محمد صالح المسفر يكتب: التجسس وآثاره القاتلة على دول الخليج العربية

جدّ الحكام في بعض دول الخليج العربية في إشغال أنفسهم ومن حولهم بجمع المعلومات ليس عن الأعداء التاريخيين للعرب والمسلمين، ولأنظمتهم السياسية القائمة، وإنما عن بعض حكام المنطقة ومواطنين يتولون مناصب قيادية أو إدارية عليا في دول الخليج العربية نفسها، وراحوا يوسعون دائرة التجسس لتشمل المواطن العادي البسيط وأصحاب الرأي ليسمعوا ما يقول وما يدور في رأسه من أفكار، مستخدمين في ذلك وسائل تكنولوجية رفيعة المستوى، في الغالب صناعة إسرائيلية شركة (NSO) وأحيانا صناعة أمريكية.

التجسس عملية تمارسها كل الدول في الحرب والسلم، لكن المستهدف الأعداء وليس المواطن، الأعداء المستهدفون في حقبة الحرب الباردة، في الأغلب كان الاتحاد السوفيتي والصين وكل الأنظمة الشيوعية المنتشرة في القارات الخمس، والقوى الثورية الوطنية المعادية للاستعمار في كل من أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط.

في النصف الأول من القرن الماضي، أسست بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية جهاز مخابرات أطلق عليه “منظمة إيشلون للتجسس الدولي” وميدان عمله الشرق الأوسط والقارتان آسيا وأوروبا، كما قلنا في أوروبا يرتكز عمل المنظومة المعنية بأوروبا الشرقية ذات النفوذ السوفيتي.

إلى جانب جمع المعلومات عن اقتصادات تلك الدول ودول أوروبية أخرى لمعرفة العقود التي تبرمها الدول الصناعية مع غيرها من دول العالم، وتزود هيئة الأمن القومي الأمريكي بتلك المعلومات كي تتغلب الشركات الأمريكية على ما عداها من الشركات الغربية، ويجدر بنا أن نذكر حالتين كمثال لا حصرا، تشير مجلة المجلة في تاريخ 18 /‏3 /‏2002 أن “شركة إيرباص التي قالت إنها خسرت صفقة شراء السعودية طائرات بقيمة مليار دولار، لصالح شركة بوينج وما كدونايل دغلاس، لأن المعلومات الخاصة بالتعاقد تم تسريبها إلى الشركات الأمريكية التي قدمت عرضا أفضل، كانت وسيلة جمع المعلومات عن تلك الصفقة كما تقول التقارير، عن طريق التنصت على وسائل الاتصالات السلكية واللاسلكية والإلكترونية والهاتفية وغير ذلك من الوسائل. مثال آخر تؤكد الشركة الفرنسية تومسون (سي. إس.إف) للإلكترونيات، أنها خسرت تعاقدا بقيمة 1.4 مليار دولار لتوريد نظام رادار إلى البرازيل، لأن الأمريكان عبر منظمة (إيشلون) تنصتوا على تفاصيل التعاقد وسربوه إلى شركة (ريثون) المنافسة، التي استطاعت انتزاع الصفقة بتقديم عروض أفضل من الفرنسيين.

لا ينكر عاقل أن المخابرات العالمية وخاصة الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية منتشرة في الشرق الأوسط، وقد تم التنصت الإسرائيلي على مؤتمر القمة العربي الذي عقد في الرباط في سبعينيات القرن الماضي، وإسرائيل عدوة للعرب يهمها معرفة حال العالم العربي وزعمائه، لتبني على معرفتها ومعلوماتها قراراتها التوسعية.

المستغرب جدا أن تتعاون دول خليجية بعينها مع إسرائيل وأجهزتها التجسسية لجمع معلومات عن دول خليجية شقيقة أخرى، لتعرف الأولى أي معلومات عن الثانية، ما يقولون وكذلك قواهم العسكرية والاقتصادية والاجتماعية واتصالاتهم الداخلية والخارجية ورصد محادثاتهم الهاتفية وبريدهم الإلكتروني، وكل من حولهم من مساعديهم وحتى أصدقائهم وأقاربهم، بهدف النيل من أولئك الحكام شركائهم في الحاضر والمستقبل.

إن إسرائيل أُعطيت هذه الفرصة التاريخية في التعاون مع أنظمة عربية مباشرة للتجسس على الحكام وقيادات عربية خليجية كانت عربية عامة.

تشير التقارير الإخبارية إلى أن الشركة الإسرائيلية والمختصة في الصناعات الأمنية في إسرائيل (NSO)، أجرت عدة تعاقدات مع كل من الرياض وأبو ظبي والبحرين، لتزويد تلك الدول بأجهزة للتنصت على المواطنين وعلى القيادات السياسية في دول الجوار، وكذلك رصد محادثاتهم الهاتفية وبريدهم الإلكتروني والفاكس وغير ذلك، لكن فاتهم أن يعلموا علم اليقين بأن إسرائيل تجمع تلك المعلومات لصالحها عن الدول الخليجية وأنظمتها السياسية دون تمييز، بمعنى أنها تجمع معلومات عن تلك الدول الخليجية “الحليف الجديد” أيضا، وأن المعلومات التي تجمع بواسطة تلك الأجهزة، تصب في مراكز تحليل المعلومات في تل أبيب عن جميع الدول الخليجية دون استثناء، قبل أن تصل إلى الرياض أو أبو ظبي أو المنامة.

إسرائيل تعلم أن هذه الأنظمة الثلاثة المشار إليها تسير عكس التيار الوطني الجارف المعادي لإسرائيل في داخل كل دولة، وهي تعلم علم اليقين بأن صلاحية استمرار بعض تلك الأنظمة محدودة للغاية، فهي تجمع معلومات عن القيادات القادمة، مستغلة ظروف الخلافات البينية بين دول الخليج العربي، ومستغلة فرصة أنها تعمل تحت سمع وبصر الدول ذات الصلة.

في هذا الشأن، أقامت عدة جهات دعوى ضد وزارة الدفاع الإسرائيلية تدعوها لإلغاء ترخيص التصدير الممنوح لمجموعة (NSO) تزويد السعودية والإمارات وحكومات قمعية أخرى ببرامج تجسس، وأعلنت منظمة العفو الدولية (أمنستي إنترناشونال) أنها تؤيد مقاضاة وزارة الحرب الإسرائيلية على منحها سلطة تصدير آلات ومعدات تجسس تضر بحقوق الإنسان في تلك الدول. تشير التقارير الصحفية إلى أن “عريضة قدمت الثلاثاء الماضي إلى المحكمة المركزية في تل أبيب، أوضح فيها أكثر من خمسين من أعضاء منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية، كيف عرّضت وزارة الدفاع الإسرائيلية حقوق الإنسان في تلك الدول للخطر من خلال السماح لمجموعة ( إن. إس. أو ) بمواصلة تصدير منتجاتها.

آخر القول:

أنتم اليوم في الخليج تتعاونون مع إسرائيل وأجهزتها السرية التجسسية لملاحقة أصحاب الرأي والمعارضين لسياساتكم ومن تشكّون في ولائه لكم، فهل تعلمون أن إسرائيل أيضا تتجسس عليكم شخصيا وعلى ما تسرون وما تعلنون. وأنهم سيعرونكم في قادم الأيام، والتاريخ لا يرحم؟

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

ياسر الزعاترة يكتب: قتلوه؟ نعم قتلوه.. لماذا؟

لم يمت بسبب المرض، ولا بسبب الإهمال الطبي رغم وجوده؛ لأن المرض والإهمال الطبي يقتل ...