خلدون محمد يكتب: دور “الصهيونية الفلسطينية” في تدشين “الصهيونية العربية”

بوابة القليوبية 9 ديسمبر 2018

المتتبع لتاريخ الصهاينة، خاصة ما عرف بـ”الصهيونية السياسية” التي سعت منذ البداية للتسلل إلى بلاط حكومات الدول الكبرى (كان معظمها عريقا بالاستعمار) من أجل نيل ضمانة دولية يحميها “القانون العام”؛ سيكتشف أن تاريخ الصهيونية كان وما يزال يقوم على القدرة على التسلل إلى الأماكن الأشد حصانة وامتناعا من أجل ترويضها وتطويعها وجعلها تخدم المشروع الصهيوني وتتبناه. وبهذا كان هناك منذ البدايات “صهيونية مسيحية” من كبار رجال الفكر والحكم والسياسة في الغرب – من غير اليهود – الذين رأوا في قيام مشروع صهيوني في فلسطين مصلحة خالصة لدولهم. وهذه بالتحديد كانت قصة نجاح الحركة الصهيونية في الحصول على “وعد بلفور” المشؤوم عام 1917، ولاحقا قرار التقسيم 1947، وفيما بعد قرار مجلس الأمن 242 لعام 1967… إلخ.. وغير ذلك من تاريخ حافل بالتآمر، لدرجة يمكن مساواة الصهيونية أو تعريفها كمؤامرة دائمة!!

لذلك، فإن أي دارس للصهيونية، سيرى أثر بصماتها في الكثير من سياسات الدول على مدى القرن العشرين.. ودائما كانت تتواجد في الأمكنة الأشد علاقة بمشروعها، سواء كانت تلك الأمكنة مصنفة على أنها بالغة الصداقة أو بالغة العداء!!

ففي أول عقدين من نشوء الصهيونية، كنا نجد حضورها في بلاط الدول الكبرى (بريطانيا، ألمانيا، فرنسا، روسيا، أمريكا.. وحتى الدولة العثمانية). وبعد أن أنجزت مهمتها في الحصول على وعد بلفور، أخذ التسلل الصهيوني يصل إلى بلاط الملوك والحكام والأعيان العرب، خاصة في فلسطين وجوارها. ويعتبر نجاح الصهيونية في حرب 1948 وتأسيس كيانها الهجين تدشينا لاختراقاتها على مستوى الملوك والحكام، وبعد ذلك، أخذت تتسلل إلى نقاط جديدة، كالجيوش العربية التي كانت حروب 1956 و1967 وحتى حرب 1973 مثالا على حجم اختراقاتها. وعندما ولدت المقاومة الفلسطينية وجدنا التسلل هنا يتحرك إلى مستوى آخر، حيث الوصول إلى التنظيمات الفدائية على اختلافها لمعالجتها والتعامل معها، لنكتشف أن اتفاقية أوسلو التي دبرت بليل كانت تتويجا لمسار طويل من الاختراقات والاتصالات السرية على مدى أكثر من عقدين.

وليس من الصعب أن نفترض أو نستنتج، في ضوء معرفتنا بتاريخ الصهيونية وسلوكها السياسي، أن أشد أماكن تواجدها وتسللها هي تلك التي تعتبر الأشد عداءً لها؛ لأنها بعد نجاحها في “صهينة” أي مستوى تهضمه وتجعله وراءها، وتنطلق إلى التالي المستعصي عليها. ونتصور أن بصماتها عالقة بالكثير من الحوادث الكبرى في منطقتنا، بالأخص بعد هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001 والهجوم على العراق وحوادث الربيع العربي، ووقوفها وراء الظواهر الأشد فتكا ودموية لتأكل من معنويات الشعوب؛ مثيرة الفتن والحروب الأهلية الطاحنة.

في الحقيقة، سيلاحظ المتتبع للصهيونية بأنها لم تفلح كثيرا في “صهينة” ضحيتها الفلسطيني ما قبل أوسلو، رغم بعض النجاحات الجانبية والهامشية في مسار الصراع منذ أيام “المعارضة النشاشبية” زمن الانتداب، ثم بعض النخب الهامشية في الأراضي المحتلة في سنيّ الاحتلال الأولى بعد 1967. وهنا سيسجل اتفاق أوسلو كأكبر خرق حدث في صفوف الفلسطينيين على صعيد جعل مشروعهم “الوطني” مشروعا يضع حبه في طاحونة المشروع الصهيوني!! في هذا المجال، سنذكر ملاحظة “عاصفة” كان قد ألقى بها أستاذ علوم سياسية مرموق في جامعة بيرزيت في سنيّ أوسلو الأولى، عندما قال في فعالية فكرية في الذكرى السنوية العاشرة لانتفاضة 1987 (أي في العام 1997): “سألقي كلمتين وأجري على الله، أما الأولى فكانت: متى أصبح لا يتحدث الناس بالسياسة في جامعة بيرزيت؟ (دلالة على تغول السلطة واحتكارها للشأن العام، خاصة أن جامعة بيرزيت كانت توصف على نطاق واسع في مرحلة ما قبل أوسلو، بأنها “باروميتر” الحياة السياسية في الأراضي المحتلة)!! أما القنبلة الثانية فكانت: هل يعقل أنه أصبح لدينا “تيار صهيوني” في الحركة الوطنية الفلسطينية؟!

