عبد الله الأشعل يكتب: قتل خاشقجي.. 7 مسائل قانونية

.

بوابة القليوبية 7 ديسمبر 2018

تفاعلت قضية قتل جمال خاشقجي الصحفي السعودي والمقيم في الولايات المتحدة والكاتب في صحيفة “واشنطن بوست”، في 2 تشرين الأول/أكتوبر 2018 في قنصلية بلاده باسطنبول، على المستويات الرسمية خاصة في فرنسا وألمانيا وانشغلت قمة العشرين في الأرجنتين في نهاية نوفمبر الماضي، ولوحظ أن السعودية تحاول باستماتة أن تبعد الشبهة عن ولي العهد محمد بن سلمان، ولكن بعض وسائل الإعلام الأمريكي وسلطات التحقيق التركية تضيق الخناق على ولي العهد، هذه الوقائع تطرح العديد من المسائل القانونية حتى قبل أن تعلن تركيا التفاصيل النهائية لحادث الاغتيال بما في ذلك تورط ولي العهد بشكل مباشر في الجريمة.

المسألة الأولى:

هل يمكن تصور جريمة بهذه الوحشية نفذها رسميون من الأمن السعودي في دولة أخرى بتعليمات مباشرة من ولي العهد وفي داخل القنصلية السعودية. هل يتصور أن الفريق الذي قام بالاغتيال والتقطيع من خالف تعليمات رئاسته ؟

إن مجرد قيام رسميين بالجريمة داخل مبنى القنصلية يقطع بأن الجريمة ليست من تدبير شخص من الفريق ولكن يتضح أنه يعمل بتعليمات عليا وحتى تتأسس مسؤولية الحكومة السعودية وعلى رأسها الملك وولي عهده، وإذا كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ألمح إلى براءة الملك سلمان بن عبد العزيز فإنها إشارة ذكية لإدانة ولي العهد على أساس ظروف المملكة وهيمنة ولي العهد على القرار. فإذا أراد ولي العهد أن يفلت من المساءلة فعليه أن يثبت بالوثائق أنه شخصيا أصدر تعليمات خالفها الفريق الأمني وفي هذه الحالة يتركز العقاب الإداري والجنائي على الفاعلين المخالفين ولكن هذه القضية لا يفصل فيها في هذه النقطة إلا محقق دولي لأنه من السهل توفير الأدلة وصناعتها إذا تعلق الأمر بالجانب السعودي.

المسألة الثانية:

هل إعدام بعض المتهمين يفلت الأمير من العقاب ؟

في هذه النقطة يفترق القانون عن الشريعة الإسلامية فالقانون الذي وضعه البشر يسمح بإفلات من يشاء ولكنه وفقا للشريعة يريد أن يفتدي بمن أمرهم بالقتل فلا يتوفر الأساس الشرعي بقتلهم ويصبح قتلهم جريمة جديدة تضاف إلى جرائم الجانب السعودي فإن عدم حسم القضية بصدق يصيب أبرياء كثر. على أن معاقبة المنفذ لا تغني عن معاقبة الآمر لأن بداية الخيط في الجريمة هو الأمر بالقتل ولا يمكن فك الارتباط بين الآمر والمنفذ عندما يكون المنفذ رسميا ومن الموظفين العموميين الذين يفترض أنهم يلتزمون بتعليمات الآمر حتى ولو كان قتل الخصوم وهذا قد يجوز في القانون السعودي ولكنه ليس جائزا في الشريعة « لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» ولا يمكن تفسير سلطة ولي الأمر في الإسلام بأنها تشمل القتل والتمثيل والتوحش الإجرامي فقد كان يكفي أن يتم إخراج الضحية من الحياة إلى الموت دون تعذيبه أو التمثيل بجثته لأن حرمة الموت تأبى هذه التصرفات المشينة.

المسألة الثالثة:

تتعلق بالوضع القانوني للفريق الأمني.

