جمال الجمل يكتب: ثورة 1919.. الأسئلة المسكوت عنها

بوابة القليوبية 14 مارس 2019

يقول توينبي: ليس مهما أن تكون هناك؛ لأن ثورة 1919 لم تحدث عام 1919، فمن المؤكد أنها حدثت قبل ذلك بسنوات، وما ذلك التاريخ إلا لحظة ميلاد لحمل سابق استمر طويلاً. ويقول مايرسون: تلك الثورة لم تبدأ قبل عام 1919 وفقط، بل استمرت بعده لسنوات، وأعتقد حتى الآن؛ لأن العقل الإنساني مستمر بنفس طريقة التفكير عبر كل مراحل التاريخ..! يضيف برانشيك: فعلاً؛ لأن التاريخ يمثل مسيرة مستمرة، موحياً أن ثورة يناير (وما بعدها) امتداد طبيعي لثورة 1919 (وما قبلها).

يتدخل ابن خلدون في الحوار مؤكداً أن التاريخ يدور ويعيد نفسه، بحيث تنطلق كل الأحداث من نفس الأسباب التي تنطلق منها الأحداث الشبيهة السابقة، كما تقوم الدول المتعاقبة على نفس الأسس التي قامت عليها الدول السابقة، موضحاً أن الفرق بين الدولة القديمة والدولة الجديدة هو انهزام الأولى وانتصار الثانية، وهذا يعني أن التاريخ حلقات متشابهة تتكاثر عدديا في مسيرة كمية؛ يرتكز فيها المستقبل على الماضي بطريقة “أصولية”.

هنا انتفض باشلار رافضا فكرة الاستمرارية، وموضحا أنها فكرة يقع فيها العامة، وقال بلهجة حازمة: عدم وجودك في الأحداث سنة 1919 أفضل كثيراً؛ لأنه يساعدك على القطيعة المعرفية مع الثورة، ويوفر لك رؤية موضوعية أفضل، بلا تعاطف يبرر الخطأ، وبلا كراهية تحرضك على الرفض.

(2)
عندما قامت ثورة 1919 كان باشلار مجرد معلم للفيزياء، قطع مع ماضيه الوظيفي كـ”بوسطجي” وبدأ يهتم بدراسة ظواهر العلم والفلسفة، حتى أصبح واحدا من أبرز فلاسفة العلم المثيرين للجدل؛ لأنه اعتبر أن تاريخ العلم ليس في حقيقته إلا “تاريخ أخطاء العلم”، بما يعني أن التاريخ بشكل عام هو سلسلة من “الوقائع” ومن “الأخطاء”، وبالتالي فإن الجديد لا يمكن أن يكون امتدادا للقديم.. فمصباح ديوجين ليس بأي حال هو مصباح أديسون، وإنما حالة مغايرة تماماً، وهذا يعني أن ثورة يناير حسب هذا المفهوم منبتّة الصلة عن ثورة 1919، بمعنى أن القضايا والشعارات وشكل الثورة وهوية الثوار وأدواتهم ومطالبهم ؛لا بد أن تكون مختلفة تماما.

(3)
لم يعجبني كلام باشلار عن القطيعة التامة، ولم يعجبني أيضا حديث ابن خلدون عن “الاستمرارية التراكمية” وإعادة استنساخ التاريخ، لذلك اجتهدت في صياغة رؤيتي الخاصة، معترفا بوجود قدر من الاستمرارية وقدر من القطيعة، بمعنى أن ثورة يناير قد تكون امتدادا لثورة 1919، لكنها ليست تكراراً. وحسب مثال باشلار عن المصباح، فالمختلف هو الشكل وطريقة الإشعال، لكن يبقى الضوء هو الوظيفة الحاسمة والمشتركة في المثالين، أو كما نفهم من فلسفة باشلار نفسه، فإن الثورة ليست الفعل الذي حدث وانتهى بسبب الوقوع في أخطاء، لكنها الفعل الذي يجب أن يحدث عن طريق الاستفادة من الأخطاء القديمة، أو كما قال بصياغته: ينهض العقل العلمي على إدراكه للأخطاء القابلة للتعديل، وهذا يفتح الطريق دائما نحو المستقبل حسب القول الشائع: “بالإمكان أفضل مما كان”، وذلك في مقابل المقولة التبريرية للعجز والفشل: “ليس بالإمكان أفضل مما كان”.