واستطرادا، يذكر أحد مؤسسي فتح وعضو لجنتها المركزية الدائم ورئيس المجلس الوطني الفلسطيني في ربع القرن الأخير، السيد سليم زعنون “أبو الأديب”، في مذكراته “السيرة والمسيرة”، عند تناوله لقضية التلاعب القانوني فيما يتعلق بصفة عضوية عضو المجلس التشريعي تلقائيا كعضو مكتسب لعضوية المجلس الوطني، وهي صيغة كان اتفق عليها مع الراحل ياسر عرفات، وصاغ معه القانون المتعلق بالمسألة وذلك قبل انتخابات 1996.. يذكر أنه اكتشف أن من أسماهم أصحاب “الخط الإسرائيلي” في السلطة قاموا قبل انتخابات 2006 بالتلاعب وتعديل القانون؛ الذي بمقتضاه يكون فيه عضو التشريعي ليس عضوا في المجلس الوطني. وذكر الزعنون أنا أبا مازن قام بالتوقيع “سهوا” على مرسوم التعديل!!

والحديث عن “الصهيونية الفلسطينية” يطول ويطول، ويحتاج إلى رسائل وأطروحات لتغطيته، خاصة وأن أوسلو كان ولا يزال في صلبه وجوهره يقوم على حماية الكيان الصهيوني من الشعب الفلسطيني، وليس العكس. والمهم في موضوعنا هو كيف لعب الفلسطينيون دورا في بلوغ “الصهيونية العربية” ما بلغته هذه الأيام من سفور وعلانية وانكشاف وافتضاح!!

الحقيقة، أن محمود عباس كان أكثر المتحمسين على الإطلاق لما سمي “مبادرة السلام العربية” التي كان أطلقها ولي عهد السعودية – في حينه – الأمير عبد الله، وتم تبنيها في قمة بيروت العربية في آذار/ مارس 2002. ولسنوات طويلة، لم يكف محمود عباس عن التبشير في خطاباته، ومن باب إغراء الصهاينة بفضائل هذه المبادرة بأن هناك 57 دولة عربية وإسلامية جاهزة للتطبيع في اليوم التالي لتوسيع معاهدة سلام فلسطينية- صهيونية، وظل يكرر هذه الأسطوانة، بل قام بتنظيم حملة إعلامية واشترى مساحات في الصحف العبرية على مدى أيام، حيث نشر فيها نص مبادرة السلام العربية باللغة العبرية، وأتبعها بشروحه ونصائحه. ومع تكرار هذا السلوك، غدا قيام علاقات عربية- صهيونية، وكأنها مسألة مرغوبة ومطلوبة وتأتي باستدعاء فلسطيني، لذا وجدنا أن رجال عباس لم يتوانوا في القيام برعاية أدوار تطبيعية مشبوهة بين مسؤولي بعض الدول العربية والكيان الصهيوني، من ذلك مثلا قيام جبريل الرجوب باصطحاب الجنرال السعودي المتقاعد أنور عشقي، وترتيب زياراته لمؤسسات ومقابلة شخصيات نافذة في الكيان الصهيوني، فضلا عن قيام مسؤول الأمن الوقائي السابق في غزة محمد دحلان، الذي كان رجل فتح والسلطة الفلسطينية القوي حتى 2010، بتسخير علاقاته الوطيدة بالصهاينة لتعريف هؤلاء وربطهم بقيادات دول خليجية وغير خليجية.

كما قامت حركة فتح بإنشاء مفوضية لبناء علاقات السلام مع المجتمع الصهيوني، وكان رئيسها عضو لجنتها المركزية محمد المدني، ولا زال أبو مازن يلتقي بالقيادات الأمنية التي ينسق ويتشاور ويتبادل معها الآراء السياسية والأمنية، كما لا يزال يلتقي الوفود الحزبية والشبابية والمجتمعية الصهيونية. ومحمود عباس وبطانته هم الذين نظّروا طويلا لجلب العرب والمسلمين لزيارة القدس حتى ولو أنه لا توجد اتفاقية سلام، وحاججوا بأن “زيارة السجين لا تعني زيارة السجان”. في ضوء ذلك، ماذا كان ينتظر محمود عباس من المسؤولين العرب الذين أصبحوا يقولون بعد أوسلو: “نرضى بما يرضى به الفلسطينيون”؟!

لذلك إن كان من لوم على العرب، فإنما هو لوم للسلوك الفلسطيني التطبيعي المتصهين… ألم يأت وزير خارجية عُمان قبل شهور ويزور القدس والأقصى المحتلين، بترحاب وتهليل رسمي فلسطيني؟ فلماذا العجب إذن من زيارة نتنياهو لمسقط ولقائه بقابوس؟ أما عن علاقات أمراء ومسؤولي السعودية وأبو ظبي والبحرين وقطر؛ فهي تتم بمباركة رسمية فلسطينية مع الأسف. وإن أردنا لهذه الهرولة من التطبيع الوقح مع الاحتلال أن تتوقف، فهذا يحتاج إلى إعادة إحياء الحركة الوطنية الفلسطينية، وطي صفحة السلطة الفلسطينية، ومن ثم إعادة تعريف العدو المحتل وتعريف التطبيع والتعايش معه، أو غير ذلك من المفاهيم والممارسات.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

محمد سليمان يكتب: رسالة لن تصل إلى الرئيس محمد مرسي

السلام عليك يا خير من جلس على عرش مصر في عصرها الحديث السلام عليك يا ...