محمد هنيد يكتب: حراك الجزائر وورطة الانقلابيين

بوابة القليوبية 15 مارس 2019

مثّلت حركة الملايين من المتظاهرين التي اكتسحت شوارع الجزائر خلال الأيام القليلة الماضية، والتي لا تزال تتفاعل، فعلا شعبيا نوعيا لا يمكن أن ينفصل عن الثورات الشعبية التي عرفتها المنطقة مشرقا ومغربا خلال السنوات الأخيرة. فرغم خصوصية السياق الجزائري وكذلك السياق السوداني فإنه يمكن القول إن المنطقة تعيش بداية الموجة الثورية الثانية التي لم تكتمل بعد لكنها لا تزال في مرحلتها الأولى.

خصائص الموجة الجديدة

يستمد القول السابق أسسه من جملة من العناصر والخصائص التي ميزت الحراك الجزائري بشكل خاص وربطته بما سبقه من التحركات الاجتماعية والانتفاضات الشعبية التي هزّت المنطقة برمتها. فالحركة الجزائرية هي حركة قاعدية وليست حركة فوقية لأن النخب السياسية لم تدع إليها ولم تتصدرها بل كانت حركة جماهيرية عفوية مفاجئة لم يكن النظام يتوقع حدوثها، وهو ما يسحب من السلطة ومن الأحزاب كل ذريعة لشيطنتها أو اتهامها بالمؤامرة الخارجية أو بأنها مخطط يهدف إلى ضرب الدولة والمجتمع. وهي بهذه الخاصية لا تنفصل عن الحركات الاحتجاجية التي سبقتها في تونس وليبيا ومصر وسوريا واليمن.

مشهد الجماهير وهي تنظف الشوارع عقب المسيرات وجموع الشباب التي تقدم الماء والورود للجنود وقوات الأمن قد شكل صدمة حقيقية للنظام وحلفائه

أما الخاصية الثانية وهي أهم الخصائص فتتمثل في الطابع السلمي الذي طغى على الحراك الجزائري بشكل مثّل صدمة كبيرة لكثير من الفواعل الإقليمية والمحلية التي كانت تعوّل على شيطنة المطالب الشعبية لتسهيل الانقلاب عليها. لقد كان المشهد موغلا في السلمية بل وحمل تعبيرات غاية في الرقيّ والنبل الشعبي بشكل غيّر تماما الصورة التي كان النظام الاستبدادي العربي يرسمها عن الجزائر بعد العشرية السوداء.

إن مشهد الجماهير وهي تنظف الشوارع عقب المسيرات وجموع الشباب التي تقدم الماء والورود للجنود وقوات الأمن قد شكل صدمة حقيقية للنظام وحلفائه. فقد عمل النظام ووكلاؤه في المنطقة على اتهام الجماهير الشعبية بالعنف والفوضى وحتى القابلية للإرهاب والقتل وهم يستمدون هذه الاتهامات الباطلة مما حدث في البلاد خلال التسعينيات بعد الانقلاب العسكري على الانتخابات البلدية حينها.

هذه الخاصية الثانية تربط من جهة أولى الحراك الجزائري بالتجربة المصرية والليبية والتونسية في بداياتها السلمية التي لم تحمل السلاح ولا انخرطت في أي شكل من أشكال العنف بل طالبت بالتغيير بكل سلمية وهدوء رغم العدد الكبير للمتظاهرين والذي فاق الملايين حسب أغلب المراقبين. وهي من ناحية أخرى تسحب كل الذرائع من بين يدي النظام العسكري لاستعمال العنف ضد المدنيين بحجة محاربة الإرهاب أو غيرها من الذرائع الكاذبة التي استعملت خلال الموجة الثورية الأولى ضد الثورة في ليبيا ومصر وسوريا.

أما الخاصية الثالثة الجوهرية فتتمثل في الوعي الجديد الذي تتسلح به الموجة الجماهيرية في الجزائر. لقد استفادت الاحتجاجات الشعبية بشكل ظاهر من الدرس المصري والليبي والسوري والتونسي. وهو أمر يتجلى مثلا في رفضها المعلن للمرحلة الانتقالية التي عرضها الرئيس وفريقه ورفضت كذلك الوساطة المعلنة من قبل أطراف قريبة من النظام. كما أنها أكدت عبر الشعارات المرفوعة على أن السلمية هي السلاح الأساسي في مطلب التغيير وأنها متمسكة برحيل النظام بكل مكونته السياسية والحزبية والعسكرية.

