سليم عزوز يكتب: عندما أيدتُ “غزوة الصناديق”!

يبدو أن شهر آذار/ مارس، ارتبط في السياسة المصرية بـ “الأزمة”، فهناك أزمة مارس سنة 1954، كما شهد شهر آذار/ مارس2011 أزمة أيضا، ولا تنسى أن البداية الحقيقية لإسقاط الرئيس محمد مرسي كانت في هذا الشهر!

الأجيال الجديد ليست مشغولة بالتاريخ، ولهذا لم تشغلها أزمة آذار/ مارس الشهيرة عندما وقع الطلاق بين الرئيس محمد نجيب والقوى المدنية من جهة، وعبد الناصر ومجلس قيادة الثورة من جهة أخرى، وانتصرت الديكتاتورية، وظهرت حركة الضباط على حقيقتها كحركة استبداد سياسي. فجرعة الاستبداد ليست وقتية ومحكومة، كما اعتقد البعض، وهناك من دفعوا ثمن اعتقادهم هذا من لحم الحي، فحرّض عبد الناصر الغوغاء لضرب عبد الرزاق السنهوري بالأحذية في مكتبه بمجلس الدولة!

لقد كان شهر آذار/ مارس مناسبة، لإعادة التذكير بـ”غزوة الصناديق”، باعتبار أن بداية أزمة الثورة كانت بسبب التعديلات الدستورية، وبهذا الإعلان عن الفتح الإسلامي، المتمثل في هذا الاصطلاح، وقد وجدتها القوى المدنية (التعبير الحقيقي عن معنى الكفاح الفاشل) فرصة لتأكيد سلامة موقفها، وكأن “نعم” للتعديلات الدستورية هي التي جلبت الانقلاب العسكري. وفي المقابل، بدا المنحازون للإخوان في حكم المستضعف، فالسلفيون بهذه الإعلانات الخشنة كانوا سبباً في الهزيمة، فهل كان مسمى “غزوة الصناديق” هو فعلا المشكلة؟!

دعوة للإقصاء

صاحب الاصطلاح هو الشيخ محمد حسين يعقوب، وهو من الدعاة المحسوبين على التيار السلفي العام، وكان يلقي درساً في أحد المساجد عندما نقل إليه أتباعه فوز “نعم” بنسبة كبيرة في التعديلات الدستورية، فكبّر وأعلن أنها “غزوة الصناديق”، وقال إنها الديمقراطية، ومن لم تعجبه نتائجها فليسافر للخارج، وهو ما فسره البعض بأنه دعوة للإقصاء، فهل هي دعوة للإقصاء فعلاً؟!
اعتبرت تكبيرة الشيخ واصطلاحه “غزوة الصناديق” مما يستحق الإشادة. فأن يتحدث السلفيون، وهم أكثر الجماعات الإسلامية انغلاقاً عن الديمقراطية وإرادة الصناديق، فهذا مكسب كبير

كنت من الذين صوتوا بـ”لا” للتعديلات الدستورية، ومع هذا فقد اعتبرت تكبيرة الشيخ واصطلاحه “غزوة الصناديق” مما يستحق الإشادة. فأن يتحدث السلفيون، وهم أكثر الجماعات الإسلامية انغلاقاً عن الديمقراطية وإرادة الصناديق، فهذا مكسب كبير. لكن الفيديو الذي حمل هذه الهتاف والتكبير جرى ترويجه على نطاق واسع، وأقام عليه التيار المدني مأتماً وعويلاً؛ لأنه دعوة إلى إقصاء المخالفين في الرأي، وطردهم خارج الوطن. ولماذا يرفض المخالفون ما تفرزه إرادة الناس وعبرت عنه في الصندوق الانتخابي، حتى يظنوا أن دعوة الداعية السلفي تشملهم؟!

