مصطفى جاويش يكتب: اللاجئون الأفارقة أهم ضحايا تجارة الأعضاء في مصر

بوابة القليوبية 12 فبراير 2019

في حين يحتفل الاعلام المصرى بحصول مصر على مقعد رئاسة القمة الأفريقية في دورتها الحالية، وحين يقف السيسي على منصة القمة في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا متحدثا عن المواطن الأفريقي وحقة في الكرامة الإنسانية، فقد سلطت صحيفة الأوبزيرفر البريطانية الضوء على تجارة الأعضاء البشرية، وأوضحت أن هذه التجارة المجرمة تشهد ازدهارا في مصر، واستهلت الصحيفة التقرير الذي نشرته على موقعها الالكتروني يوم 10 شباط/ فبراير 2019؛ تحت عنوان “تجارة الأعضاء في مصر: حبسوني وأخذوا كليتي”، بقصة لشاب أفريقي باع كليته في القاهرة لمواجهة ضائقة مالية.

وقال الصحيفة إن داويت البالغ من العمر 19 عاما هرب من بلاده، إريتريا، وسافر عبر السودان إلى مصر حيث ظل يكافح هناك لعبور البحر إلى أوروبا، وبدا أنه فشل في العثور على فرصة عمل. وفي وقت لاحق التقى الشاب الإريتري رجلا سودانيا اقترح عليه “طريقة آمنة وسهلة” من أجل الحصول على المال، وهي بيع كليته. ونقلت عن داويت قوله: “اعتقدت أنها ستكون طريقة جيدة للحصول على المال والسفر إلى أوروبا. كنت قلقا، ولكنه أقنعني أنها عملية سهلة جدا وتستطيع أن تعيش حياة طبيعية بكلية واحدة. لقد كان مبلغا كبيرا. كيف أقول لا لـخمسة آلاف دولار، في حين أني لم أملك شيئا وأسرتي بحاجة للمساعدة؟”.

وخضع داويت لاختبارات في الدم والبول، ثم نقل إلى موقع إجراء الجراحة. وقال: “لقد قطعنا الليلة في السيارة حتى وصلنا إلى المستشفى. أتذكر أنني نزلت إلى دور سفلي وانتظرت للحديث مع الطبيب ثم أدخلت إلى غرفة، حيث طُلب مني تغيير ملابسي والاستلقاء على السرير. كل ما أتذكره بعد ذلك هو أنني استيقظت وعندي شعور بألم شديد في جانبي. بدأت أصرخ وألعن، حتى جاء الوسيط ليأخذني إلى شقة”.

وعلقت الصحيفة بقولها إن قصة داويت أكثر شيوعا مما تشير الإحصائيات.

وعلى المستوى الرسمي، وفي واقعة مشابهة، فقد حذرت وزارة الصحة النيجيرية رعاياها الذين يعتزمون السفر إلى مصر للعلاج من تزايد معدلات تهريب وسرقة الكلى في مصر، بحسب صحيفة “ديلي بيست” النيجيرية بتاريخ 17 تشرين الأول/ كتوبر 2017. وأصدرت الوزارة مذكرة للجمعية الطبية النيجيرية تحذرها من ارتفاع معدلات سرقة وتهريب الكُلي في مصر، لتبيه النيجيريين الذين يعتزمون السفر إلى مصر للحصول على الرعاية الطبية، مشيرة إلى واقعة حدثت في شهر كانون الأول/ ديسمبر2016، حيث تمكنت هيئة الرقابة الإدارية من مداهمة 10 مراكز وتحاليل طبية، وضبط أكبر شبكة دولية للاتجار بالأعضاء البشرية للمصريين بمشاركة مواطنين وعرب، تورط فيها 40 متهما، وتمت مصادرة حصيلة عملياتها وتقدر بالملايين من الدولارات، فضلا عن سبائك ذهبية. وأضافت صحيفة “الأهرام” أن الشبكة تضم نحو 14 طبيبا في تخصصات مختلفة، من بينهم وأساتذة جامعات، وأطباء مشهورون، إلى جانب أعضاء هيئة تمريض وأصحاب مراكز طبية ووسطاء سماسرة.

