صبحي حديدي يكتب: ابن سلمان: انتشال “أمير الظلام” من حمأة القبح

في أواخر تشرين الأول (أكتوبر) 2017 عقد صندوق الاستثمارات السعودية مؤتمراُ حاشداً في الرياض، تحت تسمية “مبادرة مستقبل الاستثمار”، شارك في أعماله قرابة 2500 من رجال المال والأعمال والاقتصاد وممثلي الشركات والبيئات الاستثمارية، أتوا من 60 دولة. كان المحفل يندرج في أولى مظاهر ترويج صورة محمد بن سلمان، ولي العهد الجديد، “أمير الإصلاح”، راعي “رؤية السعودية 2030?، و… مانح المرأة السعودية حقّ قيادة السيارة!

في عداد هؤلاء كانت صحيفة “نيويورك تايمز”، متمثلة في عدد من أبرز مراسليها وكتّابها المختصين بالاستثمار والشرق الأوسط معاً؛ ولن يطول الوقت حتى يعلن توماس فردمان، أحد كبار هؤلاء: “لم يخطر لي أبداً أنني سوف أعيش إلى زمن أكتب فيه التالي: العملية الإصلاحية الأهم في الشرق الأوسط الراهن هي تلك التي تجري في المملكة العربية السعودية. نعم، لم تخطئوا القراءة (…) هذه البلاد تعيش ربيعاً عربياً، ولكن على الطريقة السعودية”.

وبالطبع، لن يطول الوقت حتى يكشّر بن سلمان عن أنياب “أمير الظلام”، هذه المرّة، فيعتقل نحو 200 من وجوه المال في المملكة، ويزجهم في سجن لم يعرفه التاريخ مثيلاً له البتة، لأنه كان فندقاً من خمسة نجوم؛ قبل أن يحتجز رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، ضمن سيناريو لا تليق به إلا السوريالية؛ ثمّ يأمر جلاوزته، برئاسة كبير جلاديه سعود القحطاني، باعتقال وتعذيب الناشطات السعوديات اللواتي كنّ رائدات الدعوة، ذاتها، إلى منح المرأة حقّ قيادة السيارة. وأمّا الذروة الدراماتيكية، فقد باتت معروفة للقاضي والداني: تصفية، وتقطيع جسد، الصحافي السعودي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في اسطنبول.

وفي عداد فئة القاصي والداني هذه كانت “نيويورك تايمز” بالطبع، وكان فردمان نفسه، الذي لن يتردد في نشر نعوة “أمير الإصلاح”، ولكن تحت عنوان “الصلاة من أجل جمال خاشقجي”؛ ولن يصيبه كبير حرج في توجيه كتاب مفتوح إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يستخلص في سطوره أنّ بن سلمان “حاكم مستبد”، “غير مهتمّ بتعزيز الديمقراطية”، و”محاط بفئة من البلطجية”. وهكذا صارت الصحيفة منبراً مفتوحاُ لفضح ملفات بن سلمان، سواء تلك التي تخصّ ترهيب المجتمع السعودي داخلياً، وتصفية المعارضين في الخارج، على يد “مجموعة التدخل السريع” التي كان يقودها القحطاني وماهر عبد العزيز المطرب؛ أو تلك التي تتناول قضايا الفساد والإفساد على صعيد مسؤولي البيت الأبيض، خاصة صهر الرئيس ومستشاره جاريد كوشنر.

وثمة ما يلفت الانتباه في افتتاحية “نيويورك تايمز” قبل أيام، التي تعتبر بن سلمان “مستبداً، محاطاً بفريق من القتلة والخاطفين”، ولكنها تتجاوز ولي العهد إلى مطالبة الإدارة بالتخلّص من “آخر الأوهام عن السعوديين”؛ متكئة في خلاصتها هذه إلى تقارير استخباراتية أمريكية سرّية، أكدت تنفيذ مجموعة القحطاني/ المطرب “دزينة من العمليات قبل اغتيال خاشقجي”، تتضمن التجسس على المعارضين واعتقالهم وتعذيبهم. وتضيف الافتتاحية، استناداً إلى أقوال مسؤولين أمريكيين، أنّ فريق التدخل هذا “عمل بكدّ ودأب، إلى درجة أنّ أفراده طلبوا تعويضات مالية عن إجازات لم تُستخدم”!.

وهكذا أيضاً، فإنّ متصفح “نيويورك تايمز” لن تفوته كثافة التقارير التي تتناول بن سلمان؛ ابتداءً من أقاصيص كوشنر واستخدام الـ”واتساب” للتواصل مع ولي العهد في شؤون رسمية تخصّ البيت الأبيض، مروراً بأدوار الأخير في تسهيل انتخاب ترامب كما سيشير تقرير المحقق الخاص روبرت موللر، وليس انتهاءً بتوصيات الكونغرس والمآسي اليومية للحرب على اليمن. وهذا أمر حميد، قد يقول قائل، لولا أنه في نهاية المطاف مآل طبيعي، وربما إجباري، يتوجب أن تسلكه أية مؤسسة إعلامية أمريكية إزاء سلوك “حليف” تصعب التغطية على جرائمه ومباذله.

يدا “أمير الظلام” أوكتا، كما يشير المنطق، وفوه نفخ؛ ولكن… في انتظار منافذ هنا وهناك تتولى انتشاله من حمأة القبح، وتعيد تظهيره وتجميله وغسله، بكلفة مئات المليارات.

عن صحيفة القدس العربي

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

ياسين التميمي يكتب: هل الرياض على مشارف الهزيمة؟

حتى الآن ليس هناك فهم كامل لدوافع الإعلان الإماراتي الانسحاب العسكري من اليمن، في توقيت ...