عبد الرحمن أبو ذكري يكتب: التعليم داخل القفص الحديدي

القفص الحديدي هو أحد مفاهيم علم الاجتماع التي بلورها الألماني ماكس فيبر؛ توصيفا لتزايُد ترشيد الواقع الاجتماعي في المجتمعات الرأسمالية الغربيّة (وتلك التي تدور في فلكها)، حتى يصير الفرد أسيرا بالكليَّة لحدود النظام الاجتماعي- الاقتصادي القائم. فالقفص الحديدي، من ثم، هو سجن الإنسان الحديث بدعوى كفاءة التحكُّم (المستحيلة!) في الواقع، وهو يقتل روح الإنسان ويحوِّله إلى ترس حقير في آلة السوق المتوحِّشة. ترس يفقد كل ما يمت للإنسان الرباني بصلة.

وقد ظهرت في العقد الأخير عدَّة مبادرات مصريَّة لما يُسمى بـ”التعليم الموازي” أو “التعليم الحُرّ”، لكن المتأمل الحصيف لمساراتها يُدرِك أن جمهرة هذه المساعي هي مُجرَّد محاولات بائسة لإعادة إنتاج نفس مسارات التعليم الرسمي، وهي محاولات بورجوازية حبيسة نفس القفص الحديدي للتعليم الحديث؛ التعليم/ التدريب الأفقي المجافي لكل تربية حقيقيَّة. ومن ثم، فهي محاولات ليس فيها سوى حسن النوايا، على أفضل الفروض؛ وستُثمر نفس ما أثمره التعليم النظامي على المدى الطويل، إن لم يكن أبشع؛ وذلك إذا لم يتنبَّه الخائضون في تلك التجارب للملاحظات الآتية:

ظهرت في العقد الأخير عدَّة مبادرات مصريَّة لما يُسمى بـ”التعليم الموازي” أو “التعليم الحُرّ”، لكن المتأمل الحصيف لمساراتها يُدرِك أن جمهرة هذه المساعي هي مُجرَّد محاولات بائسة لإعادة إنتاج نفس مسارات التعليم الرسمي

أولها، ارتباط منظومة التعليم في أي مجتمع، بشكل إرادي أو لا إرادي، بوجهة ذلك المجتمع وغايته النهائية. فمنظومة التعليم أهم أركان العمليَّة التربوية. وإذا كان الآباء الذين يخوضون تجربة التعليم الموازي مجرَّد موظفين في بنوك أو شركات كبرى مثلا، أو يحيون أسرى التطلعات الطبقية والاستهلاكية القميئة للطبقة الوسطى، لا يختلفون في ذلك عن غيرهم؛ فسوف لن تختلف وجهتهم عن وجهة المجتمع الأكبر الذي يُريدون مُفاصلته تربويّا، ولن يختلف الطفل المنكود الذي ستثمره التجربة البائسة عن أي طفل آخر يعيش تحت وطأة التعليم الرسمي الذي يخدم المنظومة الاستهلاكية (في حال جودته!). وإذا كانت التجربة تتم على مستوى عدَّة أسر مترابطة اجتماعيّا، فيجب أن يجسِّد هذا المجتمع الصغير ما يريد نقله للأطفال.. أن يجسد التغيير الذي يريد نقله للمجتمع الأوسع من خلال هؤلاء الأطفال.. أن يُجسِّده قيميّا وحركيّا، بالفعل أولا قبل القول.