وكان لهذه الواقعة وتداعياتها صدى كبيرا داخل مصر وقتها، وطالب كثيرون بسرعة تعديل قانون رقم 5 لسنة 2010، بشأن تنظيم زرع الأعضاء البشرية. ونشرت الجريدة الرسمية، في عددها الصادر بتاريخ 22 تموز/ يوليو2017، القانون رقم (142) لسنة 2017، بتعديل بعض أحكام القانون رقم 5 لسنة 2010، وتغليظ عقوبة الاتجار بالأعضاء البشرية في كل من القضايا التى تم ضبطها منذ ذلك التاريخ وحتى تاريخه.

ولكن يبدو أن العقوبة وإن كانت مهمة، إلا أن الأهم منها هو الرقابة الصارمة والمتابعة الصحية المستمرة لجميع المنشآت الطبية العامة والخاصة؛ لأنه بعدها مباشرة، وفي آب/ أغسطس 2017؛ قام قطاع الأمن الوطني المصري بضبط مستشفى خاص تتم فيه ممارسة الجريمة في غياب تام للرقابة من وزارة الصحة، خاصة وأن التقرير الاستقصائي المصور للصحفي الألماني عن مافيا تجارة الأعضاء البشرية في مصر؛ كان صادما للكثيرين حول مدى انتشار تلك الجريمة الإنسانية بين المصريين ويفضح أطرافها المتعددة، من سماسرة ووسطاء ومستشفيات وهيئات طبية ومراكز أبحاث، ومرضى يطلبون الشفاء، وأصحاء يتم تمزيق أجسادهم ونزع الصحة والعافية من حياتهم، وملايين الدولارات تتداول بين أيدى مافيا دولية وإقليمية ومحلية عبر قوانين معطلة وإجراءات رسمية تحمى الجريمة وتنتهك حرمة البشر. ومن ناحية أخرى، جاء التقرير ليكشف عن الضحايا من اللاجئين الأفارقة، خاصة السودانيين منهم، الذين تناول الموضوع ظروفهم المعيشية في مناطق العشوائيات حول القاهرة، وعن أساليب استغلال أجسادهم في تلك التجارة غير الآدمية.

وقد كشفت العديد من الدراسات التي قامت بها منظمة الصحة العالمية، عن أن مصر أصبحت مركزاً إقليمياً لتوفير الأعضاء البشرية، وصنفت مصر ضمن أكثر خمس دول حول العالم في تصدير الأعضاء البشرية، وتصدرت مصر المركز الأول على مستوى الشرق الأوسط. ويتوقع أن تستمر تجارة الأعضاء البشرية، في ظل غياب تطبيق القانون، واستشراء الفساد في المستشفيات، وزيادة نسبة الفقر بين المصريين، وغياب أي نوع من الرعاية الصحية أو الاجتماعية نحو اللاجئين في مصر.

وقضية اللاجئين في مصر سبق وأن تناولها السيسي في مناسبات متعددة، طارحا مقولته الشهيرة بأن “مصر بها خمسة ملايين لاجئ لهم كافة الحقوق مثل المصريين تماما”. وهذا الرقم يتعارض مع الإحصائيات الدولية، حيث جاء في كلمة السيسي بالامم المتحدة بتاريخ 19 سبتمبر 2016 الآتي: “تتحمل مصر، انطلاقاً من التزامها الدائم بمسؤولياتها منذ تفجر قضية اللجوء، أعباء استضافة أعداد ضخمة من اللاجئين والمهاجرين من مختلف الجنسيات؛ بلغ عددهم ما يقرب من خمسة ملايين لاجئ، ما بين مسجلين وغير مسجلين، ونعمل على توفير سبل المعيشة الكريمة لهم دون عزلهم في معسكرات أو ملاجئ إيواء”.

