جعفر عباس يكتب: الحكومة السودانية بين خياري النحر والانتحار

بوابة القليوبية 13 يناير 2019

عندما اشتعلت المدن السودانية غضبا من بؤس الحال خلال الأسابيع الماضية، قال أقطاب الحكومة السودانية، إن من خرجوا في مظاهرات تطالب برحيلها، مخربون ومندسون وعملاء؛ بالتحديد دربتهم المخابرات الإسرائيلية “الموساد”، متناسية ان “الموساد” أرسلت طائراتها المقاتلة إلى قلب الخرطوم في 23 تشرين أول/ أكتوبر من عام 2012، ودمرت مصنع اليرموك للذخائر الحربية، وعادت سالمة، بمعنى أن إسرائيل لو أرادت التخريب في السودان، ليست بحاجة إلى عملاء محليين لا يملكون سوى الهتاف والحجارة وربما بعض أعواد الكبريت.

ثم رأت الحكومة أنها بحاجة لإثبات أنها ما تزال تتمتع بسند جماهيري، فاستخدمت ما تبقى من مال في خزائنها، وحركت الحافلات لاستجلاب مؤيدين من الأقاليم القريبة من الخرطوم يوم الأربعاء الماضي، وحشدت الآلاف في ميدان عام بعد تزويدهم بالأعلام وقصاصات الورق والقماش، وعليها شعارات فقدت صلاحيتها من فرط الاستعمال المتكرر، وجيء بكاميرات التلفزيون، وتبارى وزراء انسلخوا من أحزابهم “المعارضة” نظير المناصب، لتأكيد الولاء لحكومة حزب المؤتمر الوطني، وهو التنظيم الذي كان يحمل اسم الجبهة الإسلامية القومية، لحظة تدبيرها انقلابا ناجحا في حزيران/ يونيو من عام 1989.

فات على الحكومة أنها بتنظيم ذلك المهرجان المبهرج أدانت نفسها، لأنه لم يخرج شخص واحد إلى الشارع طواعية لمناصرتها، بل استوجب الأمر تعبئة الموارد لملء الساحة تحت شعار “نفرة التأييد والسلام” بجماهير سيقت سوقا، بدليل أن تلك الآلاف ظلت جالسة وكأن على رؤوسها الطير، والكاميرات تروح وتجيء لرصد ضخامة الحشد، دون أن يصدر عنها هتاف “تأييد” إلى أن صعد الرئيس عمر البشير إلى المنصة.

ظلت هذه الحكومة تعارض نفسها بكفاءة منذ عام 1989، ولهذا تنامى عدد خصومها ابتدءا بمن شاركوا في مشروعها الانقلابي، حيث انسلخ عنها كبيرهم الذي علمهم المُكر، ثم خرج عنها تقريبا جميع من يمكن أن يوصفوا بأنهم من مفكري الحركة الإسلامية السودانية (كبيرهم الذي علمهم المكر، هو الدكتور حسن الترابي، وتمثّل المُكر في أن يذهب هو الى السجن حبيسا، والبشير الى القصر رئيسا، لإيهام الشعب والمجتمع الدولي بأن الانقلاب ليس من تدبير الإسلاميين).

جاؤوا إلى الحكم بلا مشروع أو خطة سوى التحكم في موارد البلاد ومصائر العباد، فعمدوا إلى بيع الهواء للمواطنين، بتعبئة الأثير بشعارات مثل: هي لله لا للسلطة ولا للجاه، (وصار أعمدتها من فئة من كان بلا قرش وصار صاحب عظيم كرش) ونأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع (وصار الشعب يضحك مما يسمع، وصولا إلى عصر نصرف مما نطبع، ثم تعطلت مطبعة العملة، وانعدمت السيولة في البنوك، وعاد الناس إلى عصر المقايضة)، ثم إن الملائكة كانت تحارب معهم المتمردين في جنوب البلاد، وأعجب تلك الشعارات إن المؤتمر الوطني الحاكم لديه خط ساخن مع السماء، وأن “كل من قال لا إله إلا الله فهو مؤتمر وطني”، مما يعني ان هناك مئات الملايين من الإندونيسيين والهنود والشيشان أعضاء في الحزب الحاكم في السودان.

