عبد الرحمن يوسف يكتب: أَفَشِلَ الربيعُ حقًا؟

طاب لبعض أعداء الربيع العربي أن يصفوه بالفشل، لقد استسهلوا ذلك الحكم الجازم القاسي، وظن بعض المحللين السياسيين أن هذا الوصف سليم، فتمادوا فيه دون تدقيق أو تمحيص، بل إن الهزيمة النفسية دفعت كثيرا من المشاركين في ثورات الربيع وبعض رموزه إلى اعتقاد أنهم قد هزموا هزيمة لا نصر بعدها، وذلك بسبب وطأة الأحداث وقسوة الاختبارات الناتجة عن الانقلابات العسكرية والحروب الأهلية والتدخلات الخارجية.

إن الارتدادات الإقليمية المباشرة لحراك الجزائر والسودان وما يحدث في ليبيا واضحة في الشأن المصري كل الوضوح

كاتب هذه السطور لا يلوم أحدا على الاندفاع في وصف ثورات الربيع العربي بالفشل، ولكنه يؤكد على أن هذا الربيع قد يمر بكبوة، وقد يهزم في جولة، ولكنه – أعني الكاتب – أصرّ عبر كتابات ممتدة لسنوات عديدة، ويصرّ اليوم، وسيصرّ غدا، على أن هذا الربيع قد ألقى بذرة في أرض طيبة، وهذه البذرة أنبتت شجرة ضربت جذورها في الأرض، وجميع محاولات قمع الشعوب ليست أكثر من محاولات فاشلة لاجتثاث هذه الشجرة الطيبة التي زرعتها تلك الثورة في الأرض العربية.

***

ما يحدث اليوم في تونس (حيث قرّر القايد السبسي مختارا عدم الترشح بعد أن هبت رياح التغيير من الجزائر)، وفي ليبيا (وحفتر يسعى من فشل إلى فشل)، وفي الجزائر (حيث تمكن الحراك من انتزاع بوتفليقة من فوق كرسيه المتحرك، وما زال الحراك مستمرا)، وأخيرا ما يحدث في السودان الحبيب (حيث استمر اعتصام الناس في الشوارع رغم خلع البشير، وخلع من خلع البشير، مطالبين بفترة انتقالية حقيقية تحت إشراف حكومة مدنية وطنية، لا يقودها جنرال صهيوإماراتي) … كل ذلك يثبت أن الموج عال، وأن الربيع ممتد، وأن خوف الطغاة من الشعوب مستقر في أعماق نفوسهم، مهما تظاهروا بالشجاعة خلف صفوف الحراسة، ومهما سخروا من الجماهير من خلف الزجاج المضاد للرصاص، ومهما جلسوا في مؤتمرات دولية كجرذان سقطت في دلو من الزبد !

***

أما أكبر التطورات الناتجة عن هذه التغيرات الإقليمية فهي رد فعل “سيسي” ومجلسه الذي يعدل دستوره، فبعد الحديث عن مادة انتقالية فصلت خصيصا له لكي يتمكن من الترشح مدتين رئاسيتين بعد انتهاء رئاسته الحالية بحيث يبقى في السلطة إلى عام 2034م، بدأ الحديث العلني في مجلسه الذي أنشأته المخابرات زورا باسم الشعب، عن أن المتاح هو تعديل المواد الرئاسية إلى ست سنوات مع امتدادها بأثر رجعي، بحيث يظل “سيسي” في السلطة إلى عام 2026م فقط !

الربيع ممتد، وخوف الطغاة من الشعوب مستقر في أعماق نفوسهم، مهما تظاهروا بالشجاعة خلف صفوف الحراسة

الأمر مضحك مبكٍ، ولكنه لا يخلو من مفارقة !

إن الارتدادات الإقليمية المباشرة لحراك الجزائر والسودان وما يحدث في ليبيا واضحة في الشأن المصري كل الوضوح (بالإضافة إلى زيارة واشنطن الأخيرة).