ورطة الانقلابيين

هذا المشهد الجديد يشكل ورطة حقيقية للسلطة الحاكمة في الجزائر، كما يمثل أزمة وكابوسا للقوى الانقلابية في المنطقة العربية وخاصة في مصر و منطقة الخليج. فقد راهنت هذه القوى بالمال والسلاح على إفشال الموجة الثورية الأولى ودفعت بمطالب التغيير إلى زاوية العنف والقتل والانقلابات بشكل حوّل حلم التغيير إلى كابوس حقيقي نتجت عنه انتكاسة الموجة الأولى.

استفادت الاحتجاجات الشعبية في الجزائر بشكل ظاهر من الدرس المصري والليبي والسوري والتونسي

لكن رغم كل الدماء التي أريقت ورغم توحش “الثورات المضادة ” في قمع الحراك الشعبي فإن شروط الثورات لا تزال قائمة بل هاهي تنبعث من جديد، وتؤكد أن مطلب الحرية أعلى من عنف الأنظمة وأنه لن يستكين قبل أن يحقق المطالب التي من أجلها خرج الملايين. هذا المشهد لا يقتصر على الدول المعنية بالموجة الجديدة بل إنه يمتد ليشمل المناطق الانقلابية وخاصة مصر وليبيا التي تستعيد الزخم الشعبي الثوري مستفيدة من الحراك الجزائري والسوداني بشكل خاص. ففي مصر يعيش النظام الانقلابي هناك وقتا عصيبا لا بسبب الوضع الاجتماعي والاقتصادي الكارثي فحسب بل أيضا بسبب تجدد الروح الثورية في الشارع المصري.

أما النظام الرسمي العربي ممثلا في الأنظمة والهياكل الرسمية فهو يسابق الزمن من أجل العثور على مخرج مناسب للملف الجزائري بشكل يستطيع عبره المحافظة على جوهر النظام السياسي في السودان والجزائر وامتصاص الحراك الشعبي. لقد راهنت الدول الخليجية وخاصة السعودية والإمارات على إنقاذ الأنظمة الاستبدادية العربية فأعادت انتاج نظام مبارك في مصر ونظام القذافي في ليبيا بشكل كانت تعتقد معه أن الموجة الثورية قد انتهت إلى غير رجعة. كما عملت من خلال حصار قطر ومحاولة عزلها على قطع كل المساعدات الممكنة التي يمكن أن تقدم للحراك الشعبي إعلاميا أو دبلوماسيا أو حتى ماديا.

كان حصار قطر والمضايقات الكثيرة التي تعرضت إليها تركيا أيضا آخر الحلقات في مسلسل الثورات المضادة من أجل تصفية الربيع العربي لكن فشل الانقلاب في تركيا بقيادة قوى دولية وإقليمية وفشل حصار قطر قد أتيا على ما تبقى في جراب الثورة المضادة من فرص لإعادة الوضع إلى ما كان عليه سابقا.

مشهد مختلف

لكن المشهد اليوم صار مختلفا تماما عما كان عليه منذ سنة لأن أزمة النظام الإقليمي العربي لا تقتصر فقط على تورطه في الخروج من المستنقعات الكثيرة التي علق بها في مصر واليمن وسوريا والعراق وليبيا وغيرها من الأقطار الأخرى. لكنها تتعمق اليوم مع تجدد الحراك الثوري بشكل لا يُعرف المدي الذي سيقف عنده لكنه سيعيد بالتأكيد تشكيل المشهد الإقليمي بعكس ما أرادته القوى المعادية لمطالب الشعوب.

كان حصار قطر والمضايقات الكثيرة التي تعرضت إليها تركيا أيضا آخر الحلقات في مسلسل الثورات المضادة من أجل تصفية الربيع العربي

ليس أمام النظام الرسمي العربي والقوى الدولية التابعة لها إلا مخرجان لا ثالث لهما: فإما الانقلاب على الثورات الجديدة بالعسكر والدم، أو التسليم بالأمر الواقع وتجنيب المنطقة المزيد من الدماء والخسائر التي قد تجرفها برمتها نحو العنف والفوضى. إن مطالب الشعوب لا يمكن دفنها بل أقصى ما يستطيع الانقلابيون فعله هو تأجيلها كما حدث منذ ثماني سنوات بعد أن دفعت الأمة ثمنا باهظا من الأرواح والدماء وها هي الشعوب اليوم تجدد العهد مع الثورة بعد أن سُدّت أمامها كل المنافذ.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

ياسر محجوب الحسين يكتب: الخرطوم.. المخالب الأجنبية تُعمل أظافرها

يبدو أن توقعات المتشائمين للأوضاع السياسية في السودان تسير نحو التحقق على أرض الواقع المثخن ...