(3)
من هذا المدخل الفلسفي، أتحمس للكتابة عن ثورة 1919 باعتبارها (الثورة والكتابة) محاولة لقراءة المستقبل والعمل من أجله، وليس إعادة إنتاج للتاريخ، والاحتفاء باستنساخ واستعادة حدث انتهى، سواء لمدحه أو قدحه. ولهذا، يحضرني اتفاق باشلار وفرويد على ضرورة البحث عن الدوافع الكامنة وراء أي سلوك أو حدث؛ لأنها قد تكون أهم من الدوافع الظاهرة. فالرغبات اللاشعورية تتحكم في سلوك الناس أكثر من الشعارات المرفوعة، بدليل أن الثوار سرعان ما ينقسمون على الأهداف المعلنة، سواء كانت “الاستقلال والدستور” في ثورة 19، أو “العيش والحرية والكرامة” في ثورة يناير، ويتصارعون من أجل أهداف كامنة ومسكوت عنها، ربما تكون الرغبة في السلطة أو الثروة أو الشهرة، وهو ما يؤدي إلى الانشقاق والتشاحن وتشتت وحدتهم الجامعة، فيذهب الرفاق بسرعة عجيبة إلى الفراق، وهو ما حدث في الثورتين، ويحدث في كل مفردات وتكوينات حياتنا السياسية قديمها وجديدها، وهذا يعني أن قطيعة باشلار قد تفيدنا في فهم الدوافع الحقيقية لهذا السلوك السرطاني المميت.

(4)
هذا المدخل المعقد، والذي لا يروق للبعض، أشبه بحاجز مصطنع لتنظيم الدخول للمقال؛ لأن المسار المفتوح موزع بين طريقين: إما المدح والإشادة والتعظيم وإما الهجاء واللعنة والتخوين، وفي الحالين يذهب المتحدثون لنفس “الوقائع” لكن يختلفون في توظيفها: فريق التأييد يعظم قادة الثورة ويبرز منجزاتها، وفريق الرفض يدنسها ويصف قادتها بالعمالة والخيانة. وقد استوقفتني هذه الثنائية (المستمرة في تاريخنا كله) بين من يقول “سعد سعد.. يحيا سعد”، وبين من يقول: “ماسوني عميل لليهود والإنجليز أراد ضرب الهوية الإسلامية وأسس للتغريب والانحلال”!

(5)
الكلام في شكله الثنائي المتصارع، غير عقلاني، ولا يسفر عن فائدة إلا استمرار “الخناقة” وتكريس الانقسام، خاصة وأن كل فريق يحشد من “الوقائع” ما يدعم وجهة نظره.. فالمهاجمون لثورة 1919 يتحدثون عنها كمؤامرة غربية وضربة للهوية وخلاص من مشروع الدولة الإسلامية، وهو ما يبدو من مظاهر (قد تكون هي نفسها محل إشادة من الفريق الآخر) مثل: خروج المرأة للشارع، والمناداة بمرجعية الدستور الغربي، وظهور فكرة النظام الجمهوري مقابل التخلص من بقايا فكرة الخلافة، وزحزحة القبعة لمكانة الطربوش على الرؤوس، وتكوين الأحزاب، وتقدم التعليم المدني على التعليم الديني، والتقارب مع الغرب الأوروبي في نمط الحياة.. الخ، حتى لو كان الفريقان يتفقان في إجلاء الإنجليز كسلطة احتلال، لكن الصراع على هوية المجتمع (غربيا أو إسلامياً) يظل كامنا، وهو الذي يؤدي مع الوقت إلى افتراق الرفاق؛ لأن المتمسكين بنموذج الخلافة يفاجأون مع الوقت باستبدال المجتمع قطعة قطعة، بدلا من إصلاحه، فالنهضة التي في خيالهم غير النهضة التي في خيال شركائهم العلمانيين، وهو ما يشبه (بالنسبة لهم) التخلي عن “بيت ملك” متهدم وبدائي للسكن بإيجار باهظ في بيت نظيف يملكه شخص آخر، وهذا الوضع قد يلائم القادرين، لكنه لا يلائم الفقراء والعقائديين المشدودين اختياريا إلى ذكرياتهم وتاريخهم.

أما المؤيدون، فينطلقون من رغبة في التحديث ومواكبة العصر والاستفادة من نماذج الدول في أوروبا المتقدمة، وهنا نتذكر أن هذا الفريق أقرب إلى دعوة باشلار في ضرورة القطع مع التراث، لكي يتمكن المجتمع المتخلف من القفز على تخلفه عن طريق انكار القديم والاعتراف بالطفرة الحضارية، على اعتبار أن التاريخ ليس خطا مستمراً، لكنه “نقلة جديدة” يمكن استعارتها من الخارج: من خارج التاريخ ومن خارج الموروث ومن خارج الذكريات والتصورات ومن خارج الجغرافيا أيضا.

(6)
من هذه الازدواجية نقرأ مأساة ثورتي 9 آذار/ مارس 1919 و25 كانون الثاني/ يناير 2011.. كلتاهما ذهبتا إلى التغيير بقفزة إلى الخارج، ورغبة في تحقيق الأهداف عن طريق محاكاة نموذج ناجح وتقليد اتجاه ذائع.. كلتاهما لم تحلا مشكلة الازدواجية بين الهوية المحلية الكامنة في النفوس؛ وبين النموذج المبهر الذي يستلب العقول ويدفع الجموع للمحاكاة أكثر من الإبداع. وهذا المأزق هو واحد من العقبات الكامنة التي تمنع التئام فرقاء الثورات في نسيج واحد؛ يمكن أن تتعانق لحمته وسداه بلا صراع.