***

وبما أننا بصدد الحديث عن تغيرات الإقليم كله، فلا بد من ملاحظة أن التحول الديمقراطي في الوطن العربي كله ستكون صعبة، حيث إن التجريف الشديد الذي جرى للنخب على مدار عشرات السنين من حكم الاستبداد جعل الساحة السياسية شبه فارغة من الكوادر والمؤسسات، كما أن خلط الدين بالسياسة، وخلط السياسة بكل شيء، أدى إلى تغير لأبجديات المفاهيم السياسية والاقتصادية والدينية في الوطن العربي كله.

إن واجب اللحظة الحالية (والقادمة في أي حراك قادم) هو رفض سيطرة الجيوش في إدارة المراحل الانتقالية، بل تتم مشاركتها مشاركة حقيقية في إدارة مراحل الانتقال.

لا يمكن إخراج الجيوش من السياسة في الوطن العربي دفعة واحدة، ولكن يمكن أن يتم ذلك بالتدريج، وأول مرحلة لكي يحدث ذلك هو أن لا يترك جيش يدير مرحلة انتقالية لوحده، وإذا حدث ذلك فلن تكون النتيجة إلا فشلا ذريعا.

إن اختبار نوايا العسكريين (والناس يقفون صفا واحدا) يمكن أن يبدأ بحوار وطني جاد، تكون اليد العليا فيه للناس، لا للجيش !

كما أن من واجب اللحظة الحالية أن يحافظ قادة الحراك على وحدة صف الحراك، وأن لا يعتبر هذا الحراك انتصارا لفصيل على فصيل، أو لتيار على تيار، بل لا بد من الاستمرار في تمثيل جميع الأفكار والطبقات، وإشراك جميع فئات الشعب، وفي اللحظة التي سينقسم الناس فيها ستتسرب مكتسبات الثورة من بين أيديهم كالزئبق، وستدخل جيوش الثورة المضادة لتفعل فعلها.

لا يمكن إخراج الجيوش من السياسة في الوطن العربي دفعة واحدة، ولكن يمكن أن يتم ذلك بالتدريج

في السودان على سبيل المثال… شاهدنا الميادين فلم نر إلا شبابا يافعا.. وشاهدنا من يسعون لتصدر الحراك فوجدنا غالبيتهم من الشيوخ، وسمعنا خطاب بعضهم الذي لا يخلو من الإقصاء، ولا يعبر عن لحظة التوافق التي جمعت الشعب… ما دفع كثير من المتابعين إلى التساؤل : أين شباب الميادين؟

يحدث الآن في السودان محاولة لإقصاء الإسلاميين كلهم، وهي دعوة نخبوية محدودة، ولكن لا بد من مواجهتها بحكمة.

كما يلاحظ أن هناك بعض الإسلاميين يتعاملون مع اللحظة الراهنة وكأنها فشل للمشروع الإسلامي، والحقيقة أنها فشل لحاكم مستبد استغل الإسلام وبعض الإسلاميين في سبيل الحفاظ على سلطته … وليس أكثر !

***

أتأمل أحداث المنطقة… ثم أتذكر بعض حواراتي مع بعض الزملاء اليائسين، وكيف كانوا يُنَظِّرون لانتهاء الكون بعد انقلاب الثالث من يوليو 2013، وكيف أن الربيع العربي قد فشل، وجيلنا انتهى، وانتهت تجربته !

أتذكر هذه الحوارات اليوم… وأتساءل … من الذي فشل؟ ربيع العرب؟ أم أنظمة الاستبداد؟

كاتب هذه السطور ما زال يثق أن الثورة مستمرة، وأن المجد للشعوب، وأن في الأفق نورا … وأن الأيام بيننا !

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

ممدوح الولي يكتب: مأتم الديمقراطية المصري

يعيش كثير من المصريين حالة من الانكسار الممزوج بالخوف والحزن؛ وهم يرون مكاسب ثورة يناير ...