وثاني هذه الملاحظات، ارتباط وجهة المجتمع، بشكل إرادي أو لا إرادي، بوجهة الأفراد وطموحاتهم الشخصية وآمالهم وأحلامهم، وخلفياتهم الاجتماعيَّة، وبرغباتهم المكبوتة. فوجهة المجتمع هي ثمرة إرادة جمعيَّة غير منطوقة، تواطأت عناصرها الفرديَّة على حزمة غائيَّة معينة، ولو بالسكوت عنها وعدم وإنكارها. ومن ثم؛ فإن التربية ترتبط في عمقها بوجهة الولي والمربّي الفرد، وقيمه وتوجُّهاته، والأهم من ذلك بعزيمته. والمحتوى التعليمي تبع لذلك كله وتجلٍّ له. ولم أجد أصدق تعبيرا عن ذلك من قول صديق: وجدت أنني وزوجتي نُربي أنفسنا من جديد، لنربي أولادنا! فإذا فشلت في حمل نفسك على قيم وسلوكيات معينة؛ فلا تنتظر أن تنجح في نقلها لطفلك الذي يتأثر بما تفعل أكثر من تأثُّره بما تقول. فلا تكن أنت سبب الازدواج بين النظر والعمل في روعه، إذ كل قيمة تريد غرسها في طفلك يجب أن يرى مصداقها فيك.

أما ثالثة الأثافي، فهي أن القيم الكامنة أهم من الخبرات التي يتشرَّب من خلالها الطفل هذه القيم، أي أن المحتوى التربوي الأعمق أهم من القشرة التعليمية المباشرة التي تطوي هذا المحتوى. وبغض النظر عن زيف الخبرات التي يمنحها التعليم النظامي للطفل، وهو ما سنفصِّلُهُ في النقطة القادمة، فإن ضحالة القيم وتشوهها هي الأزمة الأكبر. وبعبارة أخرى؛ فإن التربية لا تعني تلقين الطفل كما معينا من المعارف، فهي ليست محض عمليَّة تعليمية أفقيَّة؛ ولكنها تعني تشرُّبه مجموعة محددة من الأطر الأخلاقيَّة تشكِّل منظومة من القيم الحاكمة، وذلك عن طريق الأسوة الحسنة يليها التوجيه المباشر في بعض الأحيان. إن القيم التي تُنقَل للطفل هي التي تصنع شخصيته ومجتمعه، وكلما تجذَّرت هذه القيم تحسَّنت عُدَّة الطفل لمواجهة العالم، وازدادت مهمته مشقة في نفس الوقت؛ فقد غدا مكلفا واعيا. لذا، كان أشق ما في العمليَّة التعليمية هي صياغة محتواها التربوي.. صياغته حركيّا في صورة سلوك يومي.

التربية لا تعني تلقين الطفل كما معينا من المعارف، فهي ليست محض عمليَّة تعليمية أفقيَّة؛ ولكنها تعني تشرُّبه مجموعة محددة من الأطر الأخلاقيَّة تشكِّل منظومة من القيم الحاكمة، وذلك عن طريق الأسوة الحسنة يليها التوجيه المباشر في بعض الأحيان

والرابعة أن أصالة الخبرات التي يتلقاها الطفل، وتعبيرها الصادق عن أسرته ومجتمعه؛ هو ما يجعله عضوا فاعلا حقيقيّا في ذلك المجتمع، يُسهم في ترقيته قيميّا وسلوكيّا؛ عروجا إلى الله. وإذا كانت الخبرات (التعليمية) التي تنتقل للطفل من خلال التعليم النظامي هي خبرات مزيَّفة، تُعبِّر عن سياقات حضاريَّة ودينية وطبقيَّة مخالفة للقيم التربويَّة المجرَّدة، والتي قد تُغرَس فيه داخل نطاق الأسر الأنضج وعيا، فإن الخبرات التي يجب أن ينقلها له الأبوان من خلال تجربة التعليم الموازي يجب أن تقوِّض هذه الازدواجيَّة، وتعبِّر عن بيئة الطفل ووجهته. يجب أن تكون خبرات حياتية حقيقية؛ لا تفاصيل حلم ساذج بالانعتاق الطبقي. إذ إن الأخيرة تقوده ليس لوعي زائف فحسب، بل تسلم الطفل فريسة سهلة للخبرات الزائفة التي يبتلى بها في دياجير التعليم النظامي. وإذا كانت أهم وظيفة للخبرات الزائفة، التي تلقنها الدولة للأطفال، هي ضمان كفاءة تنميط “السكان” واستمرارهم في العبودية للدولة ونظامها السياسي والاقتصادي، فإن الخبرات الحقيقيَّة يجب أن تُحقق للطفل الانعتاق الروحي والتحرُّر النفسي، لا أن تشغله بسخافات اقتصاديَّة تتمركز حول “كفاءة” الصعود الطبقي.