وإذا عدنا إلى ابن خلدون لنتلمس عوامل الاستمرارية التي تعيد إنتاج نفسها في تاريخنا، سنكتشف أن ثورة 1919 هي ابنة “مفهوم المصرية” الذي بدأت به ثورة عرابي، والتي أدى انتكاسها إلى دخول الإنجليز مصر، وبالتالي زيادة جرعة التغريب، كما أنها كانت حاصدة مجهود الحزب الوطني ونضال مصطفى كامل بنزعته الوطنية والسياسية ذات الملمح الأوروبي، الذي ذهبت فيه ثورة 1919 إلى شوط أبعد بفصم كل الخيوط الواهية التي تربط شكل الدولة بالنموذج العثماني المريض، الذي كان يحتضر على الملأ في أوج اشتعال الثورة، كتزامن ينبئ عن فراغ لا يمكن للداخل المتخلف أن يملأه إلا باستعارة نموذج ناجح كرسته حصيلة البعثات العلمية إلى أوروبا، منذ حكم محمد علي قبل قرن من الزمان، خاصة بعد هزيمة هذا النموذج في الحرب العالمية الأولى وبزوغ فجر الاستعمار الجديد.

(7)
سؤال الثورة في مصر، ليس سؤالاً سياسيا عن شخص الحاكم، ولا تركيبة النظام السياسي، لكنه (بحسب نظرية باشلار في التعلم من الأخطاء) يجب أن يكون سؤال المجتمع وطبيعة العلاقات بين الناس وبعضهم البعض من جهة، وطبيعة علاقة الناس بنظام الحكم من جهة ثانية، مع حل مشكلات الثنائيات العالقة، مثل “العنف والسلمية” في صناعة الثورات، ومثل “العروبة والإسلام” ومثل “الحرية والمسؤولية”، ومثل “الأصالة والمعاصرة” أو الوافد والموروث، وهي القضية الجوهرية التي تبلورت في ثنائية “نحن والغرب”، أو نحن والآخر عموما، وهي ثنائية معقدة، لكن لا بد من معالجتها حتى نصل إلى صياغة منفتحة ومفيدة لهوية مجتمعنا المنشود، تحدد جرعة القطيعة المفيدة مع الماضي وجرعة الاستمرارية الإيجابية، كما تحدد جرعة التفاعل الخلاق مع الغرب من دون دونية في الخضوع والمحاكاة العمياء والتبعية الذليلة

(8)
الحديث عن ثورة 19 (كالحديث عن كل الثورات) متشعب، ويتطرق لكل جوانب الحياة، لكن هناك أسئلة تتقدم على أسئلة حسب زمن المعالجة وزاوية النظر. وفي هذه الأيام، تشغلني أسئلة وتشابهات كثيرة بين الثورتين (1919 و25 يناير) مثل قيادة وتحكم القادرين بغير القادرين، واختزال الثورة في عدد من الأفراد أو التيارات، بينما يتم استبعاد الجموع وتهميش الثوار اللااسم لهم.

كما أتوقف عند ظاهرة “العنف الثوري” التي يتم التنكر لها مع أول صدام، وهو ما ظهر في الظلم المرير الذي وقع على عبد الرحمن فهمي وعشرات الفدائيين في ثورة 1919، وكذلك في طريقة التعامل القانوني مع مظاهر (العنف المتبادل) بكل أشكاله في ثورة يناير، حيث أخذت العدالة اتجاها واحدا لصالح الدولة لا الثورة، مع أن الدولة التي تمت الثورة ضدها لم تكن إلا طبقة حكم تدافع عن مصالحها، بنفس الطريقة التي تمت بها محاكمة الفلاحين من جانب الاحتلال في دنشواي. وهذه القضية بالذات هي إحدى البذور المهمة التي أثمرت في خريف 1919.

ومما تجب دراسته أيضا، سلوك الإقصاء والنفي كجزاء للثوار، والذي تجاوز حدود القيادة في ثورتي عرابي و1919 ليشمل عشرات الآلاف من ثوار يناير، لكن للأسف، برغم مرور 100 عام على ثورة 1919، إلا أن دراستنا للثورة لم تهتم باستجلاء الأخطاء لتداركها في المستقبل، لكنها انكفأت على الوقائع، سواء لإعادة التذكير بها في كل مناسبة، أو للدوران حول قادتها بغرض إلقاء التحية أو إلقاء الحجارة.

كل ثورة وأنتم بخير

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

عصام تليمة يكتب: استفتاء مارس في مصر: رسب الإخوان والمدنيون ونجح العسكر!!

كلما جاء يوم 19 من آذار (مارس) من كل عام، تجد الحديث لا يدور إلا ...