فورين أفيرز: السودان بين آمال الدمقرطة ومخاوف الفوضى

نشر موقع «فورين أفيرز» مقالا للباحث في الشؤون الأفريقية في جامعة تافتس، أليكس دي وال، يتساءل فيه عن المرحلة المقبلة للثورة السودانية.

ويتساءل دي وال في مقاله، عن الطريقة التي يمكن من خلالها منع الثورة من التحول للعنف، فبعد 16 أسبوعا من التظاهرات الشعبية في شوارع الخرطوم وبقية المدن السودانية، بلغت ذروتها في سيطرة الجيش على السلطة في 11 أبريل، وطالب المتظاهرون بإنهاء حالة التقشف وحكم البشير.

ويتحدث الباحث عن خيارات الجيش، الذي ووجه بخيار التعامل مع المتظاهرين بالقوة وإطلاق النار على أبناء الطبقة المتوسطة الغاضبين، وبعضهم من أبناء وبنات الجيش، وخيار عصيان الأوامر، مشيرا إلى أن الجنود اختاروا الخيار الثاني، وأعلن وزير الدفاع ونائب البشير الجنرال أحمد عوض بن عوف عن الإطاحة بالبشير.

ويقول دي وال: «لأن ابن عوف من الموالين للرئيس السابق، ولم يظهر أي إشارات لتلبية مطالب المتظاهرين، فإن انقلابه بدا كأنه عملية تغيير في الوجوه، وبقيت زمرة البشير في السلطة».

ويفيد الكاتب بأن «صناع الانقلاب وجدوا أنفسهم أمام مشكلة، فهم لا يستطيعون إدارة النظام السابق دون البشير، فالرئيس المعزول هو الذي كان يعرف الكيفية التي تعمل فيها آلة الرعاية وموازنة الأطراف السياسية ضد بعضها، وزاد قادة الجيش من الأمور سوءا عندما حلوا المؤتمر الوطني، ووضعوا معظم قادته الإسلاميين ذوي الخبرة تحت الإقامة الجبرية، وأدى هذا القرار إلى خلق فراغ من ذوي الخبرة السياسيين الذين أداروا الحكومة، وعطلوا شبكة القيادة للحزب، ورؤساء القبائل وضباط الجيش، وقادة المليشيات، ورجال الأعمال المحسوبين على النظام، الذين كانوا جميعا يديرون البلاد، وكان الجنرالات يعرفون أنهم بحاجة لدعم قادة المليشيات والأجهزة المتعددة للنظام السابق، لكنهم لم يستطيعوا المقايضة معهم والتفاوض في الوقت ذاته مع المعارضة».

ويشير دي وال إلى أن «ابن عوف استقال بعد يوم واحد عندما واجه الظروف المستحيلة، وحل محله الجنرال عبد الفتاح البرهان، الذي عين رئيسا للمجلس العسكري الانتقالي، ومؤهله الوحيد لتولي المنصب أنه غير معروف خارج الدوائر العسكرية، ولا سمعة له في الفساد أو القسوة، ويظل وجها يمكنه التحادث مع المعارضة رغم عدم قبوله، ويدير المجلس العسكري الآن مفاوضات على مسارين في وقت واحد».

ويلفت الباحث إلى أن «المسار الأول مع الخدمات الأمنية والمليشيات المسلحة حول صفقة أمنية، فعلى خلاف مصر، لا يستطيع الجيش السوداني السيطرة على البلاد بنفسه، ففي العاصمة الخرطوم تعد المخابرات والقوات الأمنية الأخرى قوة ضاربة ومستقلة، وكان مدير مخابراتها الجنرال صلاح عبد الله قوش شخصية مخيفة في عهد البشير، وهناك قوى أخرى مؤثرة في العاصمة، مكونة من مليشيات مسلحة، أهمها قوات الدفع السريع التي يقودها الجنرال محمد حمدان، المعروف بحميدتي، وعندما حدث الانقلاب قفز قوش وحميدتي بطريقتين مختلفتين، استقال الأول، أما الثاني فأصبح نائبا لرئيس المجلس العسكري الجنرال البرهان».

ويقول دي وال: «أما المسار التفاوضي الثاني فهو مع المعارضة، والتوصل لصفقة معها لن يكون سهلا، فتحالف الحرية والتغيير يضم عددا من الجماعات السودانية المعارضة، التي تتراوح من تجمع المهنيين السودانيين إلى تحالف الأحزاب السياسية، ومنبر المغردين السودانيين، ومبادرة لا لاضطهاد المرأة، وقامت جماعة من السياسيين المخضرمين بكتابة مسودة (إعلان الحرية والتغيير) في يناير، ويقودون فريقا للتفاوض».

ويفيد الكاتب بأن «تحالف المعارضة تبنى موقفا متشددا؛ لشعوره أن الجيش منقسم، وقدم المجلس العسكري الانتقالي بعضا من التنازلات، بما في ذلك سجن البشير في كوبر، وهو تحرك يحمل الكثير من الرمزية، خاصة أن الرئيس السابق سجن أعداءه ومن عارضوه فيه، وكذلك رموز الحكومة السابقة قبل 30 عاما، ووعد بتفكيك المخابرات السودانية، إلا أن الطريق أمام المجلس صعب وحافل بالعقبات، ففي يوم الأحد أوقفت المعارضة المحادثات مع المجلس».

