عبد الناصر عيسى يكتب: صناعة رئيس أسهل من إسقاطه!

تحديد الرابع من جويلية كتاريخ للانتخابات الرئاسية، حسب الاقتراح الذي تقدّم به بن صالح ومن معه ومن خلفه، يعني احتمالين، لا ثالث لهما. إما أن القائمين على شأن البلاد لا يُدركون معنى مقعد القيادة، ويظنون أنه يسلّم لأي كان، كما كان الشأن دائما في عقود ريع النفط الذي غطى الكثير من المهازل وأسكر الناس بنخَبه، وإما أن يكونوا قد جهّزوا رجل المرحلة الظاهر، حتى يحكموا كالعادة من خلف ستار.

لقد تطلب التخلّص من الرئيس المريض، سنوات تُرجمت بين كظم لغيظ، وانتحار صُراح في أعماق البحر، وهزات وردّات فعل وحراك، بلغ من العمر لحد الآن ثمان “جمعات” ومازال، وتريد السلطة أن تنفخ الآن بالونا جديدا تقضي به ما تبقى من عمرها، أو دعونا نقول ترتشف به ما تبقى من قطرات نفط من فنجان حاسي مسعود.

وإذا كانت السلطة لا هدف لها سوى الخلود في مقود القرار، لحاجة ظاهرة للعيان، فإن جاهزية العديد من الرجال للترشح للرئاسة ممن يزعمون المعارضة، في أي ظرف، هو المثير للضحك والبكاء في نفس الوقت، فهم لا يهتمون بالزمان ولا بالظرف العام، ما يهمّهم هو تقديم ملف ترشحهم ولا حلم لهم سوى بلوغ قصر المرادية، وليكن بعدهم الطوفان.

كل الثائرين بعد ثمان “جمعات” لم يذكروا الرئيس السابق بنفس السوء الذي ذكروا به محيطه العام ورجال “الخفاء” من الذين عاثوا فسادا في الجزائر العميقة. وأدركوا بأن الفساد المعشش منذ دهر لا يُصلحه عطار واحد من أمثال بن فليس أو غديري أو جاب الله، وهو يحتاج إلى شعب قائم بذاته وضمانات على أن لا يخطفوا منه القيادة، بينما يظن بعض الرجال بأن الحل كله في أيديهم.

وبدلا من تعويض الرجل المريض والنظام الفاسد بربّان صالح ومتمكن يقود قارب سليم إلى برّ الأمان، نواصل المغامرة مع الذين يقدّمون أنفسهم كرجال المرحلة التي ستغلق أبواب السجون بقبر الإجرام، وتُشغل ملايين الشباب وتُرجع الكفاءات إلى أرض الوطن وتحقق الاكتفاء الذاتي في المنتجات الفلاحية والصناعية وتحقق الرخاء الذي يطلبه هذا الشعب في مسيراته، بين سيدة تريد سكنا، وشاب يطمح لمهنة، وطالب يحلم بمستوى راق ونجاح.

الاستخفاف بالناس وبصعوبة المرحلة، من خلال الإعلان عن الترشح للرئاسيات بهذه “العنترية” والثقة بالنفس، هو في حدّ ذاته فساد، يكرّس للحكم الذي ألفناه منذ عقود، ويوحي بأن الوقت الذي استهلكه المفسدون في التخريب قد يستهلك المصلحون ضعفه، في عملية استرجاع الثقة، وإصلاح ما يُمكن إصلاحه.

عبقرية النظام الجزائري كانت في نشره “الوباء” بين كل فئات المجتمع، وكما كان سقوط الرئيس السابق صعبا جدا ومعقدا، فإن الشفاء من الوباء سيكون أصعب مما يتصور عامة الناس، فغالبية الثورات لم تجن ثمارها إلا بعد مرور عقود من الزمن.

عن صحيفة الشروق الجزائرية

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

ممدوح الولي يكتب: مأتم الديمقراطية المصري

يعيش كثير من المصريين حالة من الانكسار الممزوج بالخوف والحزن؛ وهم يرون مكاسب ثورة يناير ...