لم يسئ أحد إلى الحكومة السودانية كما فعائلها، حيث حدث تدمير منهجي لمرافق النقل البحري والجوي والسكك الحديدية، والمشاريع الزراعية الضخمة التي ظلت العمود الفقري للاقتصاد السوداني منذ عشرينات القرن العشرين، وباحت الأرض بالنفط، فعمدوا إلى الشفط، واستنزفوا عطية الأرض خلال عقد واحد، ولا يعرف حتى الدبان الأزرق أين ذهب زهاء 70 مليار دولار من عائدات النفط.

لم يسئ أحد إلى الحكومة السودانية كما فعائلها،

من خرجوا يريدون نحر نظام شرع في الانتحار البطيء، هم من فتحوا أعينهم على الدنيا ووجدوا الحكومة الحالية، فمن يبلغ من العمر اليوم 36 سنة، كان ابن سبع سنوات عندما أتوا الى الحكم رافعين شعار “الإنقاذ”، وهذا الجيل خضع للعسكرة، ثم البرمجة من خلال المناهج المدرسية، ووسائل الإعلام ووزارة التخطيط الاجتماعي، التي كان يقودها علي عثمان الذي كان نائبا لرئيس الجمهورية لسنين عددا (والذي أعلن قبل أيام قليلة إن من يعارضون الحكومة لا يعرفون إن هناك مليشيا سرية مناط بها الدفاع عن الحكومة “حتى الموت”).

من خرجوا يريدون نحر نظام شرع في الانتحار البطيء، هم من فتحوا أعينهم على الدنيا ووجدوا الحكومة الحالية،

هذا جيل تعرض لغسل الأدمغة، إلى أن جاء تسونامي التواصل الإلكتروني الاجتماعي، وولجت عقولهم إلى رحم الحياة وطيبات عطائها، وأدركوا أنه ليس من الطبيعي أن يبقى خريج الجامعة عاطلا بعد عشر سنين من مفارقته كرسي الدراسة، وأن الفقر الذي يعانون منه ليس بسبب غضب الله عليهم لسوء أعمالهم، كما يقول شيوخ السلطان، وأن شعوبا لا تملك معشار موارد السودان نهضت بالحرية والشفافية وسيادة القانون.

هذا جيل تفتح وعيه في السنوات الأخيرة، وأدرك أن وقوف الواحد منهم في طابور لساعات، من أجل الحصول على خبز أو وقود للطبخ أو السيارة، ثم الوقوف في طابور لأيام لسحب مبلغ بسيط من حسابه البنكي ـ كل هذا الوقوف ليس ابتلاء من السماء فحسب، كما تزعم الحكومة كلما أخفقت في أمر ما، بينما تنسب كل إنجاز لنفسها، بل هو بلاء نزل على رأس المواطن، لأن السلطة التنفيذية في أيدي أناس لا يعرفون من أمور الحكم سوى التحكم والتسلط.

صار السوداني يقضي جل وقته في طوابير، بدرجة أنه يحسب أن نزار قباني شاعر سوداني يعارض الحكومة الحالية، لأنه يقول:

طالبت ببعض الشمس/ فقال رجال الشرطة: قف ـ يا سيد ـ في الطابور / طالبت ببعض الحبر لأكتب إسمي / قالوا: إن الحبر قليلٌ / فالزم دورك في الطابور/ طالبت بأي كتابٍ أقرأ فيه / فصاح قميصٌ كاكيٌ / من كان يريد العلم / فإن عليه، قراءة منشورات الحزب / وأحكام الدستور.

من يوم أتيت إلى الدنيا/ وأنا مزروعٌ في الطابور/ منتظرٌ وطناً لا يأتي / وشواطئ دافئةً وطيور / لا أدري كيف أقول الشعر / فحيث ذهبت يلاحقني الساطور / يا ربي: هذا الوطن القابع بين الماء، وبين الماء / حزينٌ كالسيف المكسور.

عجيب أمر حكام يزودون معارضيهم بالذخائر المتمثلة في إخفاقاتهم، ليستخدموها ضدهم، فإذا فعلوا تربصت بهم بالذخائر الحية، ولكن العنف الحكومي، ومهما اشتط، أضعف مفعولا من العنفوان الشبابي الثائر.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

صلاح الدين الجورشي يكتب: دفاعا عن حق الشعوب العربية في ربيعها

بوابة القليوبية 21 يناير 2019 أصبح وصف الربيع العربي بكونه شتاء قارسا ووصفه بـ”الكارثة” التي ...