محمد شريف كامل يكتب: 11 فبراير 2011.. هل كانت خدعه؟

بوابة القليوبية 11 فبراير 2019

لولا التضحيات التي قدمها شعب مصر ما كان خلع مبارك الذي تمر علينا اليوم ذكراه الثامنة، والذي مثّل انتصارا حقيقيا حققه الشعب المصري ونجح به في الإطاحة بمشروع التوريث، وإن كان خلع مبارك من عرشه هو بمثابة انتصار نتغنى به، فعودة مبارك وأولاده وحاشيته للساحة مثل طعنة للثورة وشهدائها.

ولم تكن عودة مبارك هي الطعنة الوحيدة التي وجهت للثورة، فقد كانت الإطاحة بالاستحقاقات الديمقراطية التي حققها الشعب المصري، من انتخاب مجلس نواب ودستور ورئيس، هي الطعنة الأولى التي مهدت للثورة المضادة والعودة للحكم المطلق الذي قدم ويقدم كل يوم التنازل تلو الآخر، والتفريط في حقوق مصر وتبديد ثرواتنا المادية والبشرية، وإهدار دماء آلاف الشهداء وحقوق عشرات الآلاف من المعتقلين والمغيبين قسريا.

وإن كانت تلك الضربات قد مثّلت المتتالية للثورة ولمستقبل مصر انتكاسة حقيقية، إلا أنها لم تمثل نقطة الانكسار الكبرى ولا اللكمة القاضية للثورة. وقد كانت حركة 30 يونيو المفتعلة التي سماها البعض ثورة؛ نقطة البداية لتحطيم وحدة الشعب، فقسمت الشعب المصري على عدة محاور، ما بين تقسيم طائفي وتقسيم أيديولوجي، وتقسيم على خطوط الإرهاب المفتعل، وتقسيم على خط الدم الذي جعل في كل عائلة ثأرا، وفي كل حي قاتلا ومقتولا، وفي كل بيت خوفا من الآخر.

وكما مثّل تقسيم الشعب المصري انتكاسة كبيرة، فإعادة بناء حاجز الخوف الذي حطمته ثورة 25 يناير مثّل لطمة أخرى وجهّتها الثورة المضادة للشعب، وذلك لأن تحطيم حاجز الخوف كان هو أكبر مكاسب الثورة، وكان الدليل العملي على أن الشعب مستعد وقادر على تقديم التضحيات في سبيل إنقاذ بلاده واسترداد كرامته.

وكما مثلت هذه الضربات انتكاسة للثورة، كانت فاجعة الشعب في جيشه هي أحد أكبر اللطمات التي سعت بها الدولة الفاسدة العميقة لأن تمحي آثار ثورة 25 يناير وتحطم الروح المعنوية للشعب. ويجب أن نؤكد هنا على أنها الدولة العميقة “الفاسدة” وليست الدولة بأكملها، وذلك لأن الدولة ليست فاسدة بالأصل، فهناك دول عميقة تقاوم بشكل كبير محاولات إفسادها، وهذا لا يعني عدم وجود فساد، فهناك فارق كبير بين أن يكون هناك فساد وأن تكون الدولة فاسدة، بمعنى أن الفساد مقنن ويجد الأدوات اللازمة لضمان استمراره واستقراراه، والقوى اللازمة للدفاع عنه وحمايته، ويجد من يصفق له ويمجد الفساد والإفساد، وهذا هو حال الدولة العميقة المصرية.

إن تسارع ضربات الثورة المضادة تشير إلى أن ما حدث في 11 شباط/ فبراير ما كان إلا خدعة لجأت لها دولة الفساد العميقة، مستخدمة الجيش الذي يمثل أقوى أدواتها؛ خدعة لجأت لها دولة الفساد بعد أن أدركت أن وحدة الشعب وقدرته على كسر حاجز الخوف تهدد بقاءها، ولا تمكن السيطرة على الشعب في هذا الحال، فكانت هذه الخدعة التي أسست بعد ذلك لخدعة 30 حزيران/ يونيو التي اختتمت بانقلاب 3 تموز/ يوليو البغيض، الذي مكّن الدولة العميقة من السيطرة على الشعب وزرع الخوف مرة أخرى.

إن تمسكنا بعودة الديمقراطية المختطفة وكسر الانقلاب ليس من باب المثالية البلهاء، ولا من باب المراهقة السياسية، ولكن ضرورة كسر الانقلاب تأتي من ضرورة ضرب الفساد وإسقاط الدولة العميقة الفاسدة وتجريدها من أدوات حماية الفساد التي تتمتع به، وضرورة تمسكنا بأن استخدام الجيش لتوجيه الحكم أمر مرفوض، ولذا نصر على ألا نتعايش مع أي انقلاب.

وعلينا ألا ننسى أنه لا توجد ثورة عبر التاريخ انتصرت من الجولة الأولى، لأن التصور بأن قوى الفساد والشر لن تدافع عن بقائها ليس إلا سذاجة لأنه لا يتفق مع طبائع الأمور. وأن العمل على استرداد الثورة واسترداد مستحقاتها مشوار طويل لا مجال فيه للملل ولا لتبادل الاتهامات والإقصاء، لأن الإقصاء هو ما يسعى اليه العدو من تقسيم المجتمع وتعميق جرح التقسيم، وعدم الإقصاء لا يعني التعاون مع أعداء الثورة، ولكنه يعني عدم مصادرة حقوق الآخرين في مواجهة أعداء الثورة بوسائل قد لا نتفق عليها.

إن عوامل انتصار الثورة في الجولات التالية تبدأ بالإيمان بأن الثورة هي عمل تراكمي، وأن تحديد العدو وتحديد أدوات مواجهته وعدم التعامل معه وعدم قبول الاستسلام له هي أول خطوات الانتصار في هذه المعركة. والعدو هنا هو الفساد ودولته، وليس أفراد هذه الدولة، فليس كل الجيش المصري عدوا، وليست كل الدولة المصرية عدوا للثورة، فأفرادهم هم شعب مصر الذي ستحقق لهم الثورة حلمهم، ولكن جهازهم وإداراتهم وقياداتهم التي تنعم بالفساد هي العدو، وهي ما يجب القضاء عليه حتى تنتصر الثورة.

إن انتصار الثورة مرهون بقدرتنا على الاتحاد حول هذا المفهوم وأن نعيش به، حينها فقط نستطيع أن نقدمه لجموع الشعب المصري ليكون شرارة الانتفاض لاسترداد مكاسب 11 فبراير من إعادة بناء الوحدة وإعادة كسر حاجز الخوف، وعندها فقط نستطيع أن نأمل في استرداد مكاسب 25 يناير، وتحقيق حلم الثورة في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، وإسقاط دولة الفساد، وتأسيس دولة الشعب لبناء مصر الحديثة.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

عبد الكريم بولعيون يكتب: من الرابح الحقيقي من فتح الأندلس.. المسلمون أم الأوروبيون؟

بوابة القليوبية 22 فبراير 2019 من الشعراء والكتّاب تأسفوا على ما صارت عليه حالة الأندلس ...