هذا الفريق الأمني قد يدعي أنه تحكمه اتفاقية فيينا للبعثات الخاصة فهذا الفريق بعثة مكلفة بمهمة محددة وهي تصفية خاشقجي في مقر القنصلية السعودية ربما أملا في إخفاء الجريمة أو أملا في التمتع بحصانة الموقع، ولكن الحصانات المقررة للبعثة الخاصة تدور وجودا وعدما مع مشروعية المهمة التي تقوم بها البعثة الخاصة وبالقطع فإن بعثات الاغتيال لا تتمتع بالحصانة ابتداء خاصة وأن الجريمة مرتبة ومعدة سلفا وأن أعضاء الفريق تم اختيارهم على ضوء هذه المهمة الإجرامية، وقد يبحث فريق التحقيق الدولي عن القرار السعودي الذي صدر بتشكيل البعثة وتحديد مهمتها. ولا ينال من هذا الحكم أن الفريق الأمني يحمل جوازات دبلوماسية وربما تم تغطيته بألقاب ودرجات دبلوماسية بزعم أنهم ينضمون إلى طاقم البعثة السعودية في إسطنبول للعمل بها بعض الوقت ذلك أن الأصل هو أن فكرة المهمة الإجرامية والترتيب لها ينفي تماما أية علاقة بين هذه البعثة والبعثات الخاصة التي وضعت قواعد عملها وتشكيلها وحصانتها اتفاقية فيينا للبعثات الخاصة.

المسألة الرابعة:

الاختصاص القضائي: الحصانة مقابل السيادة

يتمتع مبنى القنصلية السعودية بإسطنبول بحصانة المقر بشرط أن تكون الحصانة لازمة لأداء الوظيفة القنصلية فإذا تم الانفصال بين الوظيفة وبين لزوم حمايتها بالحصانة تسقط الحصانة لأن الوظائف القنصلية محددة في اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963 وإن جاز التصرف بالزيادة أو النقص في بعض هذه الوظائف لكن هذه الوظائف لا تشمل بالقطع استخدام مبنى القنصلية لقتل الخصوم وتقطيع جثثهم، ويترتب على ذلك أنه إذا علمت تركيا» الدولة المستقبلة»، بحكم سيادتها على إقليمها بما في ذلك المكان المخصص للبعثات الأجنبية، مسبقا أن جريمة يتم الإعداد لها في مبنى القنصلية يكون لها كامل الحق في اقتحام القنصلية وإسقاط الحصانة ومنع الجريمة إن أمكن كما يجوز لها القبض على كل الحاضرين حتى وإن كانوا من العاملين الدبلوماسيين بالقنصلية Red handed لأنهم يتم القبض عليهم بالجرم المشهود. وخلاصة القول إنه لا حصانة لمكان أو شخص طرف في عملية إجرامية ولا يجوز التستر بالحصانة لارتكاب بهذه الجريمة والعلاقة بين السيادة والحصانة يجب توضيحها فالسيادة: هي إطلاق قدرة الدولة وسلطاتها على أراضيها وعلى المقيمين فيها بضوابط مختلفة. وأما الحصانة فهي: كف يد الدولة صاحبة الأرض عن عرقلة وظائف البعثة المعترف بها دوليا. ولذلك فإن انحراف البعثة عن وظائفها يجعلها عارية عن كل حصانة ولا تجد مظاهر السيادة مانعا من أن تمتد بإطلاق إلى مبنى القنصلية فيجوز تفتيشه وإخلاء الموظفين منه وتصويره وتنظيم الدخول إليه. وعلى الجانب الآخر قد ترى السعودية أن القاتل سعودي والمبنى سعودي وأن القضاء والقانون السعودي يسودان ويمنعان القانون القضائي التركي وهذا زعم إن صح يخرج تماما عن إطار القانون الدولي في أي عصر، وهذا يخالف الواقع حيث القضية بدأت دولية ولا تملك السعودية حصرها في إطار سعودي لأنها ببساطة تمت على أرض أجنبية فلا تملك السعودية سوى التصرف في المبنى بيعا أو ترتيبا أما ما يقع فيه من جرائم فيختص به القاضي التركي.

المسألة الخامسة:

تتعلق بمدى وجود تنازع في الاختصاص القضائي بين تركيا والسعودية.