الأمر كله لا يستخدم إلا في لحظة ادعاء الاستقامة الثورية والوطنية، فالتيار المدني لم يعتبر القائل خصماً، بدليل أن من رموزه من قبلوا دعوة عدد من الدعاة السلفيين، ومن بينهم الشيخ محمد حسين يعقوب، لإصلاح ذات البين، ورفض الإخوان تدخلاً منهم في أمر لا يعنيهم. فمشروع الإخوان كان يقوم على تهميش القوى الإسلامية الأخرى، وإن كان وجودها قدرا، فليس أقل من أن تكون تابعة، ومثل هذه الأدوار تنتقل به إلى صدارة المشهد السياسي، وهذا ليس مقبولا. للدقة، فإن هيئات القوم تؤهلهم للقيام بدور الفزاعة، فيكون البديل الإخواني هو أخف الضررين، ما دام المصريون قرروا اختيار الإسلام!

خطاب منصة رابعة

كل يغني على ليلاه.. وليلى في العراق مريضة، فالتيار المدني يوظف “غزوة الصناديق” في الهجوم على الإخوان في المقام الأول، والإخوان في المقابل يعتبرون بهذه المقولة أنهم ضحايا وأنهم من تحمّلوا أخطاء التيارات الإسلامية الأخرى، التي يريدون أن يحملوها وزر الخطاب المتشدد على منصة رابعة أيضا، وكأن المنصة كانت بعيدة عن سيطرة الجماعة!

ونعود للأسئلة التي تمثل حجر الزاوية وبيت القصيد:

هل كانت المشكلة فعلا في الموقف من التعديلات الدستورية؟ وأن هذا الموقف كان سبباً في تنازع قوى الثورة؟ وأن نتيجة الاستفتاء كانت نتاج اتفاق بين العسكر والإخوان؟ وأنها المسؤولة عما آلت اليه الأحوال؟!

التيار المدني يوظف “غزوة الصناديق” في الهجوم على الإخوان في المقام الأول، والإخوان في المقابل يعتبرون بهذه المقولة أنهم ضحايا وأنهم من تحمّلوا أخطاء التيارات الإسلامية الأخرى

ينبغي أن نقرر ابتداء أن اللجوء للتعديلات الدستورية كان عشية تنحي مبارك عن السلطة. وكان مبارك في قراراته التي تستهدف الالتفاف على الثورة قد شكل لجنة لتعديل عدد من مواد الدستور، بما يمكّن من إقامة حياة سياسية سليمة، وعندما تنحّى أعاد المجلس العسكري تشكيل اللجنة، وبرئاسة المستشار طارق البشري، وإن كان الرجل يمثل قيمة وطنية عظيمة، فإنه محسوب على الإخوان. ثم كان اللافت وجود عنصر إخواني واضح الانتماء، وهو “صبحي صالح”، ولم تجد القوى الثورية في هذا القرار ما رأته بعد ذلك عندما وقع الصراع!

فلم يعترض أحد على تشكيل اللجنة، وعلى فكرة التعديلات الدستورية لعدد من المواد، لكن الاعتراض كان بعد ذلك، وهو كاشف عن وجود خلاف يبحث عن مبرر، ولو أيد الإخوان وضع دستور جديد، لاختلف الآخرون معهم ودعوا للتصويت بـ”نعم” للتعديلات الدستورية!

الخطأ الذي لم نلتفت له في البداية هو أن مبارك، وإن كان قد لجأ لفكرة التعديلات، فإن دستوره قائم، لكن كان الاتجاه بعد الثورة هو وقف العمل بهذا الدستور، ومع ذلك كانت التعديلات التي تم الاستفتاء عليها، ووجد المجلس العسكري نفسه أمام فراغ دستوري، فكان الإعلان الدستوري، لنكون أمام فوضى، فعدد من المواد تم الاستفتاء عليها، والعدد الأكبر هي بقرار من سلطة الحكم، وكان الأفضل إعادة دستور 1971، مع هذه التعديلات، لكن كان واضحاً أن الارتباك حال دون التفكير المنطقي!