وخامس هذه الملاحظات هي أن السلوك الإنساني انعكاس للقيم، ومحاكاة من ثم للخبرة التي يتلقاها الطفل. لذا؛ فمحاولة “تقويم”سلوك الطفل بغير نظر في الخبرات التي انتقلت إليه، أو القيم التي غُرِسَت فيه؛ هو تبديد أحمق للجهد. فقبل أن تحكم على سلوك الطفل، انظر ماذا تشرَّب منك من قيم، وماذا نقلت له من خبرات، فإن خالف سلوكه ما نشَّأته عليه، فانظر في أي مرحلة هو من مراحل التنشئة، واستعمل الوسيلة المناسبة. وقد أوجز مولانا الإمام علي عليه السلام مراحل التنشئة، والوسيلة المناسبة لكل منها؛ في القول المشهور: “لاعبه سبع، وأدِّبهُ سبع، وصاحبه سبع؛ ثم اترك له الحبل على غاربه”.

أي نجاح مرجو لعمليَّة التعليم المنزلي/ الحر تعتمد بالأساس على قدرات الأبوين وما يُنفقان من وقت، وما يبذلان من جهد؛ لإنضاج وتحرير شخوص أطفالهم بعيدا عن مؤثرات الاستعباد بالتنميط المؤسسي

* * *

وإذا كان فاقد الشيء لا يُعطيه؛ فإنه قد يُحسن الدلالة عليه أحيانا. ومن ثم، فإن الآباء الذين نشأوا في بيئة بهذه الدرجة من التلوث الروحي والمعرفي لن يستطيعوا أن يحرروا أبناءهم بالكُليَّة، فهم أصلا أسرى؛ ولكنهم يستطيعون تخفيف وطأة الواقع المادي على فطرة الأطفال، تمهيدا لتحرُّر هذه الفطرة في وقت لاحق وبيئة أكثر صحَّة. وهذا كله مرهونٌ بحجم الجهد الذي يستطيع الآباء بذله، ويرغبون حقيقة في بذله. إذ إن الشائع في جمهرة مبادرات “التعليم الموازي”هو عدم رغبة الأبوين وعدم قدرتهما، فضلا عن انعدام استعدادهما النفسي والروحي والمعرفي؛ لبذل أي جهد حقيقي، ورغبتهما (بحكم العادة) إيكال المهمة لمؤسسة جديدة “صالحة” غير المؤسسة القديمة “الفاسدة”، جاهلين أن ذهنيَّة المؤسسة نفسها، بتنميطها للأطفال وصبَّها إياهم في قوالب متماثلة مصمتة؛ هي الخطر الأكبر، وأن أي نجاح مرجو لعمليَّة التعليم المنزلي/ الحر تعتمد بالأساس على قدرات الأبوين وما يُنفقان من وقت، وما يبذلان من جهد؛ لإنضاج وتحرير شخوص أطفالهم بعيدا عن مؤثرات الاستعباد بالتنميط المؤسسي.

إن نجاح أي محاولة للتعليم الموازي هو نجاح تربوي بالأساس، وهو في حقيقته اكتمال لاضطلاع الأب والأم بجوهر وظيفتها التي تعبدهما الله بها، وإلا صارا ممن ولَّوا التكليف أدبارهم.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

ممدوح الولي يكتب: مأتم الديمقراطية المصري

يعيش كثير من المصريين حالة من الانكسار الممزوج بالخوف والحزن؛ وهم يرون مكاسب ثورة يناير ...