإضافة إلى معاداتهم بما يسمى بالإسلام السياسي. ويبدو أن اليسار ودعاة علمانية الدولة على استعداد للتماهي مع الأجندات الإماراتية والسعودية، وهم في سبيلهم للقبول بديكتاتورية مدنية أشد وقعا على البلاد من الديكتاتورية العسكرية السابقة. ويقول الكاتب البريطاني ديفيد هيرست في ميدل إيست آي، إن المخطط الإماراتي السعودي لوأد الثورة في السودان له وجهان: يتجلى أحدهما في دعم وتسليح المجلس العسكري الانتقالي الذي يتفاوض مع المحتجين، بينما يرمي الآخر إلى استغلال القادة المدنيين الذين يسعون إلى تطهير الجيش والحكومة والخدمة المدنية والقضاء من الإسلاميين. وما إن يُفلح الإماراتيون والسعوديون في مخططهم، حتى يستولي حلفاؤهم السودانيون على السلطة في البلاد.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

ياسر الزعاترة يكتب: قتلوه؟ نعم قتلوه.. لماذا؟

لم يمت بسبب المرض، ولا بسبب الإهمال الطبي رغم وجوده؛ لأن المرض والإهمال الطبي يقتل ...