عصام تليمة يكتب: حُزْن الإنسان على فَقْد الحيوان!!

بوابة القليوبية 11 يناير 2019

قرأت على “الفيس بوك” ما كتبته صديقة عن حزنها لفقد قطتها، وحزنها على ذلك، وردود أفعال البعض إما باستخفاف، وإما بالتندر والسخرية، والقليل بالتعاطف ومراعاة شعورها، وهو موقف جعلني أقلب عما في ديننا من نصوص دينية، وتراثية، حول حزن الإنسان على فقده الحيوانات التي عاشرها فترة من الزمن. مما جعل كاتبا من الأسلاف يكتب كتابا بعنوان: (تفضيل الكلاب على كثير ممن لبسوا الثياب)!

تربينا في الريف المصري على حب الحيوانات التي تربى في البيوت، والحنو عليها، ومراعاتها، وبدا لي هذا السلوك الريفي أنه سلوك إسلامي ديني، وقد حدث لي موقف منذ عشر سنوات تقريبا، فقد كانت لدى خالتي رحمها الله (جاموسة) وقد ماتت، وكنت في إجازة سنوية في مصر وقتها، فقالت لي أمي: لقد ماتت جاموسة خالتك، فاذهب إلى خالتك، وزرها وواسها، فهي حزينة على ذلك، ولما ذهبت رأيت أهل البيت كلهم حزانى، وكأن الميت إنسان عزيز، وتعجبت لهذا الشعور، وذلك لأنه لم يكن في بيتنا حيوانات.

فالفلاح أعز ما يحب هي حيوانات بيته، فبينه وبينهم عشرة وألفة، وهذه الألفة اكتشفت أن مصدرها الإسلام، وبخاصة نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، فالفلاح يسمي الحيوانات بأسماء الآدميين، فتجده يسمي الكلب والقطة وبقية الحيوانات كلا باسم معين، وعندما نقرأ في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم نجده كان يفعل ذلك، فيسمي سيفه، وفرسه، وناقته، ودابته، كل باسم معين مختلف عن الآخر، وهو نوع من الأُنس بالحيوان، والحب له.

وكان من سلوكه صلى الله عليه وسلم أنه يهش ويبش للأطفال، ويداعبهم، ويصادقهم، وقد كان هناك طفل يسمى (عمير)، له عصفور صغير (نُغير)، وقد مات العصفور، وحزن الطفل الصغير عليه حزنا شديدا، فقابله النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ يداعبه، فقال له: يا أبا عُمير، ما فعل النُغير؟ فابتسم الطفل، وقد كان كلام النبي صلى الله عليه وسلم بمثابة عزاء له.

ولم تعرف الدنيا دينا في عظمته ورحمته بالحيوان كالإسلام، فقد غفر الله لبغي من بني إسرائيل، لأنها سقت كلبا كان يأكل الثرى من العطش، ودخلت امرأة النار في (هرة) حبستها، لا هي أطعمتها وسقتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض، فالدين الذي يدخل إنسانا النار في هرة، ويغفر لأخرى بغي، لأجل الإحسان لحيوان، هو دين حري بأهله، أن ترق قلوبهم للحيوانات.

وأجر الإحسان للحيوان كبير بينه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “في كل ذات كبد رطبة أجر”، وللكاتب الكبير مصطفى أمين قصة جميلة في أهمية الحيوان في حياة الفلاح المصري، وذلك عندما سجنه عبد الناصر، وكان مريضا بالسكر، فأرادوا تنكيلا به، فمنعوا عنه الماء، فبحث عن ماء فلم يجد إلا ماء غير نظيف فشربه، فعلموا ذلك، فتخلصوا من هذا الماء. فبحث فلم يجد إلا أن يشرب (البول) الذي في زنزانته، فعلموا ذلك فكانوا يتخلصون من بوله أولا بأول.

وفي يوم من الأيام، جف حلقه، وتشققت شفتاه، وكاد يموت، وإذ بعسكري في خلسة، يعطيه كوبا من الماء البارد، ولما جاءت فرصة الحديث مع العسكري، قال له مصطفى أمين: هل تعلم لو علموا أنك سقيتني، ماذا سيفعلون بك؟ قال العسكري: سيقتلونني. قال له: ولماذا فعلت ذلك؟ قال العسكري: أنا من قرية كذا، وكان فيها رجل فلاح مسكين، لا يملك سوى (جاموسة) هي كل ما لديه في الدنيا، فمن لبنها وعملها في حقله يعيش هو وأولاده، وقد ماتت الجاموسة.

عاش الفلاح الفقير أياما وليالي في غم وهم شديد، وكرب لا يفارقه، وفي ليلة من الليالي فوجئ بمن يقرع بابه، ومعه جاموسة، وقد أخبره أنها هدية له، من باب: (ليلة القدر) الذي كان يكتبه علي أمين في جريدة أخبار اليوم، والتي يملكها علي أمين ومصطفى أمين، انزاح غم الفلاح، وفرح فرحا شديدا، يقول العسكري: أنا ابن هذا الفلاح الفقير المسكين الذي عزيتموه عن جاموسته بجاموسة أخرى، والمعروف لا يضيع يا أستاذ، فهل كثير علي أن أسقيك شربة ماء تحتاجها؟!!

لسنا نستنكر على من يحزن على وفاة حيوان عنده، بل ننكر على من ينكرون عليه، أو يسخرون منه، لكننا ننكر على من يحزن لموت حيوان، أو تعذيبه، بينما يؤيد قاتلا مجرما كالسيسي أو بشار، أو أي سفاح آخر، يقتل ويعذب ويشرد البشر، ولا تدمع له عين، أو يخشع له قلب، فهذه رحمة مصطنعة، وتناقض عجيب، وشيزوفرينيا (انفصام في الشخصية) يعيشها هؤلاء.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

عصام تليمة يكتب: استفتاء مارس في مصر: رسب الإخوان والمدنيون ونجح العسكر!!

كلما جاء يوم 19 من آذار (مارس) من كل عام، تجد الحديث لا يدور إلا ...