مصطفى عبد السلام يكتب: ثروات الجزائر المنهوبة


كان لدى صانع القرار في الجزائر فرصة ذهبية في أن يحول البلاد في السنوات الماضية إلى واحدة من أسرع بلدان العالم نمواً، وأن تصبح الجزائر واحدة من أكثر دول المنطقة استقطابا للاستثمارات الأجنبية خاصة مع تمتعها بفرص استثمار واعدة، وعدد سكان كبير ومغر للشركات العالمية المتخصصة في أنشطة مهمة مثل الطاقة والنقل والبنوك والتأمين والبناء والتشييد والعقارات والأغذية والملابس والاتصالات وغيرها.

وكان لدى هؤلاء فرصة في أن تسبق بلدهم دول الخليج من حيث الثراء والعمران والصناعة والسياحة، وأن يتفوق دخل المواطن الجزائري على نظيره الخليجي، وأن تتفوق الدولة النفطية الكبرى على دول جنوب شرق أسيا التي حققت قفزات اقتصادية خلال سنوات معدودة رغم مواردها الشحيحة، وفي المقدمة دول هونغ كونغ وماليزيا وسنغافورة وكوريا الجنوبية وتايوان.

فقد تمتعت الجزائر بثروات نفطية قلما تتوافر في دولة عربية أخرى بما فيها دول الخليج، فالبلد لديه احتياطي نفطي يقدر بنحو 4 مليارات طن، وهو ما يفوق احتياطيات دول خليجية، وتحتل الجزائر المركز السابع عربيًا في احتياطي النفط الخام المؤكد، وتعد واحدة من أكبر الدول إنتاجاً وتصديراً للغاز، حيث تمتلك واحداً من أكبر احتياطيات الغاز في العالم وبما يعادل 30 ألف مليار متر مكعب، وتمتلك أيضاً احتياطات من الطاقة لمدة تزيد عن 50 سنة.

وبسبب الثروة النفطية تجمع لدى الجزائر ثروات نقدية هائلة، فقد مكنت طفرة أسعار البترول خاصة في سنوات ما قبل 2014 البلاد من تكوين احتياطي من النقد الأجنبي تجاوز 200 مليار دولار، وهو احتياطي كان كفيلا بنقل الجزائر إلى مصاف الدول المتقدمة.

فهذه الأموال الهائلة كانت كافية لتغطية كلفة مد بنية تحتية متطورة وشبكات طرق وجسور واتصالات وكهرباء ومياه وصرف صحي في طول البلاد وعرضها، وأن تؤسس لقاعدة صناعية متنوعة تقضي على البطالة خاصة المتفشية بين الشباب، وتسد حاجيات الأسواق من السلع الغذائية وغيرها.

كما أن هذه المليارات الضخمة كانت كفيلة باستصلاح ملايين الأفدنة من الأراضي الزراعية، وبالتالي تصبح الجزائر واحدة من الدول المصدرة للغذاء بدلاَ من أن تتحول إلى واحدة من أكبر مستوردي القمح في العالم خاصة من فرنسا المحتل التاريخي.

ولو تم توجيه 20 مليار دولار من الاحتياطي النقدي، الذي تراكم قبل العام 2013، لقطاع العقارات مثلا لتم حل واحدة من أبرز المشاكل المتفشية في الجزائر وهي أزمة السكن.

ولو تم توجيه مبلغ مماثل لقطاع السياحة الواعد لتحولت البلاد إلى واحدة من أكبر مستقطبي السياحة في العالم خاصة مع الإمكانيات السياحية الهائلة التي تمتلكها وفي مقدمتها السياحة الشاطئية الممتدة على سواحل البحر المتوسط.

لكن للأسف كل هذه المليارات وغيرها من الثروات ضاعت بسبب تفشي الفساد داخل المؤسسات الحكومية وبين صناع القرار، وسيطرة العسكر على المشهد الاقتصادي، والمشروعات الوهمية الكبرى، والتداخل ما بين السياسة والبزنس، وقتل القطاع الخاص لصالح مشروعات تابعة لرموز النظام الحاكم، وتحول رموز النظام إلى لوبيات ومحتكرين كل همهم امتصاص دم المواطن حتى لو كان غارقا في الديون والجوع والفقر.

ولم تكتف الحكومات المتعاقبة بهدر احتياطي البلاد من النقد الأجنبي الذي تهاوى فاقدا أكثر من نصف قيمته، بل لجأت إلى الاستدانة وطباعة البنكنوت لتغطية عجز الموازنة العامة للدولة.

ومن هنا خرجت التظاهرات الحالية لرفض هذا الوضع الاقتصادي المزري، ولتطالب باسترداد ما تبقى من ثروات البلاد قبل ضياعها بالكامل.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

ياسين التميمي يكتب: هل الرياض على مشارف الهزيمة؟

حتى الآن ليس هناك فهم كامل لدوافع الإعلان الإماراتي الانسحاب العسكري من اليمن، في توقيت ...