كان الاتجاه بعد الثورة هو وقف العمل بالدستور، ومع ذلك كانت التعديلات التي تم الاستفتاء عليها، ووجد المجلس العسكري نفسه أمام فراغ دستوري، فكان الإعلان الدستوري، لنكون أمام فوضى،

زواج المتعة

القوى المدنية تقول إن هذا الاستفتاء هو نتاج زواج المتعة بين العسكر والإخوان ليطرح هذا حزمة من الأسئلة:

– هل كان المجلس العسكري مع التعديلات الدستورية؟!

– وأيهما أفضل للمجلس العسكري.. دستور جديد أم التعديلات؟

– وهل كانت القوى المدنية في ذلك الوقت كانت في خلاف مع المجلس العسكري؟!

كنت من الذين رفعوا شعار “الدستور أولاً”، في مواجهة من قالوا “الانتخابات أولاً”، وكانت المسألة تدور في إطار الخلاف السياسي ولم يصل إلى حد التخوين. وقد كنت وزملاء لي في طابور الاستفتاء الطويل، بعضنا اختار التصويت بـ”لا” وبعضنا قرر “نعم”، وكنا مع علاقة الزمالة رفاق ثورة، ولم ير أحدنا في الآخر أنه يخون هذه الثورة. دعك من الدعاية الدينية هنا، فقد كانت هناك دعاية ودعاية مضادة، وكان السلفيون يقولون: نعم لله ورسوله، في حين أن مسيحيين جرى التغرير بهم للتصويت بـ”لا” حتى يتم إعداد دستور جديد، خالٍ من النص الثاني الذي يقول إن مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الأساسي للتشريع. والدعاية المضادة لم يحرّض عليها أنفار، فالبابا شنودة ورجل أعمال قبطي شهير قالا هذا المعنى!

كنت من الذين رفعوا شعار “الدستور أولاً”، في مواجهة من قالوا “الانتخابات أولاً”، وكانت المسألة تدور في إطار الخلاف السياسي ولم يصل إلى حد التخوين

وكان المزعج حقاً بالنسبة لي، هو أن أذهب لصلاة الجمعة فأجد الخطيب يتحدث في أمر من أمور الدنيا يحتمل الخطأ والصواب، منطلقا من قاعدة الحرام والحلال، ولم تكن السياسة مما يشغل سيادته قبل الثورة. وضاق صدري بما يجري، وكتبت مقالاً يُقرأ من عنوانه (فوضى المنابر)!

وبعيداً عن هذا، فقد بنيت رأيي للدعوة للتصويت بــ”لا” على أنه لا بد لمصر قبل أن تبدأ مرحلة جديدة من دستور جديد، ليكون البناء بعد ذلك على أسس راسخة وواضحة!

وبعيدا عن الاستقطاب الديني، فقد كان القوم الذين انحازوا إلى “نعم” يرون أنه لا بد من السرعة للانتقال لمرحلة الانتخابات؛ لأن إعداد دستور جديد سيستغرق وقتا وتجاذبات، قد تطيل المرحلة الانتقالية، فيمكّن هذا العسكر من البقاء في السلطة أبدا.

كان القوم الذين انحازوا إلى “نعم” يرون أنه لا بد من السرعة للانتقال لمرحلة الانتخابات؛ لأن إعداد دستور جديد سيستغرق وقتا وتجاذبات، قد تطيل المرحلة الانتقالية

وكان رأيي أن المجلس العسكري الذي شاهد الثورة تجبر مبارك على التنحي، لا يمكن أن يبقى في موقعه بعد انتهاء المهلة المقررة لهذه المرحلة.. فهل كان ما تصورته واقعا؟!