ويرى دي وال أن «المعارضة السودانية حققت في أربعة أعوام ما لم تحققه ثورات مسلحة في عقود، لكن الجماعات المسلحة، مثل الجبهة الثورية السودانية، التي تمثل المتمردين في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، أبعدت نفسها عن التحالف، قائلة إنه من السابق لأوانه الحديث، ويعكس هذا التحرك القرار الكارثي من زعيم الجيش الشعبي لتحرير السودان جون غارانج، الذي رفض الدعوة للانضمام إلى الحكومة المدنية بعد الإطاحة بنظام جعفر نميري عام 1985، وأدى خطأ غارانج لإدخال السودان في حرب أهلية لمدة 20 عاما».

ويعتقد الباحث أن «الانتفاضة الشعبية السودانية انطلقت نتيجة لظروف محلية، لكن البلد لا يستطيع حل مشكلاته بنفسه، ففي الماضي اعتمد السودان على الوساطة الخارجية، مثلما فعل لمواجهة الحرب الأهلية في الجنوب، لكن الانتفاضة السودانية حدثت في ظل فوضى تعيشها المنطقة وتراخ دولي».

وينوه دي وال إلى أن «مصر كانت أول دولة تدعم الانقلاب، مؤكدة دعمها (لإرادة الشعب)، وذلك بعد ساعات من إعلان ابن عوف عن الإطاحة بالبشير، وبالنسبة لعبد الفتاح السيسي فإن سيطرة الجيش على الحكم هي نسخة طبق الأصل عن انقلابه عام 2013، وكان مطمئنا أن ابن عوف، الذي تلقى تدريبه في الأكاديمية العسكرية المصرية كالسيسي، سيتبنى موقفا مؤيدا لمصر، ويضع الإخوان المسلمين تحت الرقابة».

ويذكر الكاتب أن «السيسي عبر عن قلقه من دعم السودان للإسلاميين في ليبيا، ومن الصفقة مع تركيا لتحديث ميناء سواكن على البحر الأحمر، فيما انتظرت السعودية حتى 13 أبريل للتعبير عن دعمها للمجلس العسكري الانتقالي، ووعدت بتقديم الغذاء والدواء والوقود، وما يريده السعوديون في السودان مهم، فقد كان البرهان قائدا للقوات السودانية في اليمن، ويقود نائبه حميدتي قوات مكونة من 7 آلاف مقاتل تدفع رواتبهم السعودية، ووعدت الإمارات بتقديم الدعم بعد تحرك الجيش، وكان قوش الشخص المفضل لها، إلا أنها لم تتردد بالدعم رغم رحيله، فمن المهم للسعودية والإمارات ألا يقع السودان تحت سيطرة الإخوان المسلمين، وأن يظل عضوا في التحالف السعودي ضد إيران».

ويلاحظ دي وال أن «(الترويكا)، وهي النرويج وبريطانيا والولايات المتحدة، التي دعمت المفاوضات بين الشمال والجنوب قبل 15 عاما، غائبة عن الانتفاضة الأخيرة، ففي ظل حكومة باراك أوباما ودونالد ترامب فيما بعد، تحركت الولايات المتحدة من التركيز في علاقتها مع السودان على حقوق الإنسان إلى التعاون في مجال مكافحة الإرهاب ودعم السعودية والإمارات».

ويكشف الباحث عن أن «قوش أدى دورا مهما كونه شريكا لـ(سي آي إيه)، بل كانت الولايات المتحدة مستعدة لدعمه قبل الانقلاب في طموحاته للسيطرة على السلطة، وفي العام الماضي تعاون البشير وقوش على تحقيق صفقة سلام في الجنوب، جلبت الرئيس سيلفا كير والمعارض رياك مشار، وهو ما منحهما مصداقية لدى الولايات المتحدة، وتخشى وزارة الخارجية أن يتداعى الاتفاق دون إرشاد ودهاء الخرطوم».

ويشير دي وال إلى أمر رمزي في العلاقة، ومركزها مدير الأمن القومي في جنوب السودان توت غالتواك، الذي تبناه الرئيس السوداني السابق الذي لم ينجب أطفالا، لافتا إلى أنه في الوقت الذي قاد فيه غالتواك وفدا جنوبيا لتهنئة الجيش على انقلابه، كان والده بالتبني في طريقه إلى سجن كوبر.

ويقول الكاتب إن «الدول الغربية كانت تفترض أن البشير سينجو من التظاهرات، أو يحل محله شخص يؤكد استمرارية النظام، ولم تصدر الترويكا إلا في الأسبوع الماضي بيانا مملا، دعت فيه إلى انتقال منظم للسلطة».

ويلفت دي وال إلى أن «الاتحاد الأفريقي تبنى موقفا متشددا من الانقلاب؛ نظرا لقوانين الاتحاد التي تمنع السيطرة على السلطة بالقوة، لكن المشكلة هي أن السيسي هو من يترأس الاتحاد، وعبر عن دعمه للانقلاب، وفي 15 أبريل منح مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الجيش مدة أسبوعين ثم ثلاثة أشهر لتسليم السلطة».

ويرى الباحث أن «السودان يقف الآن بين آمال الدمقرطة ومخاوف العنف المستمر، وأظهر السودانيون شجاعة وصبرا، وتظاهروا وأثبتوا قدرتهم على الإطاحة حتى بالنظام المتمرس».

ويختم دي وال مقاله بعبارة تحذير، قائلا إن «التدخل الأجنبي لن يمنح السودان الديمقراطية والسلام، السودانيون وحدهم من سيفعل ذلك، إلا أن تنسيقا وفعلا لتشجيع الديمقراطية، ومنع تدفق السلاح إلى يد المليشيات المسلحة ربما ساعد على منع السودان من الانزلاق للفوضى».

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

المغرب تحكم بإعدام ثلاثة متهمين بقتل سائحتين أوروبيتين

أسدل القضاء المغربي الستار على جريمة خلفت صدمة وتأثيرا كبيرا في الشارع العربي والمغربي، ولاقت ...