تطالب تركيا بمحاكمة المتهمين السعوديين أمام محاكمها وتصر السعودية على أن هؤلاء المتهمين موظفون رسميون كانوا في مهمة رسمية ويتمتعون بالحصانة وهذه المهمة الرسمية هي إقناع خاشقجي بالعودة إلى السعودية ولكن تطور الخلاف بين الطرفين هو الذي دفع الفريق الأمني إلى قتل المنشق السعودي وهو قتل خطـأ من فريق رسمي يتمتع بالحصانة ولذلك يختص القضاء السعودي بالمحاكمة وهذا مضمون بيانات النيابة العامة السعودية هذه النظرية مردود عليها باعتراف النيابة العامة بأن القتل كان مدبرا ولم يكن تطورا عرضيا وأن الاستعداد له بكل أدواته كان في الحسبان وأن بيانات النيابة السعودية تناقض نفسها مثلما تتناقض الروايات الخمس السعودية المتوالية. ومعنى ذلك أنه ليس هناك تنازع في الاختصاص القضائي إنما هناك القضاء التركي الوحيد المختص ولكن إذا كانت تركيا تعلم يقينا أن ولي العهد هو الذي أمر بالقتل فلماذا تصر على محاكمة المنفذين ؟

أغلب الظن أن تركيا تهدف من المحاكمة ليس إلى إثبات أنهم هم الذين قتلوه أو تحديد نسبة المساهمة الإجرامية ولكن لاستكمال الدور الحقيقي للأحداث عن طريق الاعترافات والتحقيقات وصولا إلى الآمر الحقيقي بالقتل ونقل الافتراض إلى معلومات فيجوز أن يكون الآمر أحد المقربين من ولي العهد ولكن المعلومات يمكن أن تثبت أنه هو من أمر بالقتل. وفي كل الأحوال إذا ثبت ذلك فإن القضية القانونية ستتخذ منحنى جديدا قد لا يختص القضاء التركي بمحاكمة ولي العهد الذي يتمتع بحصانة الدولة وليس الحصانة الدبلوماسية ونظن أن اعتقاد تركيا بهذه النتيجة هو ما دفعها إلى المطالبة بإجراء تحقيق دولي في القضية يتجاوز الاختصاص الوطني كما لا يتوقع أن يحاكم ولي العهد في السعودية.

المسألة السادسة:

القضية على المستوى الدولي..

مادامت الجريمة قد وقعت على أرض تركية وفي مبنى رسمي سعودي وقام بها فريق أمني رسمي بتخطيط مسبق تنعقد المسؤولية الدولية على السعودية ويجوز لتركيا أن ترفع دعوى أمام محكمة العدل الدولية لأن هذه الجريمة تعتبر انتهاكا مباشرا لقواعد القانون الدولي ولسيادة تركيا ولأن هذه الحادثة ستظل حادثا تاريخيا فإن تركيا قد تجد غضاضة من الناحية السياسية في رفع هذه الدعوي.

المسألة السابعة:

مدى اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بمحاكمة القتلة

الجريمة تقع ضمن الجرائم التي تختص المحكمة بنظرها وهي ضمن الجرائم ضد الإنسانية بما اشتملت عليه من استخدام حصانة البعثة والحصانة المفترضة للفريق الأمني والبشاعة التي تمت بها الجريمة والتضليل الذي اكتنف الموقف السعودي لإفلات ولي العهد ولكن السعودية ليست طرفا في نظام روما وتركيا طرف ولكنها قد تترد في تقديم الطلب إلى المحكمة ولذلك ربما كانت مطالبها بالتحقيق الدولي لإعفائها من هذا الحرج لأن التحقيق الدولي الذي يقوم به مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يستطيع أن يعرض على المحكمة وأن يكون دافعا للمدعي العام بتحقيق القضية وفي هذه الحالة لا يهم أن تكون السعودية ليست طرفا في النظام وبالطبع فنحن نستبعد أن تصل القضية إلى مجلس الأمن وأن يصدر فيها قرار بإحالتها إلى المحكمة على غرار ما حدث مع الرئيس السوداني عمر البشير.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

‎أسامة رشدي يكتب: مصر: مشروع لدسترة الاستبداد والتنازل عن الأرض .. ما دوركم ؟

بوابة القليوبية 17 ديسمبر 2018 يتعامل المستبدون مع الدساتير كما تعامل كفار قريش مع آلهة ...