العسكر والإخوان

لا يمكن القول إن المجلس العسكري كان منحازاً للإخوان، فالحقيقة أننا كنا في البداية، ولم يكن يستطيع أن يعلن موقفاً، وقد كان على مسافة واحدة من كل القوى، والجميع يلبون دعوته، ويجلسون معه، ويروجون لأكاذيبه وخياراته.. فهو قد حمى الثورة، وهو الذي أجبر مبارك على التنحي، وعصام شرف، عضو لجنة السياسات، هو رئيس الوزراء القادم من ميدان التحرير!

وبعد ذلك ظهرت النوايا، فقد كان من الأفضل للمجلس العسكري التصويت بـ”لا”، ليبدأ اعداد دستور تحت اشرافه، وتم رفع شعار “الانتخابات أولاً” في مواجهة شعار “الدستور أولاً”. وكان الآخرون متوافقين مع المجلس العسكري، الذي كان يمد في أمد البقاء في السلطة حتى إعداد الدستور، والنص فيه على ما يريد السيسي إدخاله الآن في تعديلاته، وهو أن يكون الجيش قيّماً على الدولة المدنية وراعياً للدستور!

كان الآخرون متوافقين مع المجلس العسكري، الذي كان يمد في أمد البقاء في السلطة حتى إعداد الدستور، والنص فيه على ما يريد السيسي إدخاله الآن في تعديلاته

ويؤسفني أن اجتماعات ما سمي بالحوار القومي توافقت على هذا، وهو ما روجت له القوى المدنية في حينه. وقلت إن هذا النص ضد طبائع الأشياء، فهل يعقل أن يكون العسكر هم المنوط بهم حماية الدولة المدنية؟!

الإخوان كانوا يخططون للخروج من هذه الحالة بالانتخابات، لأنها لعبتهم، ومن بين شباب الثورة من كان يدرك أن الانتخابات ستنهي دورهم، فعملوا على منعها بكل الطرق، ولو سيبقى المجلس العسكري لأطول فترة ممكنة، فالسلطة المنتخبة ستحكم بإرادة الناخبين، وليس بالمشاركة مع ائتلافات الوجاهة الاجتماعية، المرابطة في مكتب عصام شرف!

ومن باب المكايدة، قال البرادعي إنه مع استمرار المجلس العسكري في الحكم لعامين آخرين، ولو استجاب الناس له لبقي العسكر في الحكم أبدا، ولتمكنوا من فرض استمرارهم بقوة السلاح، وبالوقيعة بين المعارضة، لكن الإخوان كانوا يعرفون طريقهم، ولم تكن معهم الأغلبية المطلقة، لكنهم بالتحالفات يمكنهم تحقيق الأغلبية المريحة.. وكانت القوى المدنية الأخرى في البرلمان ليست قليلة، فقد كانت ممثلة بحدود 40 في المئة، لكن كانت المشكلة في هؤلاء الذين يبغونها عوجا، والذين كانوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا.
اصطلاح “غزوة الصناديق” لم يكن سبباً في الأزمة، فالأزمة كانت قائمة تبحث عن مبرر

لقد ظلوا جزءا من حسابات العسكر، إلى أن حدثت القطيعة بعد الاعتداء على أسر الشهداء وضحايا الثورة أمام مسرح البالون. وبعد أن وصل للأسماع ما حدث معهم، كانت هناك مليونية كاملة في ميدان التحرير، دون من شكلوا ائتلافات الثورة!

وربما ساعتها تساءل العسكر عندما وصلهم نبأ وصول الثوار للميدان.. ومن أنتم؟

خلاصة القول: إن اصطلاح “غزوة الصناديق” لم يكن سبباً في الأزمة، فالأزمة كانت قائمة تبحث عن مبرر.

ولقد ثبت صحة شعار: لا دستور تحت حكم العسكر.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

محمد كريشان يكتب: الضرب للسعودية و«التفلسف» للإمارات!

«تبرير الهجوم الإرهابي وغير المسبوق على منشآت أرامكو من باب تطورات حرب اليمن مرفوض تماما، ...