وقد أثارت هذه الكلمات العديد من ردود الفعل، حيث شملت كلمات السيسي موضوعين أساسيين: أولهما: حصر بأعداد اللاجئين في مصر، وثانيهما: إشارة للمعاملة التي يلقاها هؤلاء اللاجئون، فما حقيقة هذه الأرقام؟ وهل من مصلحة مصر أن تتجاهل تسجيل ملايين اللاجئين لدى مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة بمصر؟ وما هي علاقة تلك الأرقام بما تشير إليه البيانات الصادرة عن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للامم المتحدة بوجود نحو 250 ألف لاجئ وطالب لجوء في مصر؛ وفق إحصاءات عام 2015 وليس خمسة ملايين كما ذكر السيسي؟ وكيف تعامل النظام الحالي مع اللاجئين الأفارقة؟ خاصة وأن الحكومة المصرية أبدت تحفظها على أربعة من بنود الفصل الرابع الخمسة من الاتفاقية الخاصة بأوضاع اللاجئين للعام 1951، ما يعرف ببنود “الرعاية”، ولا يحق للاجئين المقيمين في مصر الاستفادة من التوزيع المقنن “للمنتجات غير المتوافرة بالقدر الكافي” (المادة 20) أو التعليم الرسمي (المادة 22)، أو “الإسعاف العام” (المادة 23)، والوصول إلى سوق العمل والضمان الاجتماعي (المادة 24). ويزيد من تفاقم هذه الآثار الغياب المستمر لأية أحكام. كذلك، فإن على اللاجئين التعامل مع المشاعر المعادية للأجانب، والتي يمكن أن تتحول بسرعة كبيرة إلى عنصرية عنيفة.

عند النظر إلى هذه العوامل كاملة، لا يبدو أن للاجئين في القاهرة أي أمل فعليا في الاندماج. كما أن القانون المصري لم ينظم تسليم السلطات للأجانب أو اللاجئين بطاقات هوية، وإنما طبقا للاتفاقية بين الحكومة المصرية ومكتب الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين؛ تقوم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في القاهرة بإصدار “بطاقة صفراء” تحمل موافقة الحكومة المصرية، وتعتبر بمثابة الدليل على أن حاملها تقدم بطلب للحصول على وضع اللاجئ لدى المفوضية. ومن ناحية أخرى، فقد تم غلق المكتب الرئيسي للمفوضية السامية للاجئين بالقاهرة في 29 تموز/ يوليو 2016، “مؤقتاً”، عقب وفاة سيدة إثيوبية متأثرة بإصابتها، نتيجة إقدامها على إحراق نفسها، في احتجاجات وقعت أمام مقر المفوضية قبلها بأسبوع. وبحسب بيان نشرته، قالت المفوضية: “نظرا للأحداث الأخيرة أمام مكتب المفوضية في مدينة السادس من أكتوبر (غربي القاهرة)، اضطررنا للأسف إلى إغلاق المكتب حتى إشعار آخر (لم تحدده)”. وأوضحت أن “المفوضية تدرك ما يشعر به ملتمسو اللجوء واللاجئون من إحباط وقلق بسبب طول مدة الإجراءات”.

ومن هنا يتضح أن الخمسة ملايين لاجئ الذي ذكرهم السيسي ليسوا هم المسجلون لدى المفوضية الدولية لشؤون اللاجئين بمصر (250 الف لاجئ فقط)، وتتم معاملتهم حسب القوانين الدولية المنظمة لحقوق اللاجئين، ولكنهم مواطنون من دول أخرى، ومعظمهم أفارقة (خاصة من السودان) موجودون بمصر تحت سمع وبصر السلطة العسكرية الحاكمة (بدليل إعلان عددهم دوليا)، ولكن لم يتم اتخاذ أية إجراءات قانونية بشأن تسجيلهم الرسمي وضمان حقوقهم الإنسانية، وعلى النقيض مما أعلنه السيسي (رسميا امام الأمم المتحدة وكرره عدة مرات بعد ذلك)، فهؤلاء اللاجئون قد تعرضوا – بقصد أو بإهمال – لأن يكونوا فريسة مافيا تجارة الأعضاء البشرية وغيرها من الجرائم خارج إطار القانون في إطار منظومة الفساد الإداري والمالي والمجتمعي والانفلات الأمني الذي انتشر في مصر حاليا.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

عبد الكريم بولعيون يكتب: من الرابح الحقيقي من فتح الأندلس.. المسلمون أم الأوروبيون؟

بوابة القليوبية 22 فبراير 2019 من الشعراء والكتّاب تأسفوا على ما صارت عليه حالة الأندلس ...