عبد الرحمن يوسف يكتب: “تحويشة” عمر مصر

ينقسم المصريون اليوم من ناحية موقفهم من النظام إلى مؤيدين ومعارضين، وكلاهما يزعم أنه “أغلبية الشعب المصري”.. كاتب هذه السطور يزعم أن الأغلبية الساحقة ضد النظام، وهو يرى الأمر أوضح من أن يحتاج إلى تدليل.

مؤيدون النظام مهما اختلفوا تراهم في المعارك الفاصلة صفا واحدا خلف نظامهم الذي يحقق مصالحهم.. تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى.. مصالحهم متعارضة، ولكنهم قادرون على التوحد في وجه دعاة فكرة التغيير، فهم يريدون الاستقرار الزائف الذي تنادي به جميع أنظمة الاستبداد، استقرار الفساد والرشوة والمحسوبية… والعمالة والخيانة لأعداء الأمة.

أما المعارضون للنظام… فينقسمون إلى أقسام كثيرة…!

فهم من ناحية الأيديولوجيا ينقسمون إلى إسلاميين وعلمانيين، وكليهما على استعداد لإفناء الكون لكي يقضي على الآخر، وكثير من مكونات الفريقين على استعداد للتحالف أو التنازل أو التصالح (سمّه ما شئت) مع النظام نفسه، ولكنه لا يقبل أن يفعل ذلك مع الطرف الآخر من المعارضة.

نعم… أقول لك عزيزي القارئ بكل ثقة إن كثيرا من المعارضين من الطرفين (الإسلامي والعلماني) على استعداد لتقديم تنازلات مريرة لنظام “سيسي”؛ لكي ينتهي الوضع الذي هم فيه
(بتطبيع مجحف مع صاحب المصلحة فقط)، مع أن بإمكانهم تقديم عشر معشار هذه التنازلات لتوحيد الجماعة الوطنية، وبذلك يسقط الاستبداد ويتغير وجه مصر، ولكن الحقد الأعمى من كل طرف تجاه الآخر يقف حاجزا حقيقيا أمام ذلك.

* * *

وينقسم المعارضون من ناحية الموقع إلى معارضين في الداخل، ومعارضين في الخارج..

ومعارضو الداخل قسمان، قسم داخل المعتقلات، وقسم خارجها (وكلاهما معتقل داخل الحدود المصرية)، وهؤلاء جميعا يعملون تحت ضغوط شديدة، ويقومون بعملية تقدير موقف للوضع السياسي كل صباح، ليعرفوا المحظورات الجديدة التي أضيفت لقائمة المحظورات لكي لا يقعوا فيها.

معارضو الخارج ينقسمون إلى عدة كيانات، ومستقلين، يعانون من مشاكل الحياة اليومية بشكل ضاغط مرهق، كما أنهم في اشتباك دائم مع بعضهم البعض.

معارضو الخارج ينقسمون أيضا إلى إسلاميين وعلمانيين، وبين الفريقين ما صنع الحداد. وبالرغم من مرور عدة سنوات على انقلاب الثالث من تموز/ يوليو 2013، وبرغم وضوح التهديدات الوجودية التي تهدد مصر، فإنهم ما زالوا في مرحلة اختلاف طفولي يتعلق بمن أخطأ؟ ومن أخطأ أولا؟ ومن خطؤه أكبر ممن؟ ومن ينبغي أن يعتذر؟ ومن خطؤه خطأ؟ ومن خطؤه خطيئة؟.. وإلى آخر ذلك من الأسئلة التي توجهها اللجان الالكترونية في كل مناسبة، لضمان بقاء حالة التشتت تلك إلى ما لا نهاية.

