هاني بشر يكتب: الرهانات القادمة للثورة المضادة

أتت رياح التغيير بما لا تشتهي سفن الثورة المضادة ورعاتها الإقليميين. وحملت نسمات ربيع 2019 نفحة من ربيع 2011 بعد أن تزامن سقوط آخر رئيسين في صورة القادة العرب الشهيرة الذين أطاحت بهم ثورات شعبية.

المفارقة أن كلتا التجربتين حتى الآن حملتا بصمات الثورتين التونسية والمصرية من ناحية سلاميتها وحشدها. كما حملت ردود الفعل نفسها من النظام، بدأ بالتجاهل ثم الشيطنة ثم القمع وأخيرا خطاب الجيش المنتظر.

ليس صعبا التكهن برهانات الثورة المضادة ورعاتها الإقليميين. فالقاموس الفقير للثورات المضادة أصبح مقروءا لدى الشارعين السوداني والجزائري قبل أن يقرأه المحللون والخبراء، وهو ما بدا في الشعارات التي رفضت وعود الجيش منذ اللحظة الأولى في كلتا الدولتين. إذ تحاول القوى القديمة اتباع التكتيكات نفسها التي تم اتباعها منذ ثماني سنوات في مصر وتونس واليمن وغيرها.

لقد استنفذت الثورات المضادة كثيرا من خططها خلال السنوات الثمانية الماضية وبات مطروحا، بل ومكشوفا ما تعد له من أجل القفز على مطالب الشعوب وحقها المشروع في الحرية والكرامة. ولعل الخيار الأبرز هو السيناريو المصري لأنه تم عبر عدة مراحل، حملت كل واحدة منها مفاجأة مختلفة؛ بدأ من تولي الجيش زمام السلطة في سابقة نادرة وقتها، وصولا لصعود الإخوان لرأس الدولة لأول مرة في التاريخ، وبعد ذلك الانقلاب وارتكاب مجازر. وليس مستغربا أن يرفع كثير من المتظاهرين لافتات تحذر من السيناريو المصري.

وبالمناسبة هو أبلغ رد على منطق النظام الذي طالما وظفه بأننا أفضل من سوريا والعراق، فإذا بأهل الجزائر والسودان لا يريدون أن يكون مصيرهم مثل أهل مصر.

ولا يمكن افتراض أن تستسلم الثورات المضادة للحالة الحالية في الجزائر والسودان إذا فشل الالتفاف الناعم على مطالب الثورة على طريقة ما حدث في مصر على مدار عامي 2011 و2012. فالسيناريو الخشن موجود عبر دعم المليشيات المسلحة وافتعال الاقتتال الأهلي كما حدث في ليبيا واليمن. ولا نتحدث عن سوريا لأن النظام هناك ظل باقيا وضحى بالشعب وهي تجربة أخرى فريدة في دمويتها.

العقبات التي تواجه الثورة المضادة وحلفائها الإقليميين في هذا السيناريو الأخير تتمثل في أن الجزائر والسودان عاشتا بالفعل هذه الحالة من قبل. الأولى في العشرية السوداء والثانية في حروب دارفور والحرب مع الجنوب التي انتهت بتقسيم البلاد.

بالتالي من الصعب استنساخ حالة سياسية وعسكرية أصبح لدى الشعبين مناعة ضدها. أضف إلى ذلك أن الحركة الإسلامية بأطيافها المختلفة في كلتا الدولتين كانت جزءا من تجربة الحكم خلال العقود الماضية. فهي ليست غريبة على جهاز العمل الحكومي كما هو الحال في مصر وحتى في تونس قبل الثورة. الأمر الذي يعني أن العهدين الجزائري والسوداني الجديد سيكون متحررا من عقدة الإسلاميين والسلطة، من ناحية أخطاء التجربة أو استغلالها كفزاعة للداخل والخارج.

ويبدو أن هناك حالة إفلاس تعيشها قوى الثورة المضادة وحلفاؤها، وليس أدل ذلك سوى موقفها من معركة التعديلات الدستورية التي يخوضها النظام في مصر. فبعد انتصار الثوار في الجزائر وتونس، تراجع الترويج لهذه التعديلات في صيغتها الأولى والتي كانت تمكن عبد الفتاح السيسي من البقاء في السلطة حتى عام 2034.

ويتم حاليا الحديث عن مقترح جديد يضمن زيادة مدة الفترة الرئاسية لست سنوات وهو ما يعني ضمنا أن يستمر في الحكم حتى عام 2026. وهي محاولة واضحة لتفادي أية اضطرابات وصدامات شعبية غير متوقعة مدفوعة بإلهام التجربتين السودانية والجزائرية.

رهاننا اليوم على الوعي الشعبي في الجزائر والسودان وعلى دروس الماضي القريب والبعيد فيهما من أجل تجديد دماء الثورات العربية وإقالتها من عثرتها كي تبدأ الدول العربية عهدا ديموقراطيا جديدا يضمد جروح الماضي، ويعد العدة لمستقبل ضحى الآلاف في سبيله بكل غال ورخيص.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

ممدوح الولي يكتب: مأتم الديمقراطية المصري

يعيش كثير من المصريين حالة من الانكسار الممزوج بالخوف والحزن؛ وهم يرون مكاسب ثورة يناير ...