* * *

تنقسم المعارضة المصرية (في الداخل والخارج، بإسلامييها وعلمانييها) من الناحية العمرية إلى شباب وشيوخ، وسترى أن أجيال الشباب في كل التيارات تتشابه، ولها سمات مشتركة؛ أهمها رفض القيادات التي شاخت، وغضب عارم، وإحساس بالظلم، فهم من دفع فاتورة إخفاق القيادات، وهم يرون أن فاتورة الدم والنفي والاضطهادقد دفع جيل الشباب غالبيتها، وكل ذلك لإشباع رغبات العجائز في المناصب، أو لتحقيق غايات لا علاقة لها بمطالبهم الأساسية التي ثاروا من أجلها (عيش، حرية، كرامة إنسانية، عدالة اجتماعية)!

وستجد كذلك شيوخ المعارضة المصرية لهم سمات مميزة، لا فرق بين إسلامي وعلماني، فالغالبية العظمى تتسم بفردانية وأنانية مفرطة.. كل منهم مشروعه ذاته، وكل منهم على استعداد لارتكاب حماقات كثيرة لإشباع الرغبة في الصدارة لنفسه أو لفصيله.

* * *

ينقسم جيل الشباب كذلك إلى شباب في داخل مصر وشباب خارجها!

وهناك سمات تجمع جيل الشباب في مصر في الداخل والخارج، بشتى اتجاهاته الفكرية.

هذا الجيل غالبيته كفرت بقيادات المعارضة المصرية، وغالبيته يريد حلا عمليا قابلا للتطبيق لإنهاء هذا الكابوس الذي تعيشه البلاد.

هذا الجيل مع مرور الوقت يقترب من إدراك حقيقة أن الحل بيد الشباب، وهو يتعلم كل يوم، ويتقدم كل يوم من دفة القيادة.

لا أبالغ إذا قلت إن غالبية شباب مصر مع حلم التغيير، بل إن غالبية الشباب المؤيدين للنظام (وهم قلة) يعترفون بأن النسخة الحالية من الحكم لا تصلح لهذا العصر، وأن هناك ضرورة لتغيير ما، أي أن النسخة الحالية من الاستبداد تحتاج إلى تطوير (في نظر الشباب الموالين للنظام).

جيل الشباب الذي خلع مبارك، ورأى حلم الحرية، ودفع من أجلها أثمانا باهظة، دما، وعرقا، ونفيا، وسجنا، وتعذيبا… هذا الجيل هو “تحويشة عمر مصر”!

إنه الجيل الذي استثمرت فيه مصر طاقاتها الفكرية، والنضالية، والوطنية، منذ ثورة 1919 إلى ثورة يناير.

إنه الجيل الذي آمن بفكرة التغيير السياسي السلمي، واختارته الأقدار لكي يراكم تجربة سياسية مضمخة بالدم والحديد والنار، تجربة خاضها الجيل كله بذكوره وإناثه، بأغنياءه وفقراءه، بمسلميه ومسحييه، على امتداد الجغرافيا الأرضية والفكرية.

هذا الجيل… سيحقق التغيير، وسيحول كل نظريات التحول الديمقراطي إلى حقيقة، وسيكون عند حسن ظن هذه الأمة.

* * *

في عيد الأم: قلبي مع كل أم تقضي أيامها في سجون الظلمة بعيدا عن أبنائها.

قلبي مع كل أم تقضي عيدها وحيدة؛ لأن لها فلذة كبد في زنزانة سوداء ليس لها قرار.

في عيد الأم، أدعو الله أن يخلص أوطاننا من كل هؤلاء الذين حولوا أيامنا إلى لطمية لا أول لها ولا آخر.

* * *

ما حدث في نيوزلاندا درس لكل الشعوب، درس لكل الأديان، درس لكل المزايدين!

التعايش ممكن، والاندماج ممكن، ومهما بلغ تطرف المتطرفين وهوسهم بإبادة الآخر فبإمكان العقلاء المخلصين أن يحولوا كل هذا السواد إلى فجر إنساني مشرق.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أنا شهيد أن البشر كلهم إخوة”… صدقت يا رسول الله!

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

ياسين التميمي يكتب: هل الرياض على مشارف الهزيمة؟

حتى الآن ليس هناك فهم كامل لدوافع الإعلان الإماراتي الانسحاب العسكري من اليمن، في توقيت ...